للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

ولأنها بدون المحرم يخاف عليها الفتنة، فإن قلتَ: يُشكل على هذا سفر الهجرة، فإن المرأة إذا أسلمت في دار الحرب (١)، فلها أن تهاجر إلى دار الإسلام بغير محرم، مع أن المهاجَرة من دار الحرب إلى دار الإسلام ليست من الأركان الخمسة في الدين، وحَجة الإسلام من تلك (٢) الأركان [الخمسة] (٣)، فيجب أن يجوز لها الحجّ المفروض، وإن لم يكن لها محرم بالطريق الأولى.

قلتُ: إن المُهاجِرة لا تُنشئ سفرًا، ولكنها تقصد النجاة، ألا ترى أنها لو وصلت إلى جيش من المسلمين في دار الحرب حتى صارت آمنة، لم يكن لها أن تسافر بعد ذلك من غير محرم، ولأنها مضطرة هناك لخوفها على نفسها.

ألا ترى أن العدة (٤) لا تمنعها من الخروج هناك، وهنا لو كانت معتدة لم يكن لها أن تخرج للحج، وتأثير فقد المحرم في المنع من السفر، كتأثير العدة، فإذا مُنعت من الخروج لسفر الحجّ بسبب العدة، فكذلك بسبب فقد المحرم كذا في «المبسوط» (٥).

والمعنى الفقهي في هذا: أنَّ هذه سفرة تمنعها العدة، فكذا عدم المحرم قياسًا على سفر المباح، وعكسه سفر الهجرة، وهذا لأن المرأة حرُمَ عليها الخروج في العدة على الخصوص صيانة لحرمة خاصة عليها، وهي حرمة نكاح آخر لحقّ الأول، فإذا انقطع الأول حرم عليها السفر بغير محرم صيانة لحرمة الزنا، فإنها متى سافرت وحدها وخرجت من حصن بيتها طمع فيها الرجال، فإنها لحم على وضم والرجال بمنزلة الذئاب، وحرمة الزنا فوق حرمة النكاح في العدة؛ لأن الزنا يوجب الحد والنكاح في العدة لا، فلما مُنعت عن سفر الحجّ لأدنى الحرمتين، فللأعلى أولى (٦)، وإذا لم يمنع الهجرة عدم المحرم فالعدة أولى.


(١) دار الحرب: هي أراضي الدولة الكافرة التي أعلنت الحرب على المسلمين، أو: هي بلاد الكفر الذين لا صلح لهم مع المسلمين، ويقابله دار الإسلام وهي البلاد التي غلب فيها المسلمون، وكانوا فيها آمنين يحكمون بأنظمة الإسلام. انظر: معجم لغة الفقهاء (ص/ ١٨٢)، المصباح المنير (ص/ ١٢٧).
(٢) ساقطة من (ج).
(٣) أثبته من (ج).
(٤) العدة: تعني انحباس المرأة عن الزواج في أيام العدة وهي الأيام التي تنحبس فيها عن التزوج، لا يحل فيها أن تتزوج حتى تنتهي يقال لها عدة سواء كان من طلاق، أو من خلع، أو من موت تسمى عدة، كما في قوله- جل وعلا- {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ} (البقرة: من الآية ٢٢٨) يعني في العدة، وقال-تعالى {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} (البقرة: من الآية ٢٢٨)، هذه العدة، وقال في اليائسات {وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ} (الطلاق: من الآية ٤) فالعدة هي التربص بعد الطلاق، أو بعد الموت، أو بعد المخالعة يقال لها عدة.
انظر: معجحم لغة الفقهاء (٢٢١).
(٥) انظر: المبسوط (٤/ ١١١).
(٦) الاعلى أولى: أي الزنا