للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وَذَكَرَ فِي " الْمَبْسُوطِ ": ثُمَّ الْمَذْهَبُ عِنْدَنَا أَنَّ فَرْض الْقِرَاءَةِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ مِنْ كُلِّ صَلَاةٍ وَكَانَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ يَقُولُ فِي [كُلِّ] (١) رَكْعَةٍ (٢) وَكَانَ مَالِكٌ يَقُولُ (٣) فِي ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ (٤) وَالشَّافِعِيُّ يَقُولُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ (٥) وَاسْتَدَلَّ الْحَسَنُ بِقَوْلِهِ -صلى الله عليه وسلم-: «لَا صَلَاةَ إِلَّا بِالْقِرَاءَةِ» (٦) وَهَذَا يَقْتَضِي فَرْضِيَّةُ الْقِرَاءَةِ لَا تَكْرَارُهَا فَإِنَّ الْكُلَّ صَلَاةٌ وَاحِدَةٌ وَهَذَا ضَعِيفٌ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- الاكْتِفَاءُ بِالْقِرَاءَةِ فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ، فِي شَيْءٍ مِنَ الصَّلَوَاتِ، وَلَوْ جَازَ ذَلِكَ لَفَعَلَهُ تَعْلِيماً لِلْجَوَازِ.

وَالْفَاتِحَةِ سُمِّيَتْ مَثَانِيَ لِأَنَّهَا تُثَنَّى فِي كُلِّ صَلَاةٍ أَيْ تُقْرَأُ مَرَّتَيْنِ وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَجْمَعْنَا عَلَى فَرْضِيَّةِ الْقِرَاءَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مِنَ التَّطَوُّعِ وَالْفَرْضِ أَقْوَى مِنَ التَّطَوُّعِ (٧).

فَثَبَتَتِ الْفَرْضِيَّةُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ بِالطَّرِيقِ الْأُولَى وَهَكَذَا قَالَ مَالِكٌ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ (٨) أُقِيمُ الْقِرَاءَةَ فِي أَكْثَرِ الرَّكَعَاتِ مَقَامَهَا فِي الْجَمِيعِ تَيْسِيراً.

وَلَنَا إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ (٩) فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ -رضي الله عنه- كَانَ يَقْرَأُ فِي الْأُخْرَيَيْنِ زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- عَلَى جِهَةِ الثَّنَاءِ، وَعَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ -رضي الله عنهما- كَانَ [يُسَبِّحَانِ] (١٠) فِي الْأُخْرَيَيْنِ (١١) وَكَذَا عَنْ غَيْرِهِمَا وَكَفَى بِإِجْمَاعِهِمْ حُجَّةً؛ وَلِأَنَّ الْقِرَاءَةَ فِي الْأُخْرَيَيْنِ ذِكْرٌ يُخَافَتُ بِهَا فِي كُلِّ حَالٍ فَلَا يَكُونُ رُكْناً كَثَنَاءِ الافْتِتَاحِ وَتَأْثِيرِهِ أَنَّ مَبْنِيَّ الْأَرْكَانِ (١٢) عَلَى الشُّهْرَةِ وَالظُّهُورِ وَلَوْ كَانَتِ الْقِرَاءَةُ فِي الْأُخْرَيَيْنِ رُكْنًا لِمَ خَالَفَتِ الْأُولَيَيْنِ فِي الصِّفَةِ كَسَائِرِ الْأَرْكَانِ وَكُلُّ (١٣) شَفْعٍ مِنَ التَّطَوُّعِ صَلَاةٌ عَلَى حِدَةٍ بِخِلَافِ الْفَرْضِ حَتَّى أَنَّ فَسَادَ الشَّفْعِ الثَّانِي فِي التَّطَوُّعِ لَا يُفْسِدُ الشَّفْعَ الْأَوَّلَ) (١٤) وَبَاقِي الْأَحْكَامِ (١٥) يَأْتِي فِي الْقِرَاءَةِ وَلَا خِلَافَ لِأَحَدٍ فِي (١٦) فَرْضِيَّةِ الْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ لِأَنَّ مَبْنَى الصَّلَاةِ (١٧) عَلَى الْأَفْعَالِ؛ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى التَّعْظِيمِ.


(١) زيادة من (ب).
(٢) عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «اقْرَأْ خَلْفَ الْإِمَامِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فِي نَفْسِكَ» رواه ابن ابي شيبة في مصنفه (١/ ٣٢٨).
(٣) (يقول) ساقطة من (ب).
(٤) انظر في الفقه المالكي: "التنبيه على مبادئ التوجيه" للتنوخي (١/ ٤٠٩).
(٥) قال الشافعي -رحمه الله-: فواجب على من صلى منفردا، أو إماما أن يقرأ بأم القرآن في كل ركعة لا يجزيه غيرها وأحب أن يقرأ معها شيئا آية،. انظر: " الأم للشافعي" (١/ ١٢٩)
(٦) أخرجه مسلم في "صحيحه" (١/ ١٧٠)، كتاب الصلاة، باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة، وإنه إذا لم يحسن الفاتحة، ولا أمكنه تعلمها قرأ ما تيسر له من غيرها، حديث (٣٩٦).
(٧) (والفرض أقوى من التطوع) ساقطة من (ب).
(٨) (قال) ساقطة من (ب).
(٩) قال ابن القطان: وأجمعت الأمة على أن مصليًا لو ترك القراءة بأم القرآن، أو ترك آية منها أن صلاته (خداج) غير تمام. انظر: "الإقناع في مسائل الإجماع لابن القطان" (١/ ١٢٩).
(١٠) في (أ): الشيخان، والمثبت من (ب).
(١١) أخرجه بن أبي شيبة في "المصنف" عن علي وابن مسعود -رضي الله عنه- (٣/ ٢٦٦)، كتاب الصلاة، باب من كان يقول يسبح في الأخريين ولا يقرأ، حديث (٣٧٦٣)، وأخرجه بن المنذر في"الأوسط" عن علي -رضي الله عنه- (٣/ ٢٧١)، كتاب الصلاة، جماع أبواب القراءة في الصلاة، حديث (١٣٢٩) و (١٣٣٠). وقال بن المنذر: (فأما حديث الحارث فغير ثابت، كان الشعبي يكذبه).
(١٢) في (ب): (الأحكام).
(١٣) في (ب): (فكل).
(١٤) ينظر "المبسوط" للسرخسي (١/ ١٨).
(١٥) في (ب): (الكلام).
(١٦) في (ب): (لأجل).
(١٧) في (ب): (السجود).