للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

ولو اشترى البصير ثم عمي انتقل الخيار إلى الصفة؛ لأن المعنى الناقل للخيار من النظر إلى الصفة العجز، وفي هذا كونه أعمى وقت العقد وصيرورته أعمى بعد العقد قبل الرؤية سواء" (١). (كيلا يكون تفريق للصفقة قبل التمام) (٢)

الصفقة: عبارة عن العقد الذي تناهى في حق موجبه.

قال عمر -رضي الله عنه-: البيع صفقة أو خيار (٣) معناه إما أن يكون متناهياً في اللزوم، أو ينبغي اللزوم شرط الخيار، فعبر بالصفقة عن التناهي في اللزوم.

وخيار الشرط ينفي هذا، وكذلك خيار الرؤية، وكذا في الإيضاح (٤).

ثم تفريق الصفقة حرام؛ لما جاء في الحديث نهي النبي -صلى الله عليه وسلم- عن تفريق الصفقة (٥).

فإن قيل: ينبغي أن يكون في هذه الصورة ولاية رد أحد الثوبين الذي لم يره؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «من اشترى شيئاً لم يره فله الخيار» (٦).

قلنا: العمل بموجب قوله: نهى عن تفريق الصفقة أولى من حديث خيار الرؤية لوجوه:

أحدها: أن موجب قوله نهي عن تفريق الصفقة محكم في إفادة التحريم، أي: موجبه ثابت في جميع الصور وموجب قوله -صلى الله عليه وسلم-: «من اشترى شيئاً لم يره» غير ثابت في جميع الصور، ألا ترى أنه لا يملك الرد إذا تعيب أو أعتق أحد العبدين، أو دبره، فكان النهي عن تفريق الصفقة راجحاً، هذا جواب نقل عن الإمام العلامة مولانا شمس الدين الكردري (٧)، أو لأن قوله: محرم، والمحرم راجح على المبيح، أو لأن قوله نهى عن تفريق الصفقة متأخر عن المبيح، وإلا يلزم تكرار النسخ لما عرف، أو لأن الرد كما كان غير ممكن؛ لأن رد أحد الثوبين لا يكون رداً؛ لأنه اشترى الثوبين، لا أحد الثوبين، والرد إنما يصح أن لو كان ذلك المردود على الحالة الأولى.


(١) المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٦/ ٥٤٠).
(٢) قال في الهداية: "قال: "ومن رأى أحد الثوبين فاشتراهما، ثم رأى الآخر جاز له أن يردهما"؛ لأن رؤية أحدهما لا تكون رؤية الآخر؛ للتفاوت في الثياب، فبقي الخيار فيما لم يره، ثم لا يرده وحده، بل يردهما كي لا يكون تفريقاً للصفقة قبل التمام؛ وهذا لأن الصفقة لا تتم مع خيار الرؤية قبل القبض وبعده، ولهذا يتمكن من الرد بغير قضاء ولا رضا، ويكون فسخاً من الأصل" الهداية في شرح بداية المبتدي (٣/ ٩٦٠).
(٣) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، كتاب البيوع، باب في تفسير بيع الخيار، رقم (١٠٤٥٤)، (٥/ ٤٥٥)، وكذلك في السنن والآثار، كتاب البيوع، باب الخيار بين المتبايعين، رقم (١٠٩٩٨)، (٨/ ٢١). قال أحمد: حديثهم يروى أيضاً عن مطرف، تارة عن الشعبي، عن عمر، وتارة، عن عطاء بن أبي رباح، عن عمر: «البيع صفقة أو خيار». ورواه محمد بن عبد الرحمن، عن نافع، وليس بمحفوظ، وقيل: عن شيخ من بني كنانة، عن عمر، وكل ذلك منقطع، ومجهول كما قال الشافعي، عن عمر -رضي الله عنه-: البيع صفقة أو خيار وكلاهما مع الأول ضعيف؛ لانقطاع ذلك. السنن الكبرى للبيهقي (٥/ ٤٤٧)، معرفة السنن والآثار (٨/ ٢١).
(٤) ينظر: بدائع الصنائع (٥/ ٢٦٤).
(٥) بعد البحث لم أجد معناه.
(٦) سبق تخريجه ص ٢٠٤.
(٧) محمد بن عبد الستار بن محمد بن العمادي الكردري، المنعوت بشمس الدين، كنيته أبو الوجد، مات ببخارى يوم الجمعة، تاسع محرم، سنة اثنتين وأربعين وست مائة، ودفن بسبذمون. الجواهر المضية في طبقات الحنفية (٢/ ٨٣)، الفوائد البهية (٢٩٠).