للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

والدّليل عليه أيضًا من المعنى: أنّه يحلّ له التّناول منه وإطعام الغني، ولو كان واجبًالم يحلّ التناول كما في جزاء الصيد ونحوه (١).

[[الجواب على أدلة القائلين بعدم وجوب الأضحية]]

قلت: لا حجّة لهم في قوله -عليه السلام-: «وَلَمْ تُكْتَبْ عَلَيْكُم»، فإنا نقول: فإنها غير مكتوبة بل هي واجبة، فالمكتوب ما يكون فرضاً يكفر جاحده (٢)، كما في قوله تعالى: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ} (٣) كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} (٤) الآية، فقد كان رسول الله -عليه السلام- مخصوصاً بكون الأضحيّة مكتوبة عليه كما قال (٥).

وأمّا قولُهُ -عليه السلام-: «ضَحُّوْا» فهو أمر يفيد الوجوب (٦).

وقولُهُ: «فِإِنَّها سُنَّةُ أَبِيْكُمْ» أي: طريقته، فالسنّة: الطّريقة في الدين،/ وذلك لا ينفي الوجوب (٧).

وتأويل حديث أبي بكر وعمر: أنّهما لا يضحيّان في حالة الإعسار مخافة أن يراها النّاس واجبة على المعسرين أو في حال السّفر (٨).

وأما إباحة التناول [للمضحّي] (٩) والأغنياء فبإذن من له الحق، فإنّه بالتضحية يجعلها لله تعالى، وقد قال الله تعالى: {فَكُلُواْ مِنْهَا} (١٠)؛ فلما أبيح له التناول وهو غني فَلَأَنْ يباح له الإطعام للأغنياء وهم غير المضحِّى أولى، إلى هذا أشار في "المبسوط" (١١).

[[الاختلاف في تفسير العتيرة]]

(وهي شاة تقام في رجب على ما قيل) (١٢)، في هذا اللّفظ إشارة إلى الاختلاف في تفسير العتيرة، وقد ذكرنا من "الْمُغْرِب" ما يوافق تفسير العتيرة في الكتاب (١٣)، وذكر تفسيرها في "الإيضاح" (١٤) على غير ذلك الوجه فقال: العتيرة هي ما كان الرّجل إذا ولدت له النّاقة أو الشّاة ذبح أول ولد فأكل وأطعم (١٥)، وذكر الرجبية (١٦) على وفق تفسير العتيرة في الكتاب (١٧)، والعقيقة (١٨) معروفة، وهذه دماء ثلاثة كانت في الجاهليّة نسختها (١٩) الأضحية (٢٠).


