للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

(ومن القسم الآخر: الجناية) أي: الجنَاية على بني آدم. وأمّا ضمان الغصب والاستهلاك فالآخر مطالَب به عند أبي حنيفة ومحمد على ما يجيء.

وذكر في المبسوط: "وإذا ادَّعى رجل على أحد المتفاوضَين جراحة خطًا لها أرش مقدَّر واستحلفه البيِّنة، فحلَف له، ثُمَّ أراد أنْ يستحلف شريكَهلم يكن له ذلك، ولا خصومة له مع شريكهلأنَّ كلَّ واحدٍ منهما كفيل عَن صاحبه فيما لزِمه بسبب التجارة، فأمَّا ما يلزم بسبب الجناية فلا يكون الآخر كفيلًا به. ألا ترى أنَّه لو ثبت الجناية بالبينة أو بمعاينة (١) السَّبب لم يكُن على الشَّريك شيء مِن موجبها، ولا خصومة للمجني عليه معه، فكذلك لا يُحلَّف عليه لأنَّ الاستحلاف لرجاء النُّكول، وإقراره بالجناية على شريكه باطل. وكذلك المهر والخلع والصلح مِن جناية العمد إذا ادَّعاه على أحدهما وحلَّفه عليه ليس له أن يحلِّف الآخر لما بيَّنَّا" (٢).

بخلاف ما إذا ادَّعى على أحد المتفاوضين بَيع خادم فجحَد ذلك المتفاوضان فللمدَّعي أنْ يحلِّف المدَّعى عليه البيع على البتات وشريكه على العلملأنَّ كلَّ واحد منهما لو أقرَّ بما ادَّعاه المدَّعي كان إقراره ملزِمًا إياهما، فإذا أنكر استُحلِف كلُّ واحد منهما لرجاء نكوله.

قوله: (والخلع) فصورته ما إذا كانت المرأة عقَدت عقدَ المفاوضة ثُم خالعت مع زوجها، فما لزِم عليها مِن بَدَل الخلع لا يلزم شريكها، وكذلك لو أقرَّت بِبَدل الخلع لا يلزم على شريكها.

[[الكفالة من المريض]]

(ولو صدر مِن المريض) أي: الكفالة على تأويل عقد الكفالة. وإنما قيِّد بصدور الكفالة حالة المرضلأنَّ المريض لو أقرَّ بالكفالة السّابقة في حالة الصّحة يعتبر ذلك من جميع المال بالإجماع (٣) لأنَّ الإقرار بها يلاقي حال بقائها، وفي حال البقاء الكفالة مفاوضة على ما يجيء. والمسألة في الأسرار، وصار كالإقراض، ومسألة الإقراض مختلف فيها أيضًا، ذكرها في الإيضاح فقال: وقال أبو حنيفة: لو أقرض أحد المتفاوضين مالًا أوأعطاه رجلًا ثُمَّ أخذ سفتجة (٤) كان جائزًا عليهما، ولا يضمَن؛ توِي (٥) المال أو لم يَتْوَ. وفي قياس قول أبي يوسف أنَّ الذي أقرض وأخذ السّفتجة يضمَن حصّة شريكه، قال: وهذا فرع اختلافهم في ضمان الكفالة (٦)، فمن مذهب أبي يوسف أنَّ ضمان الكفالة ضمان تبرُّع ولا يلزم الشريك، فكذا (٧) القرض. ومِن مذهب أبي حنيفة أنَّ ضمان الكفالة يلزم الشّريك، والكفيل في حكم المقرِض. ولأبي حنيفة أنَّه تبرُّع ابتداءً ومفاوضة بقاءً كالهبة بشرط العِوَض، فإنَّه تبرُّع في الابتداء ثم إذا اتَّصل بها القَبض مِن الجانبين كان مفاوضة.


(١) في (ب) "بمعاونة".
(٢) المبسوط للسرخسي (١١/ ١٩٥).
(٣) ينظر العناية شرح الهداية (٦/ ١٦٢)، البناية شرح الهداية (٧/ ٣٨٤).
(٤) السَّفْتَجَةُ: قِيلَ بِضَمِّ السِّينِ، وَقِيلَ بِفَتْحِهَا، وَأَمَّا التَّاءُ فَمَفْتُوحَةٌ فِيهِمَا، فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ وَفَسَّرَهَا بَعْضُهُمْ فَقَالَ: هِيَ كِتَابُ صَاحِبِ الْمَالِ لِوَكِيلِهِ أَنْ يَدْفَعَ مَالًا قَرْضًا يَأْمَنُ بِهِ مِنْ خَطَرِ الطَّرِيقِ وَالْجَمْعُ السَّفَاتِجُ. المصباح المنير في غريب الشرح الكبير (١/ ٢٧٨).
(٥) والتَوى مقصورٌ: هلاكُ المال. يقال: تَويَ المال بالكسر يتوى توى، وأتواه غيره. وهذا مال تو على فعل. الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (٦/ ٢٢٩٠).
(٦) ينظر بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (٦/ ٧٥)، فتح القدير (٦/ ١٦٢).
(٧) في (ب) "وكذا".