للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

وإن جمع هذه الوصايا يتضاربون في الثلث بوصاياهم فما أصاب العباد فهو لهم لا يقدم بعضهم على البعض، وما كان لله تعالى يجمع ذلك كله؛ فيبدأ منها بالفرائض ثم الواجبات ثم النوافل هذا إذا لم يكن بالوصية عتق منفذ ولا محاباة منجزة؛ فإن كان فيها عتق منفذ أومحاباة منجزة فإن في قول أبي … حنيفة: إن كانت المحاباة متقدمة على العتق يصرف (١) الثلث كله إلى المحاباة ثم إلى العتق ثم إلى سائر الوصايا على ما بيَّنَّا؛ هذا كله من زكاة شرح الطحاوي (٢).

فإن تساوت في القوة بُدئ بما قدمه الموصي إذا ضاق عنها الثلث.

ألا ترى أنه لما سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن السعي بأيهما نبدأ؛ قال: «ابدءوا بما بدأ الله به» (٣)، فالزكاة تعلق بها حق العباد لأن حق الفقير في القبض ثابت فكان ممتزجًا بحَقّيْن؛ والحج يخص حق الله تعالى فكانت الزكاة أقوى.

وقوله: فكان الحج أقوى؛ لأن فيه تأدية الوظيفتين البدنية والمالية، وفي الزكاة تأدية وظيفة واحدة؛ ولأن الحج فرض العمر فكان فرض العمر أقوى لشموله من فرض السنة وقد جاء فيها

من الوعيد؛ أما في حق الزكاة فقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ} (٤) الآية، وأما في حق الحج فقوله تعالى: {وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} (٥) مكان قوله: ومن لم يحج؛ وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «من مات وعليه حجة الإسلام إن شاء مات يهوديًّا وإن شاء نصرانيًّا وإن شاء مجوسيًّا» (٦).


(١) في (ب): يضرب؛ وما أثبت من (أ) و (ج) هو الصواب.
(٢) ينظر: البناية (١٣/ ٤٥٨).
(٣) أخرجه مسلم في (صحيحه) كتاب الحج باب حجة النبي - صلى الله عليه وسلم - (٢/ ٨٨٦ رقم الحديث: ١٢١٨).
(٤) سورة التوبة: ٣٤.
(٥) سورة آل عمران: ٩٧.
(٦) عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ غ: "مَنْ لَمْ يَمْنَعْهُ عَنْ الْحَجِّ حَاجَةٌ ظَاهِرَةٌ أَوْ سُلْطَانٌ جَائِرٌ أَوْ مَرَضٌ حَابِسٌ فَمَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ فَلْيَمُتْ إِنْ شَاءَ يَهُودِيًّا شَاءَ نَصْرَانِيًّا".
رواه الدارمي في سننه (٢/ ٢٨)، والبيهقي في السنن (٤/ ٣٣٤) والروياني في مسنده (٢/ ٣٠١) وابن الجوزي في الموضوعات (١١٥٥) من طرق عن شريك عن ليث عن عبد الرحمن ابن سابط عن أبي أمامة.
قال الذهبي في ميزان الاعتدال (٣/ ١٦٩) بعد إيراده للحديث: هذا منكر عن شريك.
والحديث قد روي بألفاظ أخرى عن عدد من الصحابة:
١ - عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ غ: " مَنْ مَلَكَ زَادًا وَرَاحِلَةً تُبَلِّغُهُ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ وَلَمْ يَحُجَّ فَلَا عَلَيْهِ أَنْ يَمُوتَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا وَذَلهَ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} آل عمران.
رواه الترمذي (٨١٢) وقال: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَفِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ وَهِلَالُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مَجْهُولٌ، وَالْحَارِثُ يُضَعَّفُ فِي الْحديث.
٢ - عن أبي هريرة- رضي الله عنه -قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من مات ولم يحج حجة الإسلام في غير وجع حابس، أو حاجة ظاهرة، أو سلطان جائر، فليمت أي الملتين شاء: إما يهوديا، وإما نصرانيا".
رواه ابن عدي في الكامل (٤/ ١١٢) في ترجمة عبدالرحمن بن القطامي، وابن الجوزي في الموضوعات ٢/ ٥٨٣ ح ١١٥٣.
٣ - عن عبد الرحمن بن غُنم أنه سمع عمر بن الخطاب- رضي الله عنه -يقول: من أطاق الحج فلم يحج، فسواء عليه يهوديا مات أو نصرانيا.
رواه الإسماعيلي كما عزاه ابن كثير في تفسيره (٢/ ٩٧)، قال ابن كثير عقب الأثر: وهذا إسناد صحيح إلى عمر.