للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

فإن قيل: يرد في طرده نقض، وهو أن الذمي يملك بيع الخمر بنفسه، ولا يجوز له أن يوكل المسلم ببيعها.

قلنا: الذمي ها هنا يملك بيع الخمر بنفسه، ويملك توكيل غيره ببيعها أيضاً حتى إنه لو وكل ذمياً آخر ببيعها يجوز؛ وإنما لم يجز توكيل المسلم هنا لمعنى في المسلم، وهو أنه مأمور بالاجتناب عنها.

وفي جواز التَّوكيل ببيعها اقترابها والحُرمة إذا جاءت من قبل المحل لا تكون مانعة لعبارة التصرف بلفظ الكل.

حتى إن قائلاً لو قال: كل من تزوج امرأة بنكاح صحيح حل له وطئها لا يرد عليه الحائضة والمُحرِمَةُ؛ لأنَّا نقول هناك جائز أيضاً إلا أنَّ المنع من الوطء جاء من قبل المرأة لمعنى عارض حتى إذا انعدم هذا المعنى ظهر الِحلُّ الذي ثبت بالنكاح الصحيح (١).

فإن قيل يشكل هذا الاستقراض؛ فإنه لو استقرض بنفسه يجوز، ولو وكَّل غيره بالاستقراض لا يجوز؛ بل الاستقراض يقع على المستقرض الذي هو الوكيل لا على الموكل.

قلنا: قد ذكر في الذخيرة: لو أخرج الوكيل كلامه في الاستقراض مخرج الرسالة، بأن قال: إن فلاناً يستقرض منك عشرة ففعل المُقرِض تكون الدراهم للآمر حتى لا يكون للوكيل أن يمنع ذلك منه، ولو أخرج الكلام مخرج الوكالة بأن قال للمقرض أقرضني عشرة دراهم كانت العشرة للوكيل؛ وله أن يمنعها من الآمر؛ لأنَّ التَّوكيل بالاستقراض باطل بخلاف الرسالة (٢)؛ فإنَّ الرسالة موضوعةٌ لنقل العبارة؛ فإن الرسول مُعبِّر، والعبارة ملك المرسل؛ فقد أمره بالتصرف في ملكه باعتبار العبارة؛ فيصح فيما هو حقه (٣).

وأما الوكالة فغير موضوعة لنقل عبارة الموكل؛ فإن العبارة للوكيل، ولهذا كان حقوق العقد له، فلا يمكننا تصحيح هذا الأمر باعتبار العبارة؛ لأنَّ الوكيل غير ناقل للعبارة، ولا نقول بأنَّ التَّوكيل بالبيع من حيث أنه أمر بنقل عبارة الموكل التي هي ملك الموكل؛ لأن العبارة للوكيل في جميع الصور؛ وإنما صَحَّ؛ لأن محل البيع ملك الموكل، فقد أمر الوكيل بإزالة المبيع عن ملكه فصح التَّوكيل بالبيع باعتبار إزالة المبيع عن ملك الموكل.

وأما في فصل الاستقراض فالعبارة للوكيل، والمحل الذي أمره في التصرف فيه ملك الغير، فإنَّ الدراهم التي يستقرضها الوكيل ملك المقرض، والأمر بالتصرف في ملك الغير باطل (٤).


(١) ينظر: تبيين الحقائق (٤/ ٢٥٤)، فتح القدير (٧/ ٥٠١)، حاشية رد المحتار (٥/ ٥١١).
(٢) ينظر: البناية شرح الهداية (٩/ ٢١٧).
(٣) ينظر: تبيين الحقائق (٤/ ٢٥٥).
(٤) ينظر: العناية شرح الهداية (٧/ ٥٠٢)، البناية شرح الهداية (٩/ ٢٣٢)، البحر الرائق (٧/ ١٤٣).