للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

-قوله: (إذ الموت زوال الحياة) (١).

قال شيخي (٢) -رحِمَهُ الله-: وهذا تعريف بلازمه المسمى [لا بنفس المسمى] (٣) بل الموت أمر وجودي يلزم منه زوال الحياة؛ قال الله تعالى: {خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ} [الملك: ٢]، وما يدخل تحت الخلق فهو أمرٌ وجودي [والله أعلم] (٤).

فَصْلٌ فِي الْبِئْرِ

(وَإِذَا وَقَعَتْ فِي الْبِئْرِ نَجَاسَةٌ نُزِحَتْ وَكَانَ نَزْحُ مَا فِيهَا مِنْ الْمَاءِ طَهَارَةً لَهَا) بِإِجْمَاعِ السَّلَفِ وَمَسَائِلُ الْآبَارِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى اتِّبَاعِ الْآثَارِ دُونَ الْقِيَاسِ (فَإِنْ وَقَعَتْ فِيهَا بَعْرَةٌ أَوْ بَعْرَتَانِ مِنْ بَعْرِ الإبِلِ أَوْ الْغَنَمِ لَمْ تُفْسِدْ الْمَاءَ) اسْتِحْسَانًا، وَالْقِيَاسُ أَنْ تُفْسِدَهُ لِوُقُوعِ النَّجَاسَةِ فِي الْمَاءِ الْقَلِيلِ. وَجْهُ الاسْتِحْسَانِ أَنَّ آبَارَ الْفَلَوَاتِ لَيْسَتْ لَهَا رُءُوسٌ حَاجِزَةٌ وَالْمَوَاشِي تَبْعَرُ حَوْلَهَا فَتُلْقِيهَا الرِّيحُ فِيهَا فَجَعَلَ الْقَلِيلَ عَفْوًا لِلضَّرُورَةِ، وَلا ضَرُورَةَ فِي الْكَثِيرِ، وَهُوَ مَا يَسْتَكْثِرُهُ النَّاظِرُ إلَيْهِ فِي الْمُرَوِّي عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ -رحِمَهُ الله-، وَعَلَيْهِ الاعْتِمَادُ، وَلا فَرْقَ بَيْنَ الرَّطْبِ وَالْيَابِسِ وَالصَّحِيحِ وَالْمُنْكَسِرِ وَالرَّوْثِ وَالْخِثْيِ وَالْبَعْرِ لأنَّ الضَّرُورَةَ تَشْمَلُ الْكُلَّ)

لما ذكر حكم الماء القليل بأنه يتنجس كله عند وقوع النجاسة فيه حتى يراق (٥) كله ورد عليه حكم ماء البئر نقضًا في أنه لا ينزح كله في بعض الصور استدعى هو ذكر ماء البئر بفصل على حدة مرتبًا عليه؛ لأن كونه من الماء القليل يقتضي أن يكون متصلاً به من غير فصل، ولكن مخالفته في الحكم يقتضي أن يكون منفصلاً عنه فوصله بفصل على حدة رعايةً للمعنيين؛ وذلك لأن ماء البئر مخصوص بأحكام يخالف بها حكم الماء القليل فإن حكمه يتفاوت بتفاوت الواقع ويطهر بإزالة بعضه في بعض الصور اتباعًا للآثار، وعن هذا قالوا (٦): مسائل الآبار مبنية على اتباع الآثار وإلا ففيه قياسان: إذا وقعت فيه النجاسة إما أن يطم البئر طمًّا ولا ينتفع به أبدًا لاختلاط النجاسة بالأوحال والجدران كما قاله بشر المريسي (٧)، وإما أن لا ينجس أبدًا كالماء الجاري؛ لأنه كلما يؤخذ من أعلاه ينبع من أسفله فصار كحوض الحمام إذا كان يصب من جانب [ويؤخذ من جانب] (٨) حتى لا يتنجس بإدخال اليد النجسة فيه إذا كانت الحالة هذه، ولهذا نقل عن محمد أنه قال: اجتمع رأيي ورأي أبي يوسف أن ماء البئر في حكم الماء الجاري إلا أنا تركنا القياس واتبعنا الآثار.


(١) في مذهب الحنفية. انظر: مختصر الطحاوي ص (١٧)، شرح فتح القدير (١/ ٩٦)، البناية في شرح الهداية (١/ ٣٧٧)، ومذهب الشافعية: أن الشعر والصوف والوبر، والريش والعصب، والقظم، والقرن، والسن، والظلف، والظفر من الميتة كلها نجسة، انظر: الحاوي الكبير (١/ ٧٠) المجموع (١/ ٢٨٥، ٢٨٦)، وروضة الطالبين (١/ ٤٣).
(٢) لعله يقصد المرغيناني: كشف الأسرار (٤/ ٤٣٤) أو يقصد شيخه محمد بن محمد بن نصر البخاري.
(٣) ساقط من (ب).
(٤) ساقط من (ب).
(٥) في (ب): «يزال».
(٦) انظر: الهداية (١/ ٤٩).
(٧) في (ب): «المرسي» وهو أبو عبد الرحمن بشر بن غياث المريسي، كان أبوه يهودياً فأسلم، بدأ بشر حياته كفقيه أو محدث، فأخذ الفقه عن أبي يوسف القاضي: وروى الحديث عن حماد بن سلمة: ولكنه بعد ذلك تأثر بالمعتزلة وصار منهم وكان يقول بخلق القرآن وظل يدعو إلى ذلك نحو من أربعين سنة توفي سنة: (٢١٨ هـ)، انظر سير أعلام النبلاء (٨/ ٣٢٦)، الإعلام للزركلي (٢/ ٥٥).
(٨) ساقط من (ب).