للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[[حجر الصبي من أجل صباه]]

فإن قلتَ: كيف يصحُّ التعليل للشافعي- رحمه الله- بهذا مع انتقاض هذا الأصل في العبد انتقاضًا ظاهرًا، فإن لخصمه أن يقول: فلا يلزمنا هذا، فإن حَجْر العبد لرِّقه، ومع ذلك لم يبق هو محجورًا ببقاء الرق (١)، بل صار هو مأذونًا في التجارة عند إذن الموْلَى له في التجارة بالاتفاق (٢)، فلم يَعمل عليه الحجر هناك عند وجود الإذن (٣)، فكذا هنا.

[[الفرق بين حجر العبد وحجر الصبي]]

قلتُ: تمام هذا التعليل فيما ذكره من «المبسوط» (٤)، وهذا بعض منه، وبتكميله يتم التعليل، يعني: (أن ما به كان الصبي محجورًا عليه لم يَزُل بالإذن؛ فإن الحجر عليه لأجل الصبا، أو لنقصان عقله لا لحق الغير في ماله، إذ لا حق لأحد في ماله؛ وهذا المعنى بعد الإذن قائم، بخلاف العبد، فإن الحجر هناك لحق الموْلَى في كسبه ورقبته، وبالإذن صار الموْلَى راضيًا بتصرفه في كسبه) فيصير مأذونًا.

وأما ههنا فوجود الإذن وعدمه بمنزلة؛ لأنه ليس للموْلَى حق في ماله حتى يرتفع حقه بإذنه، فيعمل الصبا عمله على ما كان وهو الحجر، وحاصله: أنه يَدَّعِي الحجر في الصبي لذاته وهو الصبا لا لغيره، وفي العبد لغيره وهو حق الموْلَى، فيرتفع الحجر في العبد لارتفاع ذلك الغير، وفي الصبي لمَّا كان الحجر لذات الصبا لا يرتفع الحجر عنه ما لم يرتفع عنه الصبا، فلا يكون واليًا للمنافاة؛ لأن كونه مُوْلِيًّا عليه سِمة العجز، وكونه واليًا آية القدرة، وبين القدرة والعجز منافاة (٥).

[[صحة النوافل من الصبي]]

(بخلاف الصوم والصلاة) أي: الصوم النفل والصلاة النفل حيث يصِحَّان منه، (فكذا الوصية على أصله (٦) أي: قُلتُ بصحة وصيته في أبواب الخير على أصل، ومن أصله: أن كل تصرف لا يتحقق من الولي في حقه يصح تصرف الصبي فيه بنفسه، وما يتحقق من الولي فلا يصح مباشرة الصبي فيه؛ [لأن تصرفه] (٧) بنفسه سبب الضرورة، والضرورة تندفع فيما يتصرف فيه الولي (٨).

[[صحية الوصية من الصبي]]

وذكر في «المبسوط» (٩) في تعليل الشافعي (أن اعتبار عقله مع النقصان لأجل الضرورة؛ وإنما تتحقق هذه الضرورة فيما لا (١٠) يمكن تحصيله بوليه، فجعلتُ عقله في ذلك معتبرًا؛ ولهذا صحَّت منه الوصية بأعمال البر، وَخِيرَتُه بين الأبوين، ولا تتحقق الضرورة فيما يمكن تحصيله له بوليه- ولهذا لم يصِّح إسلامه بنفسه، ثم مقصود هذه التصرفات تحصل له بوليه- فلا حاجة إلى اعتبار عقله فيه).


(١) سقطت في (أ).
(٢) انظر: المبسوط للسرخسي (٢٥/ ٣ - ٤)، تحفة الفقهاء (٣/ ٢٨٥)، الاختيار (٢/ ١٠٠).
(٣) في (أ) (المأذون) وما أثبت هو الصحيح لسياق الكلام.
(٤) للسرخسي (٢٥/ ٢١).
(٥) انظر: العناية شرح الهداية (٩/ ٣١١)، البناية شرح الهداية (١١/ ١٧٣)، تبيين الحقائق (٥/ ٢١٩).
(٦) أي: الشافعي-رحمه الله-.
(٧) سقطت في (ع).
(٨) انظر: العناية شرح الهداية (٩/ ٣١١)، البناية شرح الهداية (١١/ ١٧٤).
(٩) للسرخسي (٢٥/ ٢١).
(١٠) سقطت في (ع).