(١) يُنْظَر: المبسوط للسرخسي (١٢/ ٨).
(٢) يُنْظَر: المبسوط للسرخسي (١٢/ ٨)، تكملة فتح القدير (٩/ ٥٠٩)، الاختيار لتعليل المختار (٥/ ١٧).
(٣) سقطت من (ب).
(٤) سورة البقرة الآية (١٨٣).
(٥) يُنْظَر: المبسوط للسرخسي (١٢/ ٨ - ٩).
(٦) يُنْظَر: المبسوط للسرخسي (١٢/ ٨)، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (٥/ ٦٢)، تكملة فتح القدير (٩/ ٥٠٩).
(٧) يُنْظَر: المبسوط للسرخسي (١٢/ ٨)، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (٥/ ٦٢)، البناية شرح الهداية (١٢/ ١١).
(٨) يُنْظر: المبسوط للسرخسي (١٢/ ٩)، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (٥/ ٦٣)، العناية شرح الهداية (٩/ ٥٠٩).
(٩) في (ب): (للمضحِّين).
(١٠) سورة الحج الآية (٣٦).
(١١) يُنْظَر: المبسوط للسرخسي (١٢/ ٩).
(١٢) يُنْظَر: الهداية شرح البداية (٤/ ١٤٦٤).
(١٣) الْكِتَاب: الْمُرادُ به هُنَا: كتاب الأضحية، من كتاب "الهداية شرح البداية". يُنْظَر: الهداية شرح البداية (٤/ ١٤٦٤).
(١٤) الإيضاح: "الْإِيضاح في شرح التجريد"، لأبي الفضل، عبد الرحمن بن مُحَمَّد بن أميرويه، الْكَرْمَاني: فقيه حنفي، مولده بِكَرْمَان، ووفاته بمرو، سنة ٥٤٣ هـ، والكتاب مخطوط في ثلاث مجلدات، له عِدَّةُ نُسَخ، وَمِنْهُ نُسْخَةٌ في معهد المخطوطات العربية في القاهرة بمصر، ورقم الحفظ: (فقه حنفي ٣٧) عن دار الكتب المصرية. يُنْظَر: الأَعْلَام للزركلي (٣/ ٣٢٧)، خزانة التراث- فهرس المخطوطات (٧٥/ ٢٨٢).
(١٥) يُنْظَر: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (٥/ ٦٩)، العناية شرح الهداية (٩/ ٥٠٩)، البناية شرح الهداية (١٢/ ٦).
(١٦) الرَّجَبِيَّة: مِنْ ذَبَائِحِ الْجَاهِلِيَّةِ فِي رَجَبٍ نَسَخَهَا الْأَضْحَى، وَيُسّمِّيْها الْبَعْضُ الْعَتِيرَة، قال أبو عُبَيْد: وَأما العتيرة فَإِنَّهَا الرجبية وَهِي ذَبِيحَة كَانَت تذبح فِي رَجَب يتَقرَّب بهَا أهل الْجَاهِلِيَّة ثُمَّ جَاءَ الْإِسْلَام فَكَانَ على ذَلِك حَتَّى نسخ بعد. يُنْظَر: غريب الحديث للقاسم بن سلام (١/ ١٩٥)، الفائق غريب الحديث والأثر (٣/ ٧٩)، الْمُغْرب في ترتيب المعرب (ص ٢٠٢).
(١٧) الْكِتَاب: الْمُرادُ به هُنا " كتاب الهداية شرح البداية"، وذلك بقوله: (وَالْعَتِيْرَةُ مَنْسُوْخَةٌ، وَهِيَ: شَاةٌ تُقَامُ فِي رَجَبَ عَلَى مَا قِيْلَ). يُنْظَر: الهداية شرح البداية (٤/ ١٤٦٤).
(١٨) الْعَقِيْقَة: الشَّعْرُ الَّذِي يُولَدُ عَلَيْهِ كُلُّ مَوْلُودٍ مِنَ النَّاسِ وَالْبَهَائِمِ، وَمِنْهُ سُمِّيَتِ الشَّاةُ الَّتِي تُذْبَحُ عَنِ الْمَوْلُودِ يَوْمَ أُسْبُوعِهِ عَقِيقَةً. يُنْظَر: الصحاح للجوهري (٤/ ١٥٢٧)، الْمُغْرب في ترتيب المعرب (ص ٣٥٣).
(١٩) - النَّسْخُ لُغَةً: يَأْتِيْ بِمَعْنَى التَّبْدِيْل والْإِزَالَةُ وَالنَّقْل، يُقَالُ: نَسَخَتِ الشَّمْسُ الظِّلَّ، أَيْ: أَزَالَتْهُ. يُنْظَر: مختار الصحاح (ص ٣٠٩)، لسان العرب (٣/ ٦١).
- النَّسْخُ اصطِلَاحَاً: بَيَانٌ لِمُدَّةِ الْحُكْمِ الْمَنْسُوْخِ فِي حَقِّ الشَّارِعِ، وَتَبْدِيْلاً لِذَلِكَ الْحُكْمِ بِحُكْمٍ آخَرَ فِي حَقِّنَا عَلَى مَا كَانَ مَعْلُوْمَاً عِنْدَنَا لَوْ لَمْ يَنْزِلْ النَّاسِخُ. يُنْظَر: أصول السرخسي (٢/ ٥٤)، الكافي شرح البزدوي (٣/ ١٤٩٢ - ١٤٩٣).
(٢٠) يُنْظَر: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (٥/ ٦٩)، العناية في شرح الهداية (٩/ ٥٠٩).