للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

ولم يوجد بخلاف رمي جمرة العقبة إذا أخره حتى غربت الشمس في أول يوم النحر، فإنه يرميها في الليل، ولا شيء عليه لم يعرف قربة إلا فيها، فإن معنى القربة في الرمي غير معقول، وإنما عرفناه [قربة] (١) بفعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وهو إنما رمى في هذه الأيام فلا يكون الرمي قربة بعد مضي وقتها كما لا يكون إراقة الدم قربة بعد مضي أيام النحر، فإذا لم يكن قربة كان عبثًا فلا يشتغل به، ومادامت الأيام باقية، وهي أربعة أيام آخرها آخر أيام التشريق، فالإعادة ممكنة لبقاء وقت الرمي، فكان هذا نظير تكبيرات التشريق، فإن من ترك شيئًا من الصلاة في هذه الأيام يقضيها بالتكبيرات إلى آخر أيام التشريق، ونظيره الأضحية أيضًا.

(على التأليف).

أي: على الترتيب الذي شُرع.

(وإن ترك رمي يوم [واحد] (٢) فعليه دم) (٣).

فإن قيل: هذا بظاهره يتناول كل يوم من الأيام الأربعة، ثُمَّ هو مخير في اليوم الثالث بين النفر وبين الإقامة في منى، وهذا آية كونه تطوعاً، فكيف يجب الدم بتركه؟

قلنا: التخيير قبل طلوع الفجر من اليوم الرابع من أيام الرمي، فأما إذا طلع الفجر، فقد وجب عليه الإقامة، ويجب بتركه الدم، وهذا كالتطوع إذا تركه بعد الشروع يجب القضاء، ولا يجب قبل الشروع شيء بتركه.

[الجناية بترك رمي إحدى الجمار الثلاث]

(ومن ترك رمي إحدى الجمار الثلاث فعليه الصدقة) (٤).

حتى أنه لو ترك رمي جمرة العقبة في اليوم الثاني يجب عليه (٥) الصدقة؛ لأن ذلك ثلث الرمي الذي يوجد في ذلك اليوم، ولو تركه في اليوم الأول يجب الدم؛ لأنه كمال الرمي في اليوم الأول فكان مضموناً بالدم، ثُمَّ اعلم أن وجوب الدم، والصدقة بالترك إنما يستقيم أجزاؤه على الإطلاق من غير خلاف أن لو لم يقض في أيام الرمي أما لو قضى رمي اليوم الأول في اليوم الثاني، أو في اليوم الثالث، أو قضى رمي اليوم الثاني في اليوم الثالث، فالوجوب على قول أبي حنيفة -رحمه الله-، وأما قولهما: فلا دم ولا صدقة؛ لأن تأخير النسك وتقديمه غير موجب عندهما شيئاً فكان المتروك أقل؛ لأن المتروك كان سبع حصيات والمؤتى به أربع عشرة حصاة إلا أن يكون المتروك أكثر من النصف بأن يرمي عشر حصيات (٦)، ويترك إحدى عشرة حصاة؛ وذلك لأن وظيفة الرمي في كل يوم إحدى وعشرون حصاة، فكان إحدى عشرة أكثرها، ثُمَّ أنّا قد ذكرنا اختلاف العلماء في ابتداء وقت رمي جمرة العقبة، وكذلك يختلفون في آخر وقته، ففي ظاهر المذهب وقته إلى غروب الشمس، ولكنه لو رمى بالليل لا يلزمه شيء، وعند أبي يوسف -رحمه الله-: أن وقته إلى زوال الشمس، وما بعد الزوال يكون قضاء، وللشافعي (٧) فيه قولان: في قول يرمي إلى غروب الشمس فإذا غربت تعين عليه الفدية لفوات الوقت في حق هذا الرمي، وفي قول يمتد وقته إلى آخر أيام التشريق، وحجتنا في ذلك النص قوله -صلى الله عليه وسلم-: «إن أول نسكنا في هذا اليوم إلى آخره» (٨)، وذهاب تمام اليوم بغروب الشمس إلا أن أبا يوسف -رحمه الله- يقيس الرمي في هذا اليوم بالرمي في اليوم الثاني فيقول كما أن وقت الرمي في اليوم الثاني نصف اليوم، وهو ما بعد الزوال فكذا في هذا اليوم وقت الرمي نصف اليوم، وذلك إلى زوال الشمس إلا أنه إذا رمى بالليل لم يلزمه شيء، لأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رخص للرعاء أن يرموا ليلًا؛ لأن اليوم لمّا كان وقتًا للرمي فالليل يتبعه في ذلك كليلة النحر تجعل تبعًا ليوم عرفة في حكم الوقوف، فإن لم يرمها حتى يصبح من الغد رماها لبقاء وقت جنس الرمي، ولكن عليه دم للتأخير


(١) أثبته من (ب).
(٢) أثبته من (ب).
(٣) انظر: بداية المبتدي (١/ ٥١).
(٤) انظر: بداية المبتدي (١/ ٥١).
(٥) ساقطة من (ب).
(٦) في (ب): حصاة.
(٧) انظر "المجموع" للنووي (٨/ ٢٢٩).
(٨) أخرجه البخاري في "صحيحه" باب: [اسْتِقْبَالِ الإِمَامِ النَّاسَ فِي خُطْبَةِ العِيدِ] (٢/ ٢١) برقم: [٩٧٦] بلفظ: «إِنَّ أَوَّلَ نُسُكِنَا فِي يَوْمِنَا هَذَا».