للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

أَلَا تَرَى أَنَّهُ (١) يَحِلُّ تَنَاوُلُهُ مِنْ غَيْرِ ذَكَاةٍ، وَمَا يَسِيلُ مِنْهُ؛ عَنْدَ الشَّقِّ فَذَاكَ لَيْسَ بِدَمٍ؛ إِنَّمَا ذَاكَ مَاءٌ آجِنٌ مُتَغَيِّرٌ (٢)، أَلَا تَرَى أَنَّهُ إِذَا شُمِّسَ يَبْيَضُّ (٣)، وَسَائِرُ الدِّمَاءِ يَسْوَدُّ بِالشَّمْسِ، إِلَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ، فَإِنَّ دَمَهُ نَجِسٌ عِنْدَهُ (٤)؛ وَهُوَ ضَعِيفٌ كَذَا فِي "الْمَبْسُوطِ " (٥).

[حُكْمُ اليَّسِيرِ مِنَ النَّجَاسَةِ]

قَوْلُهُ -رحمه الله-: (إِنِ (٦) انْتَضَحَ عَلَيْهِ الْبَوْلُ، مِثْلَ رُءُوسِ الْإِبَرِ؛ فَذَاكَ لَيْسَ بِشَيْءٍ)

أَيْ لَيْسَ بِشَيْءٍ مُعْتَبَرٍ فِي النَّجَاسَةِ؛ حَتَّى يَجِبَ غَسْلُهُ، يَعْنِي لَا يَجِبُ غَسْلُهُ (٧)، فَيَجُوزُ الصَّلَاةُ مَعَهُ، وَإِنَّمَا فُسِّرَ بِهَذَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَوْجُودٌ، فَكَانَ شَيْئًا حَقِيقَةً، وَلَكِنَّ تَأْوِيلُهُ مَا قُلْنَا، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسْتَطَاعُ الامْتِنَاعُ عَنْهُ، خُصُوصًا فِي مَهَبِّ الرِّيحِ، وَقَدْ سُئِلَ … ابْنُ عَبَّاسٍ -رضي الله عنه- عَنْ ذَلِكَ (٨) فَقَالَ: (إِنَّا لَنَرْجُو مِنْ عَفْوِ اللَّهِ أَوْسَعَ مِنْ هَذَا) (٩).

[مَا يَشُقُّ إِزَالَتُهُ من النَّجاسَةِ]

وَلِأَنَّ الذُّبَّانَ يَقَعُ (١٠) عَلَى النَّجَاسَةِ، ثُمَّ يَقَعْنَ عَلَى ثِيَابِ الْمُصَلِّي، وَلَا بُدَّ مِنْ (١١) أَنْ يَكُونَ عَلَى أَرْجُلِهِنَّ، وأجنحتهن شَيْءٌ مِنَ النَّجَاسَةِ، واحَدٌ لَا يَسْتَطِيعُ الامْتِنَاعَ عَنْهُ (١٢)، وَلَا يُسْتَحْسَنُ لِأَحَدٍ اسْتِعْدَادُ ثَوْبٍ لِدُخُولِ الْخَلَاءِ، وَرُوِيَ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ زَيْنَ الْعَابِدِينَ (١٣) -رحمه الله- تَكَلَّفَ لِذَلِكَ، يَعْنِي اسْتَعَدَّ لِبَيْتِ الْخَلَاءِ ثَوْبًا ثُمَّ تَرَكَ وَقَالَ: لَمْ يَتَكَلَّفْ لِهَذَا (١٤) مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي، يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَالْخُلَفَاءَ الرَّاشِدِينَ -رضي الله عنهم- (١٥).


(١) في (ب): (يرى أنه).
(٢) في (ب): (إنما كان نظري معتبرة).
(٣) في (ب): (ابيض).
(٤) (عنده)، ساقطة من (ب)
(٥) ينظر: "المبسوط" للسرخسي (١/ ٥٧).
(٦) (إن): جاءت في الهداية (فإن). ينظر: "الهداية في شرح بداية المبتدي للمرغيناني" (١/ ٢٤).
(٧) أما ابو يوسف فيوجب غسله إن رئي أثره، حيث يقول: (إذ انتضح من البول بشيء يرى أثره لا بد من غسله، ولو لم يغسل، وصلى كذلك، فكان إذا جمع كان أكثر من قدر الدرهم أعاد الصلاة). ينظر: "المحيط البرهاني لإبن مازة " (١/ ١٩٢).
(٨) (ذلك): ساقطة من (ب).
(٩) ينظر: " الْعِنَايَة شرح الهداية للبابرتي " (١/ ٢٠٨ - ٢٠٩) و"حاشية الطحاوي على مراقي الفلاح شرح نور الإيضاح" (ص: ١٥٧).
(١٠) في (ب): (يقعن).
(١١) (من)، ساقطة من (ب)
(١٢) ينظر: "المبسوط"للسرخسي (١/ ٦٠)، و"بدائع الصنائع للكاساني" (١/ ٨٠)، و"المحيط البرهاني لإبن مازة " (١/ ١٩٢).
(١٣) محمد بن علي زين العابدين: هو الإمام، أبو جعفر؛ محمد بن علي بن الحسين بن علي العلوي، الفاطمي، المدني، ولد زين العابدين. ولد: سنة ست وخمسين، في حياة عائشة وأبي هريرة، قال عنه الذهبي: كان أحد من جمع بين العلم والعمل والسؤدد، والشرف، والثقة، والرزانة، وهو أحد الأئمة الإثني عشر الذين تبجلهم الشيعة الإمامية تُوُفِّي أَبُو جَعْفَر سنة ١١٤ هـ. انظر " الطبقات الكبرى لإبن سعد "
(٥/ ٢٤٦)، "تاريخ الإسلام للذهبي " (٣/ ٣٠٨)، "سير أعلام النبلاء للذهبي (٤/ ٤٠١).
(١٤) في (ب): (بهذا).
(١٥) ينظر: "حاشية الطحاوي على مراقي الفلاح" (١/ ٥٤).