للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وإن عاين المِلك دون المالك بأنْ عاين مِلكاً محدوداً، ينسب ذلك المِلك إلى فلان بن فلانٍ الفلانِيِّ، وهو لم يعاين فلاناً بوجهه، ولا يعرفه بِنَسَبِهِ؛ فالقياس أن لا تحلُّ له الشَّهادة؛ لأنَّ هذه شهادة بالمِلك للمالك؛ ثم الجَهَالة في المشهود به منع حِلُّ الشَّهادة، فالجهالة في المشُّهود له أيضاً، وجب أن تمنع.

وفي الاستحسان تحلُّ؛ لأنَّ المِلك معلومٌ، والنَّسب يَثبت بالشُّهرة والتَّسامع، فكانت هذه/ شهادة بمعلومٍ لمعلومٍ.

يوضِّحُه أنَّ صاحب المِلك ربما يكون امرأةً لا تَبرُزُ، ولا تخرج؛ فلو اعتبرنا تصرُّفَها بنفسها لجواز الشَّهادة بالمِلك؛ لبطل حقُّها؛ فسقط اعتبار التصرُّف واكتفى فيه بالتَّسامع.

فإذا سمع أنَّ هذه الضَّيعة لفلانةٍ وفي يدها، ووقع في قلبه أنَّ الأمر كما سمع؛ حلَّ له أن يشهد بالمِلك لها» (١). كذا في الذَّخيرة، وأدب القاضي للصَّدر الشهيد.

فإن قيل: يلزم على جواب الاستحسان أن يشهد على مِلك المال بالتَّسامع، والشَّهادة على المال بالتَّسامع لا تجوز، قلنا: إنما لا تجوز إذا كانت الشَّهادة في حق المال قصداً.

وأمَّا إذا كانت الشَّهادة بالتَّسامع في حق النَّسب، وفي ضمنه ثبوت المال تجوز اعتباراً للمتضمِّن، وههنا كذلك؛ لأنه يسمع أنَّ هذا المِلك لفلان بن فلان؛ فحصر له العلم له بنسب المالك بالتَّسامع، وثبت ملكه في ضِمنه؛ لأنَّه لا يد لهما كالثِّياب (٢).

[في تعبير العبد والأمة عن أنفسهم]

«وإن كانا كبيرين» (٣): أراد بالكبيرين أن يكونا يعبِّران عن أنفسهما، سواءٌ كانا صبيَّين عاقلين، أو بالغين، ولم يُرد بهما البالغين لا غير، بدلالة ذكرهما بمقابلة أنَّهما صغيران لا يعبِّران عن أنفسهما.

ولأنَّ الإمام المحبوبي (٤) - رحمه الله - صرَّح بما قلتُ، فقال: بخلاف العبد والأمة إذا كانا كبيرين، أو صغيرين يعبِّران عن أنفسهما؛ أي: حينئذٍ لا يكون اليد دليل المِلك عليهما؛ لأنَّهما في أيدي أنفسهما من وجه (٥).


(١) المحيط البرهاني (٨/ ٣٠٠)، ويُنظر: العناية شرح الهداية (٧/ ٣٩٥).
(٢) يُنظر: فتح القدير (٧/ ٣٩٥).
(٣) المسألة بتمامها في الهداية، قال (٣/ ١٢٠): «وأمَّا العبد والأمة، فإنْ كان يعرف أنهما رقيقان فكذلك؛ لأنَّ الرقيق لا يكون في يد نفسه، وإنْ كان لا يعرف أنَّهما رقيقان إلا أنهما صغيران لا يعبران عن أنفسهما فكذلك؛ لأنَّه لا يد لهما، وإن كانا كبيرين فذلك مصرف الاستثناء؛ لأنَّ لهما يداً على أنفسهما، فيدفع يد الغير عنهما فانعدم دليل الملك».
(٤) محمود بن عبيد الله بن ابراهيم المحبوبي، الحنفي، الشهير ببرهان الشريعة، فقيه، من آثاره: «الفتاوى»، و «الواقعات»، و «وقاية الرواية في مسائل الهداية» في فروع الفقه الحنفي، توفي في حدود سنة ٦٧٣ هـ.
يُنظر ترجمته في: تاج التراجم (٢/ ١٠١)، معجم المؤلفين (١٢/ ١٧٨).
(٥) يُنظر: فتح القدير (٧/ ٣٩٦).