للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

باب الرّجعة (١)

وقد نبّهت مراراً على أن كل ترتيب أوجب طبعًا يوجب وضعًا (٢).

فمن ذلك ذكر باب الرجعة في هذا المقام، لما أنّ الرجعة تقتضي سابقة الطّلاق لا محالة؛ إذ الرّجعة شرعت لرفع الطّلاق، والرفع أبدًا يكون بعد الوقوع.

فلمّا ذكر وقوع الطّلاق بأنواعه وصفة موقعه من صحيح ومريض، قفاه بذكر الرجعة فيما يستحقّ فيه الرجعة طلباً للتّناسب، ثمّ من محاسن الطّلاق أنّ الله تعالى ترحم علينا بأن لم يجعل الطّلاق قاطعًا للنكاح، ورافعًا للوصلة ذات النجاح؛ إذ لو جعل كذلك تعذّر التدارك بالنّدم وربّما لا ينال بعده كثير من المحاسن والخِدم.

فحينئذ قد يفضي إلى أهواء باطنة تستجلب الرحم؛ إذ لا يحسن منه مسكه بمنعه، ولا زيرًا لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً فإنّ النّعمة إذا شرفت على الزّوال عزّت، وعطف من لم يرث إليها هزّت.

فلذلك جعله قاطعًا للنكاح عند انتفاخ الضغينة وانضمام القرينة من صفة البينونة أو الفداء أو الثّلاث، ليكون ذلك مضافاً إلى فعله الناشئ منه بغير اكتراث، يقال: رجع بنفسه رجوعًا، ورجع إلى الجواب رجعًا، وقال تعالى: {يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ} (٣)، وله على امرأته رُجعة ورَجعة، والفتح أفصح، ومنها الطّلاق الرجعي كذا في «الصّحاح» و «المغرب» (٤).

أصل الباب هو [أن] صريح الطّلاق بعد الدّخول دون الثّلاث في الحرّة ودون الثّنتين في الأمة معقب للرجعة بالكتاب والسنّة وإجماع الأمة (٥)، وهو ظاهر -كذا في «الجامع الصّغير» لقاضي خان (٦) - وكان شيخي -رحمه الله- يقول: إنما يتحقّق الطّلاق الرجعي بأربع شرايط: أحديها: صريح لفظ الطّلاق، أوبعض الكنايات المخصوصة، والثّانية: أن لا يكون بمقابلته مال، والثّالثة: أن لا يستوفي الثلاثة من الطّلاق إمّا جملة أو تتميمًا، والرّابعة: أن تكون المرأة مدخولاً بها.

وذكر في «المحيط» (٧) إذا أراد الرجل أن يراجع امرأته فالأحسن أن يراجعها بالقول لا بالفعل؛ لأنّ صحّة المراجعة بالقول متفق عليها (٨)، وصحّة المراجعة بالفعل مختلف فيها (٩)، لقوله تعالى: {فَأَمْسِكُوهُنَّ} (١٠)، يعني قوله تعالى: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ} (١١)، يعني إذا قرب انقضاء عدّتهن فأمسكوهنّ، لما أنّه لا يصحّ الرجعة بعد انقضاء العدة بالإجماع (١٢)، (والرَّجْعَةُ أَنْ يَقُولَ: رَاجَعْتُك)، أي: في الحضرة (أَوْ رَاجَعْت امْرَأَتِي) أي: في الحضرة والغيبة، لكن بشرط الإعلام لها على ما يجيء؛ لأنّ الإعلام مستحب.


(١) الرجعة: وهي ارتجاع الزوجة المطلقة غير البائن إلى النكاح من غير استئناف عقدٍ. انظر: المطلع على ألفاظ المقنع (ص: ٤١٥).
(٢) سبق ذلك في أول كتاب الطلاق.
(٣) [سبأ: ٣١].
(٤) المغرب في ترتيب المعرب (ص: ١٨٤).
(٥) مراتب الإجماع (ص: ٧٥).
(٦) يُنْظَر: تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق وحاشية الشلبي (٢/ ٢٥١).
(٧) يُنْظَر: المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٣/ ٤٢٢).
(٨) اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الرَّجْعَةَ تَصِحُّ بِالْقَوْل الدَّال عَلَى ذَلِكَ، كَأَنْ يَقُول لِمُطَلَّقَتِهِ وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ رَاجَعْتُكِ، أَوِ ارْتَجَعْتُكِ، أَوْ رَدَدْتُكِ لِعِصْمَتِي وَهَكَذَا كُل لَفْظٍ يُؤَدِّي هَذَا الْمَعْنَى. يُنْظَر: بدائع الصنائع (٣/ ١٨١)، ومغني المحتاج (٣/ ٣٣٧)، وكشاف القناع (٥/ ٣٤٢).
(٩) يَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ الْجِمَاعَ وَمُقَدِّمَاتِهِ تَصِحُّ بِهِمَا الرَّجْعَةُ، ويرَى الْمَالِكِيَّةُ صِحَّةَ الرَّجْعَةِ بِالْفِعْل كَالْوَطْءِ وَمُقَدِّمَاتِهِ، بِشَرْطِ أَنْ يَنْوِيَ الزَّوْجُ بِهَذِهِ الأْفْعَال الرَّجْعَةَ، وَالرَّجْعَةُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ لَا تَصِحُّ بِالْفِعْل مُطْلَقًا، سَوَاءٌ كَانَ بِوَطْءٍ أَوْ مُقَدِّمَاتِهِ، وَفَرَّقَ الْحَنَابِلَةُ فِي صِحَّةِ الرَّجْعَةِ بَيْنَ الْوَطْءِ وَمُقَدِّمَاتِهِ، فَإِنَّ الرَّجْعَةَ عِنْدَهُمْ تَصِحُّ بِالْوَطْءِ وَلَا تَصِحُّ بِمُقَدِّمَاتِهِ. انظر: المبسوط للسرخسي (٦/ ٢١)، المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٣/ ٤٢٢)، والدسوقي (٢/ ٣٧٠)، الأم (٦/ ٢٤٤)، وروضة الطالبين للنووي (٨/ ٢١٧)، الشرح الكبير لابن قدامة المقدسي مع المغني (٨/ ٤٧٥).
(١٠) [البقرة: ٢٣١].
(١١) [البقرة: ٢٣١].
(١٢) مراتب الإجماع (ص: ٧٥).