للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

ثم معنى الصَّغار في ابتداء وَضْع الخراج دون البقاء، كما أنَّ معنى العُقود في ابتداء الاسترقاق دون البقاء حتَّى إذا أسلم الرَّقيق يبقى رقيقًا بخلاف خراج الرؤوس، فإنّه ذلّ ابتداءً وبقاءً، فلهذا لا يبقى بعد الإسلام (١)؛ كذا في المبسوط.

(في محلين بِسبَبَين مختلفَينِ) أي: في مَحلّين مختلفين بِسببَين مختلفين، وكذلك بمصرفَين مختلفين. أمَّا اختلاف المحلَّ، فإنَّ الخراج في ذمَّة المالك، والعُشر في الخارج. وأمَّا اختلاف السَّبب، فإنَّ سبب الخراج الأرض النَّامية تقديرًا، وسبب العُشر الأرض النَّامية تحقيقًا. وأمَّا اختلاف المصرِف، فإنَّ الخراج مصروف إلى المُقَاتِلَة، والعُشر مصروف إلى الفقراء.

(والوصفان لا يجتمعان) فإنَّ بينهما تنافيًالأنَّ الطَّوع ضِدّ الكُره الحاصل مِن القهر، فلمَّا لم يجتمِع السَّببان لم يثبت الحُكمان، ولهذا يُضافان إلى الأرض، فيقال: عُشر الأرض وخراج الأرض.

(وعلىهذا الخلاف الزَّكاة مع أحدِهما) أي: يجب العُّشر أو الخراج عندنا، ولا يجب الزَّكاة، صورته: "وإذا اشترى أرضَ عُشر أو خراج للتِّجارة لم يكن عليه زكاةُ التِّجارة عندنا. وعند محمدٍ -رحمه الله- تعالى أنَّ عليه زكاة التِّجارة مع العُشر والخراج، وهو قول الشَّافعي (٢) -رحمه الله- تعالى. ووجهه: أنَّ العُشر محلُّه الخارج، والزَّكاة محلُّها عَين مال التجارة، وهو الأرض فلَم يجتمعا في محلٍّ واحد، فوجوب أحدهما لا يمنع وجوب الآخر، كالدَّين مع العشر.

وجه ظَّاهر الرِّواية أنَّ العُشر والخراج مُؤنَة الأرض النَّامية. ألا ترى أنَّه يقال: عُشر الأرض وخراج الأرض، وكذلك الَّزكاة وظيفة المال النَّامي وهي الأرض، فكُلُّ واحد منهما يجب حقًّا لله تعالى، فلا يجب بسبب ملك مالٍ واحدٍ حقَّانِ لله تعالى، كما لا تَجب زكاة السَّائمة، وزكاة التِّجارة باعتبار مالٍ واحد. وإذا ثبت أنَّه لا وجه للجمْع بينهماقلنا: العُشر والخراج صار وظيفةً لازمةً لهذه الأرض لا يسقط بإسقاط المالك، وهو أَسبق ثبوتا من زكاة التِّجارة التي كان وجوبها بِنِيتِه، فلهذا بَقِيَت عُشرية وخراجية كما كانت" (٣)؛ كذا في المبسوط.

وقوله (٤) في المبسوط: وكلُّ واحدٍ منهما يجِب حقًا لله تعالى؛ خرج الجواب عن وجوب الدَّين مع العُشر، فإنَّ الدَّين يجب للعَبد، والعُشر لله تعالى، فلا تنافي بينهما فيجبانِ، وإنْ كان بسبب ملك واحدٍ (لأنَّ عمر -رضي الله عنه- لم يوظِّفه مكرَّرًا)، ولأنَّ ريع عامَّة الأراضي في السَّنة يكون مرَّة واحدةً؛ وإنَّما يُبنى الحكم على العامِّ الغالب (٥)؛ كذا في المبسوط، والله أعلم بالصواب (٦).


(١) ينظر المبسوط للسّرخسي (٣/ ٥).
(٢) ينظر الحاوي الكبير (٧/ ٤٧٠)، المجموع شرح المهذب (٥/ ٥٣٤).
(٣) المبسوط للسرخسي (٢/ ٢٠٧).
(٤) في (ب) "وبقوله".
(٥) ينظر المبسوط للسرخسي (١٠/ ٨٢).
(٦) ساقط من (ب).