للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

والخامس: أنَّ الصَّوْم في الكفارةِ مُقَّدرُ بشهرين (١)، وقالَ ربيعةُ الرأي (٢): الصَّوْم مُقَّدُرُ باثني عشرَ يومًا قالَ: لِأَنَّ السُنةَ اثني عشرَ شهرًا، والمأمورُ بهِ صومُ شهرٍ واحدٍ مِنَ السَّنةِ ليقُومَ ذلكَ مَقامَ اثني عشَر شهرًا، فصومُ كُلِّ يومٍ يقومُ مَقامَ اثني عشَر يومًا، وبعضُ الزُّهادِ يقولُ (٣): الصَّوْم مُقَّدٌر بألفِ يومٍ، فإنَّ في رمضانَ ليلةَ القدرِ، وهي خيرٌ مِنْ ألفِ شهرٍ، فإذا نَوَى صومَ يومٍ منُه فعليهِ أنْ يصومَ ألفَ يومٍ ليقومَ مقامَهُ، ولسنا نأخذُ بشيءٍ منِ هذا، فإنّ الاعتمادَ على الآثارِ المشهورةِ كما رَوينا، وهذهِ آثارٌ تلقاها العلماءُ بالقَبولِ، والعملِ بها فإثباتُ الكفارةِ بمثلهِ جائزٌ.

والسادس: أنَّ الصَّوْم مُقَّدرٌ بالشهرينِ بصفةِ التتابع، وقالَ ابْنُ أبي لَيْلَى (٤): إنْ شاءَ فَّرقَ، وإنْ شاءَ تابعَ. كذا في «المَبْسُوط» (٥)؛ لأنها شُرِعَتْ في الوقائعِ؛ لأنَّ النصَّ وردَ في الجِماعِ في حديثِ الأعرابيِّ (٦) حيثُ/ سألَ النبيَّ -عليه الصلاة والسلام-: واقعْتُ امرأتي في نهارِ رمضانَ؟ فتصيرُ المواقعةُ سببًا نصًّا فلا يجوزُ التعليقُ بسببٍ آخرَ، وهو الأَكْلُ والشربُ؛ لأنّ الكفاراتِ تجري مجرى العقُوباتِ فلا تثبتُ أسبابُها قِياسًا، وإنمَّا تثبتُ بالنصِّ، فالجِماعُ منصوصٌ عليهِ فصارَ السببُ جِماعًا لا يبقى معهُ صومُ الوقتِ، ولهذا قُلْتُ (٧): تجبُ الكفارة بجِماعِ الميتةِ، وجماعِ البهيمةِ، وكذلكَ إذا أصبحَ فجامَعَ لِأَهلهِ؛ لأنَّ الصَّوْم مُنعدِمُ بسببِ الجِمُاعِ، وإنمَّا علماؤُنا احتجوا بما رَوَى أبو هُريرةُ -رضي الله عنه-: «مَنْ أَفْطَرَ في رمضانَ فعليهِ ما على المُظاهرِ» (٨)، ولم نذكرْ بأيِّ سببٍ أفطرُه، وسألهُ رَجلٌ فقالَ: "يا رسولَ اللهِ أفطْرتُ في رمضانَ؟ فقالَ -عليه الصلاة والسلام-: «مِنْ غير مَرُضٍ، ولا سَفَرٍ»؟ فقالَ: نعمْ، فقالَ: «أعتقْ رقبةً» (٩)، ولم يسألْهُ عمَّا أفطرهُ، فَدلَّ أنهُ لا يختلفُ. ألا ترى أنهُ سألَهُ عن حالهِ بالمرضِ، والسفرِ لاختلافِ حُكْمِ الحالِ (١٠).


(١) يُنْظَر: المَبْسُوط (٣/ ١٢٩).
(٢) هو: ربيعه بن فروخ، التيمي - تيم قريش- بالولاء؛ أبو عثمان، امام حافظ فقية مجتهد، من أهل المدينة، من أهل الرأي، قيل له: (ربيعه الرأي) لقوله بالرأي فيما لا يجد فيه حديثًا أو أثرًا، كان صاحب الفيتا بالمدينة، وعلية تفقه الامام مالك، توفي بالهاشمية من أرض الأنبار بالعراق، قال مالك: ذهبت حلاوة الفقة منذ مات ربيعة.
يُنْظَر: (تهذيب التهذيب: ٣/ ٢٥٨)، و (تاريخ بغداد: ٨/ ٤٢٠)، و (الأَعْلَام للزركلي: ٣/ ١٧).
(٣) هكذا في الأصل، ولعلها زيادة من الناسخ.
(٤) يُنْظَر: الْعِنَايَة شرحُ الهِدَايَة (٣/ ٦٣).
(٥) يُنْظَر: المَبْسُوط للِسَّرَخْسِي (٣/ ١٢٧ - ١٢٩).
(٦) أخرجه الْبُخَارِيُ في صحيحه (٣/ ٣٢)، باب إذا جامع في رمضان ولم يكن له شيء فتصدق عليه فليكفر، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
(٧) في هذه المسألة خالف المصنف -رحمه الله- المذهب فالمذهب لا تجب الكفارة، سواء أنزل، أو لم ينزل، يُنْظَر: المَبْسُوط (٣/ ١٤٣)، بَدَائِعُ الصَّنَائع (٢/ ٩٤).
(٨) سبق تخريجه ص (٣١٧).
(٩) رَوَاهُ أبو يعلى في مسنده (٥٧٢٥ - ١٠/ ٨٩)، قال المقدسي في ذخيرة الحفاظ (٢/ ١٢٠٤): رَوَاهُ ليث بن أبي سليم: عن عطاء، عن جابر، عن أبي هريرة، وليث ضعيف.
(١٠) يُنْظَر: الْعِنَايَة شرحُ الهِدَايَة (٢/ ٣٣٩).