للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ الْقِرَاءَةَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ؛ فَلَا تَسْقُطُ بِسَبَبِ الاقْتِدَاءِ عِنْدَ الاخْتِيَارِ كَالرُّكُوعِ، وَالسُّجُودِ؛ بِخِلَافِ مَا إِذَا أَدْرَكَ الْإِمَامُ فِي الرُّكُوعِ؛ لِأَنَّ تِلْكَ الْحَالَةَ حَالَةُ الضَّرُورَةِ فَإِنَّهُ يَخَافُ فَوْتَ الرَّكْعَةِ، وَبِسَبَبِ الضَّرُورَةِ قَدْ تَسْقُطُ بَعْضُ الْأَرْكَانِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْقِيَامَ بَعْدَ التَّكْبِيرِ رُكْنٌ، وَقَدْ سَقَطَ ها هُنَا لِلضَّرُورَةِ كَذَا فِي " الْمَبْسُوطِ " (١).

وَذُكِرَ فِي "الأسرار " وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ -رحمه الله- (٢) هَذَا فِي الصَّلَاةِ؛ الَّتِي يُخَافِتُ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ وَفِي الَّتِي يَجْهَرُ فِيهَا لَهُ قَوْلَانِ (٣) وَفِي "الْخُلَاصَةِ الْغَزَالِيَّةِ" (٤): (وَيَقْرَأُ الْمَأْمُومُ (٥) فِي الْجَهْرِيَّةِ عِنْدَ سَكْتَةِ الْإِمَامِ مِنَ الْفَاتِحَةِ؛ كَيْلَا يَفُوتُهُ سَمَاعُ الْقُرْآنِ، وَلَا يَقْرَأُ الْمَأْمُومُ السُّورَةَ فِي الْجَهْرِيَّةِ) (٦).

وَلَنَا (٧) قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} (٨) وأكثر أَهْلُ التَّفْسِيرِ (٩) عَلَى أَنَّ هَذَا خِطَاباً لِلْمُقْتَدِي، وَلَا يُقَالُ إِنَّ الْإِمَامَ يَسْكُتُ لِيَقْرَأَ الْمُقْتَدِي؛ لِأَنَّا نَقُولُ الْخِلَافُ ثَابِتٌ فِي إِمَامٍ لَمْ (١٠) يَسْكُتْ؛ وَلِأَنَّ السُّكُوتَ بِغَيْرِ قِرَاءَةِ حَالَةِ الْقِيَامِ، مَكْرُوهٌ وَلَوْ سَكَتَ طَوِيلاً سَاهِياً لَزِمَهُ سَجْدَتَا السَّهْوِ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَ الْآيَةَ عَلَى حَالِ الْخُطْبَةِ، وَلَا تَنَافِي بَيْنَهُمَا فَفِيهِ بَيَانُ الْأَمْرِ بِالاسْتِمَاعُ، وَالْإِنْصَاتِ فِي حَالَةِ الْخُطْبَةِ؛ لِمَا فِيهَا مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَمَنْعِ الْمُقْتَدِي عَنِ الْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ؛ مَرْوِيٌّ (١١) عَنْ ثَمَانِينَ نَفَراً مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ -رحمهم الله- وَقَدْ جَمَعَ أَسَامِيهِمْ أَهْلُ الْحَدِيثِ.


(١) "المبسوط" للسرخسي (١/ ١٩٩).
(٢) في ب زيادة: (يقرأ في كل صلاة إلا أنه في صلاة الجهر). قلت: وأظنها مدخولة
(٣) حكي الماوردي القولان فقال: (وإن كانت صلاة جهرٍ؛ جهرَ بها الإمام، فأما المأموم فقد قال الشافعي في القديم: يجهر به كالإمام، وفي القول الجديد يسره ولا يجهر به بخلاف الإمام). "الحاوي الكبير، للماوردي" (٢/ ١١٢).
(٤) في (ب): (الغزالية)
(٥) في (ب): (إلمام).
(٦) "الخلاصة" للغزالي (ص ١٢٨).
(٧) في (ب): (وأما).
(٨) سورة الأعراف: من آية (٢٠٤).
(٩) انظر: " تفسير البيضاوي = أنوار التنزيل وأسرار التأويل" (٣/ ٤٧)، "التفسير الوسيط للواحدي" (٢/ ٤٤٠) "تفسير ابن كثير" (٣/ ٥٣٧).
(١٠) (لَمْ) زيادة من (ب).
(١١) في (ب): (رُوي).