للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

(وإذا صال السبع على المحرم فقتله لا شيء عليه) (١).

أي: استطال وعدا على المحرم، وهذا الخلاف بيننا وبين زفر ثابت في السبع، وغير السبع إذا صال كذا ذكره شيخ الإسلام (٢) -رحمه الله-، وكان ذلك السبع مخرجًا على ما هو الغالب، فإن الصيال غالبًا إنما يوجد من السبع لا من غيره، وقال زفر: عليه الجزاء؛ لأن فعل الصيد هدر، قال -صلى الله عليه وسلم- «جَرْحُ الْعَجْمَاءِ جُبَارٌ» (٣)، فوجوده كعدمه فيما يجب من الجزء بقتله على المحرم. ألا ترى أن في الضمان الواجب لحق العباد إذا كان السبع (٤) مملوكًا لا [يُفرق] (٥) بين (٦) أن يكون البداية منه أو من السبع.

وقال: إنا ابتدأناه ففي هذه التعليل بيان أن البداية إذا كانت من السبع لا توجب شيئًا.

ولا يدخل على ما ذكرنا قتل المحرم القمل فإنه يوجب الجزاء عليه، وإن كان يؤذيه؛ لأنه إنما يضمن بقتلها لمعنى قضاء التفث بإزالة ما ينمو من بدنه عن نفسه، فلهذا إذا وجدها على الطريق، فقتلها لا ضمان عليها؛ لأنها مؤذية.

(ومع وجود الإذن من الشارع لا يجب الجزاء).

فإن قلتَ: جاز أن يكون الفعل مأذوناً فيه من جانب الشرع، ومع ذلك يجب الجزاء بذلك الفعل كما إذا حلق المحرم رأسه، وتطيب بعذر فهو مأذون فيه من جانب الشرع بالحلق والتطيب، ومع ذلك (٧) فهو مضمون عليه بالكفارة، وكذلك الملتقط إذا لم يجد مالك اللقطة، مأذون له بالتصدق من جانب الشرع ثُمَّ إذا جاء مالكها، ولم يجز التصدق يضمن الملتقط، وكذلك من تناول [مال] (٨) الغير في حالة المخمصة مأذون فيه وضامن.

قلتُ: أما الأول فجوابه ما ذكره في الكتاب بعيد هذا بقوله:

(لأن الإذن مقيد بالكفارة بالنص على ما تلوناه).

وهو قوله تعالى: {كَانَ … مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ} (٩)، الآية، فكان فائدة الإذن هي رفع الحرمة لا غير، وأما الملتقط فهو عين نظير مسألتنا فإنه لما لم يوجد الإذن من المالك كان مضمونًا عليه كما يضمن هاهنا لما لم يوجد الإذن من صاحب الجمل الصائل لما أن إذن الشرع لا يمنع ضمان حق العبد لتغاير الحقين، وكذلك مسألة المخمصة.


(١) انظر: بداية المبتدي (١/ ٥٣)
(٢) انظر: المبسوط للشيباني (٢/ ٤٤٤).
(٣) متفق عليه: أخرجه البخاري في "صحيحه" باب: [المَعْدِنُ جُبَارٌ وَالبِئْرُ جُبَارٌ] (٩/ ١٢) برقم: [٦٩١٢]، وأخرجه مسلم في "صحيحه" باب: [جُرْحُ الْعَجْمَاءِ، وَالْمَعْدِنِ، وَالْبِئْرِ جُبَارٌ] (٣/ ١٣٣٤) برقم: [١٧١٠].
(٤) في (ب): البيع.
(٥) أثبته من (ب)، وفي (أ) تعرف ولعل الصواب ما أثبته لموافقته سياق الكلام.
(٦) في (ب): معنا.
(٧) في (ج): يجب الجزاء بذلك الفعل كما إذاحلق المحرم رأسه.
(٨) أثبته من (ب).
(٩) سورة البقرة من الآية (١٩٦).