للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

قلت: نعم كذلك، إلا أنه يدرج لفظ عام يدخل تحته الغايتان، فيقال: لم يجبر على دفع الثمن حتى يظهر وجه الحكم، أي: حكم الإجبار، وحكم عدم الإجبار؛ لأن لكل واحد من الحلف وإقامة البينة حكماً من الأحكام، وكان شيخي - رحمه الله - في قوله: "علفتهما تبناً وماءً بارداً" (١)، يقول: يجعل (٢) العلف في معنى فعل عام، يدخل تحته العلف والسقي، وهو أطعمتها فلا يحتاج حينئذ إلى إدراج، وسقيتها ماءً بارداً؛ إذ الإطعام يستعمل في معنى السقي، كما استعمل الطعم في معنى الشرب في قوله تعالى:

{وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي} (٣) أي: ومن لم يشربه (٤).

وذكر في الفوائد الظهيرية بعدما ذكر لفظ رواية الجامع الصغير كما ذكرت في لفظ الكتاب فقال: وفي هذا التركيب نظر؛ لأنه جعل أحدهما غاية لنفي الإجبار على الأداء، ونفي الإجبار على الأداء لا ينتهي بإقامة البينة بل يستمر، ثم قال: وأمكن تصحيحه بتقدير الخبر للمذكور ثابتاً، ومعناه: أو يقيم المشتري البينة فيستمر عدم الإجبار، وإنما لم يجبر على الأداء؛ لأن القاضي لا يشتغل بما لا يفيد؛ لأنه لو قضى ربما يحتاج إلى نقض القضاء، وأمكن تحقيق معنى الصيانة بالتلوم والانتظار إلى انكشاف الحال.


(١) بيت من الشعر لا يعرف قائله، وهو من أبيات الرجز عند العرب، تمامه: حتى شتت همّالة عيناها. تأويل مشكل القرآن (ص: ٣)، كتاب الشعر أو شرح الأبيات المشكلة الإعراب (ص: ٥٣٣)، أمالي ابن الشجري (٣/ ٨٢)، المآخذ على شراح ديوان أبي الطيب المتنبي (٥/ ٢٢)، تحرير التحبير في صناعة الشعر والنثر (ص: ٤٦٥).
(٢) سقط من (ب).
(٣) [البقرة: ٢٤٩].
(٤) قال الرازي: "قال أهل اللغة: (لم يطعمه) أي: لم يذقه، وهو من الطعم، وهو يقع على الطعام والشراب، هذا ما قاله أهل اللغة، وعندي إنما اختير هذا اللفظ لوجهين من الفائدة: أحدهما: أن الإنسان إذا عطش جداً ثم شرب الماء، وأراد وصف ذلك الماء بالطيب واللذة قال: إن هذا الماء كأنه الجلاب، وكأنه عسل، فيصفه بالطعوم اللذيذة، فقوله: ومن لم يطعمه معناه: أنه -وإن بلغ به العطش إلى حيث يكون ذلك الماء في فمه كالموصوف بهذه الطعوم الطيبة- فإنه يجب عليه الاحتراز عنه، وأن لا يشربه، والثاني: أن من جعل الماء في فمه وتمضمض به ثم أخرجه من الفم، فإنه يصدق عليه أنه ذاقه وطعمه، ولا يصدق عليه أنه شربه، فلو قال: ومن لم يشربه فإنه مني كان المنع مقصوراً على الشرب، أما لما قال: ومن لم يطعمه كان المنع حاصلاً في الشرب وفي المضمضة، ومعلوم أن هذا التكليف أشق، وأن الممنوع من شرب الماء إذا تمضمض به وجد نوع خفة وراحة. تفسير الماتريدي (٢/ ٢٢٧)، مفاتيح الغيب (٦/ ٥١٠)، تفسير القرطبي (٣/ ٢٥٣).