للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وذكر في «الإيضاح» (١): ولنا أن السّفر إنما صار مبيحًا لمشقة تلحقه من نقل الأقدام، والغيبة عن الوطن، وهذا لا خطر فيه، وإنما الخطر فيما يكون بعد انقطاع السّفر، فجرى ذلك مجرى المقصود لا مجرى معنى الفعل؛ لأن معنى الشيء ما يأتي مع الصورة، وثمرة الشيء تكون بعد تمام الصورة، فيثبت أن الفساد هنا لمعنى راجع إلى المقصود، وذلك مما يقبل الفصل عنه، فبقي السّفر من حيث إنه يفيد الرخصة مباحًا (٢) لا خطر فيه (٣).

قوله -رحمه الله- (ولنا إطلاق النصوص) (٤)، وهي النصوص التي ذكرناها، وإنّما المعصية ما يكون بعده كما في السرقة، أو يجاوزه، كما في الإباق (٥)، فصلح متعلّق الرخصة بفتح لام متعلّق، أي: موضع تعلّق الرخصة؛ [لأنه] (٦) لما لم يكن معصية في ذاته، وهو نقل الخطوات إلى مكان بعيد صلح أن يكون مثبت الرخصة؛ لأنه ليس بمعصية في نفسه بهذا الاعتبار، [والله أعلم] (٧)، (٨).

[باب صلاة الجمعة]

تناسب مضموني البابين من حيث إن كلًّا منهما يتصّف بواسطة، فالأوّل بواسطة السّفر، والثاني بواسطة الخطبة إلا أن الأوّل شامل في كل ذوات الأربع، والثاني خاص في الظهر، والخاص بعد العام، وجودًا؛ لأن التخصيص لا يكون إلا بعد التعميم، ذكر في «المغرب» (٩): الجمعة من الاجتماع، كالفرقة من الافتراق أضيف إليها اليوم والصلاة، ثم كثر الاستعمال حتى حذف منها المضاف، وجمعت، فقيل: جمعات، وجمع.

اعلم: أن الجمعة فريضة محكمة لا يسع (١٠) تركها، ويُكفر جاحدها تثبت فرضيتها بالكتاب، والسنة، وإجماع الأمة، ونوع من المعنى (١١).

[١٤٢/ أ] أمّا الكتاب فقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} (١٢)، والمراد من ذكر الله: الخطبة، والأمر للوجوب (١٣)، وإذا افترض السعي إلى الخطبة التي هي شرط/ جواز الجمعة، فإلى أصل الجمعة كان أوجب، ثم أكدّ الوجوب بقوله: {وَذَرُوا الْبَيْعَ} (١٤)، فحرّم البيع بعد النداء، وتحريم المباح من الله تعالى لا يكون إلا لأمر واجب.


(١) ينظر: نور الإيضاح: ص ٦٩.
(٢) في (ب) محتاجًا.
(٣) ينظر: الاختيار لتعليل المختار: ١/ ٨٦.
(٤) ينظر: الهداية شرح البداية: ١/ ٨١.
(٥) الآبق: المملوك الذي يفر ويروغ من مالكه قاصدًا. أبقَ العبد أبقًا: إذا هرب من سيده من غير خوف ولا كدِّ عمل، أما إذا هرب العبد من ظلم سيده لا يسمى آبقًا بل يسمى هاربًا، وعلى هذا الإباق عيب والهروب ليس بعيب. يُنْظَر: لسان العرب ١٠/ ٣، التعريفات ١/ ٢٠.
(٦) [ساقط] من (ب).
(٧) [ساقط] من (ب).
(٨) ينظر: العناية شرح الهداية ٢/ ٤٧، ٤٨.
(٩) (١/ ١٥٨ - مادة "جمع").
(١٠) في (ب): "يسوغ".
(١١) ينظر: العناية شرح الهداية ٢/ ٤٩.
(١٢) سورة الجمعة من الآية: (٩).
(١٣) في (ب): " على الوجوب".
(١٤) سورة الجمعة من الآية: (٩).