للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

قُلْتُ: لَا نُسَلِّمُ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِلتَّعْيِينِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ فَائِدَةٌ؛ لِاخْتِصَاصِهِ بِزِيَادَةِ التَّبَرُّكِ بِفِعْلِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- ذَلِكَ؛ دُونَ الْآخَرِ، حَتَّى أَنَّ الشَّافِعِيَّ -رحمه الله- (١) يَرَى اسْتِحْبَابَ الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ فِيهِ هَجْراً لِلْبَاقِي، مِنْ غَيْرِ تَضَمُّنِ مَعْنَى التَّبَرُّكِ؛ فَيُكْرَهُ (٢) الْأَوَّلُ دُونَ الثَّانِي؛ فَلَا بُدَّ مِنَ الْبَيَانِ.

وَقَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ فخر الدين قاضي خان فيِ " الْجَامِعِ الصَّغِيرِ ": (أَرَادَ بِذَلِكَ/ أَنْ لَا يَقْرَأَ غَيْرَهَا فِي تِلْكَ الصَّلَاةِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ وَهْمِ التَّفْضِيلِ، وَهِجْرَانِ غَيْرِهِ، وانَّهُ خَطَأٌ فَاحِشٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا} (٣)؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ وَاظَبَ عَلَى ذَلِكَ؛ رُبَّمَا يَظُنُّ ظَانٌّ أَنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا تَجُوزُ بِدُونِهَا؛ فَكَانَ مُغَيِّراً لِلْمَشْرُوعِ (٤) فَإِنْ بَلَغَهُ أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- كَانَ يَعْتَادُ قِرَاءَةَ سُورَةٍ (٥) فِي الصَّلَاةِ؛ فَيَتَبَرَّكُ بِذَلِكَ نَحْوَ أَنْ يَقْرَأَ فِي الْوِتْرِ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى}، وَ {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ}، وَ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْتَقِدَ زِيَادَةَ فَضِيلَةٍ (٦) لَا بَأْسَ بِهِ؛ لَكِنْ لَا يُوَاظِبُ عَلَى ذَلِكَ فِي جَمِيعِ عُمْرِهِ؛ كَيْلَا يَظُنُّ ظَانٌّ أَنَّهَا لَا تَجُوزُ بِدُونِهَا؛ فَلِذَلِكَ يُكْرَهُ أَنْ يَتَّخِذَ سُورَةَ {السَّجْدَةِ}، وَ {هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ} لِصَلَاةِ الْفَجْرِ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ.


(١) يقول الشافعي-رحمه الله -: (وأحب أن يقرأ في الصبح مع أم القرآن بطوال المفصل، وفي الظهر شبيها بقراءة الصبح، وفي العصر نحوا مما يقرؤه في العشاء، وأحب أن يقرأ في العشاء بسورة الجمعة و "إذا جاءك المنافقون" وما أشبهها في الطول، وفي المغرب: بالعاديات وما أشبهها). ينظر: "مختصر المزني" (ص ٣٠).
(٢) في (ب): (قيل).
(٣) سورة الفرقان: آية (٣٠)
(٤) (للشرع) كما في شرح الجامع الصغير لقاضي خان (١/ ٢١٩).
(٥) (سُورَةٍ) ساقطة من (ب).
(٦) في (ب): (فضله).