للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

فوجه التمسّك به: أنّ النبي -عليه السلام- قابل الطّلاق بالعدّة على وجه يختصّ كل واحد منهما بجنس على حدّة، ثمّ اعتبار العدّة بالنّساء من حيث القدر، فيجب أن يكون اعتبار الطّلاق بالرجال من حيث القدر تحقيقًا للمقابلة، ومعنى الآدمية في الحر أكثر بدليل شهادة الأحكام؛ لأنّ الحرّ يصلح للقضاء والشهادة والولاية، وإذا كان كذلك فيعتبر حال الزّوج؛ لأنّه هو المالكوالمالكية من معنى الآدمية أيضًا؛ وذلك فيما قبله بأنّه يملك الثلاث إذا كان حرًا ويملك ثنتين إذا كان عبدًا «طَلَاقُ الْأَمَةِ ثِنْتَانِ وَعِدَّتُهَا حَيْضَتَانِ» (١) (٢)، فقد جمع بين الطّلاق والعدّة، والعدّة يعتبر بالنّساء (٣).

[[طلاق الأمة]]

فكذلك الطّلاق، ثم هذا اللفظ ورد عامًا فكان معناه طلاق كل الإماء ثنتان، سواء كان زوجهما حراً أو عبدًا، فلو كان اعتبار الطّلاق بالرجال لكان [٣٢٤/ ب] لبعض الإماء ثنتان فلم يبق اللام للجنس ولا دليل له.

فإن قيل: يحتمل أن يكون المراد منه التي تحت عبد فكان طلاقها ثنتين فلم يبق عاماً.

قلنا: لا يصح ذلك؛ لأنّه لو كان المراد هذا لم يبق لتخصيص العدّة بها بالحيضتين فائدة أدالها في قوله: وَعِدَّتُهَاراجعة إلى الأمة المذكورة، فلو كان المراد ذلك؛ لكان التّقدير وعدّة الأمة التي تحت العبد حيضتان وليس للتخصيص حينئذٍفائدة؛ لأن الإجماع، منعقد بيننا وبين الخصم (٤)، أنّ عدّة الأمة لا تزداد لا وتنتقص (٥) بكون زوجها حراً أو عبدًا من الحيضتين، وَلِأَنَّ حِلَّ الْمَحَلِّيَّةِ نِعْمَةٌ رُدّ لتعليل الخصم في موضع، فإنّه يقول: حِلَّ الْمَحَلِّيَّةِ إشارة إلى تمهيد المحلّ، لإثبات الملك فيه بالعقد، وذلك ليس من الكرامة، بل هو مشعر بنقصان حال المحلّ، فلم يؤثر رقها في تنصيف الحلّ، وأنا نقول الحل نعمة وكرامة من الجانبين جميعًا، قال الله تعالى: {لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} (٦) فسوّى بينهما في موضع النّفي فكذا في موضع الإثبات؛ وهذا لأنّ عقد النكاح من باب المصالح وضعًا من الجانبين، فثبوت الملك عليها ما كان مقصودًا.


(١) وهذا لفظ مروي عن الرسول -صلى الله عليه وسلم-.
(٢) وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى (كتاب الرجعه/ بابُ مَا جَاءَ فِي عَدَدِ طَلَاقِ الْعَبْدِ/ ١٥١٦٦)، والطبراني في المعجم الكبير (مسند عبد الله بن عمر بن الخطاب/ ١٣٨٦٨)، قال الزيلعي: "أهل الْحَدِيثِ ضَعَّفُوه". انظر: نصب الراية (٣/ ٢٢٦).
(٣) انظر: المبسوط للسرخسي (٦/ ٣٩)، وتحفة الفقهاء (٢/ ١٧٣).
(٤) وهو الامام الشافعي. يُنْظَر: تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق وحاشية الشلبي (٣/ ٢٨).
(٥) يُنْظَر: تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق وحاشية الشلبي (٣/ ٢٨)، الأم للشافعي (٥/ ٢٣٢).
(٦) الممتحنة: ١٠.