للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

«والنسبة لتعريف الغائب دون الحاضر» (١)، وهذا حاضر، فلا يجوز أن تقوم النسبة تعريفاً له، فكان في هذا جواب عن قوله: «كما في الشَّهادة على الميت، فصار [كالحدود والقصاص] (٢)» (٣)، فإنَّ شهادة الأعمى لا تصح فيهما بالاتفاق.

لأنَّ الحدود تُدرأ بالشبهات، والصوت والنغمة في حق الأعمى تقام مقام المعاينة في حق البصير، والحدود لا تقام مما يقوم مقام الغير بخلاف الأموال. كذا في المبسوط (٤).

فإن قلتَ: ما الفرقُ لأبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله - بين شهادة الأعمى وبين شهادة الشُّهود على الغائب، لأجل كتاب القاضي إلى القاضي، حيث يقبل في الغائب ولا يقبل في الأعمى، مع أنَّ الإشارة لم توجد في كل منهما؟

قلت: إنَّ في الغائب يعرف الشُّهود المدَّعى عليه، ويقولون: لو/ رأيناه عرفناه؛ فلا يكون ذلك شهادة على من لا يعلمون بوجوب الحق عليه، حتى لو قالوا: لا يعرفه اليوم، لا تقبل شهادتهم.

فأمَّا الأعمى لا يشهد على من يعلم بوجوب الحق عليه على الحقيقة، فلا يصح منه أداء الشَّهادة. كذا في الذَّخيرة (٥).

«لصَيروُرَتِهَا حُجَّةً عند» (٦)، أي: عند القضاء.

«فاستدل أبو حنيفة ومحمد - رحمهما الله - أيضاً بحديث علي -رضي الله عنه- أنَّه ردَّ شهادة الأعمى، ولم يستفسر أنَّه وقت التَّحمل كان بصيراً أو أعمى؛ ولكن أبو يوسف - رحمه الله - يقول: يُحتمل أنَّ ذلك كان في الحدِّ، وأنا أقول: في الحدود إذا عمي قبل الأداء، أو بعد الأداء قبل القضاء، فإنَّه لا يُعمل بشهادته، لأنَّ الحدود تُدرأ بالشبهات». كذا في المبسوط (٧).

«وصار كما إذا خرس» (٨).

[فإنَّهم] (٩) أجمعوا على أنَّ الشَّاهد إذا خرس، أو ذهب عقله، أو ارتدَّ بعد الشَّهادة - والعياذ بالله - قبل القضاء أنَّ القاضي لا يقضي بشهادته.


(١) الهداية (٣/ ١٢١).
(٢) في «س»: [كالقصاص].
(٣) الهداية (٣/ ١٢١).
(٤) المبسوط (١٦/ ١٣٠).
(٥) ينظر: المحيط البرهاني (٨/ ٣٢٣).
(٦) تمام المسألة في الهدية (٣/ ١٢١): «ولو عمي بعد الأداء يمتنع القضاء عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله؛ لأنَّ قيام أهلية الشَّهادة شرط وقت القضاء لصيرورتها حجة عنده، وقد بطلت، وصار كما إذا خرس، أو جُنَّ، أو فسق، بخلاف ما إذا ماتوا أو غابوا؛ لأن الأهلية بالموت قد انتهت وبالغيبة ما بطلت».
(٧) المبسوط (١٦/ ١٢٩ - ١٣٠).
(٨) الهداية (٣/ ١٢١).
(٩) في «س»: [فإنه].