للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

قلت: فعلم بهذا كله أن التشبيه (١) بالعراة ليس من كل وجه بل في أفضلية (٢) الانفراد، وفي أفضلية قيام الإمام وسطهن، وأما العراة فيصلون قعودًا بإيماء، وهو أفضل، ولا كذلك النساء، بل يصلين قائمات فإن فعلن قامت الإمام وسطهن أنّث الإمام لكون المرأة مراداً منه، فإن قلت: تعارضت هاهنا حرمتان، وهما زيادة الكشف في التقدم، وترك مقام الإمام بالتوسط فلم رجحت رعاية جانب الكشف على جانب ترك المقام.

قلت: لأن الاحتراز عن الكشف أقوى الفرائض والاحتراز عن ترك مقام الإمام الذي هو التقدم سنة ونفس الفرض أقوى من السنة فكيف إذا كانت موصوفة بالقوة (٣). وإنما قلنا ذلك؛ لأن النجاسة التي تمنع جواز الصلاة إذا كانت في بدن المصلي ولا يمكنه غسلها إلا بإظهار عورته يصلي مع النجاسة احترازا عن كشف العورة كذا ذكره الإمام التمرتاشي -رحمه الله- (٤) في باب المريض من الجامع الصغير (٥) (٦).

فلأن يترجح على السُّنة أولى، فقال: وحمل فعلها الجماعة على ابتداء الإسلام، أي: كانت جماعة النساء وحدهن في ابتداء الإسلام، ثم نسخت فكانت الإمام تقدم وسطهن وقت شرعيتها. فإن قلت: كيف يجوز التمسك (حينئذ) (٧) على ما ادعاه بالمنسوخ، قلت: فهو منسوخ سنة لا جوازًا، فإن النسخ كما يجري في الفرائض يجري في الواجبات، والسنن كالجهر في الظهر والعصر والتطبيق في الركوع، ثم إنهن لو صلين جماعة يجوز صلواتهن بالإجماع سواء تقدمت الإمام أو توسطت لاستجماع شرائط الجواز، ولكن اختيار توسط إمامهن على التقدم لما ذكرنا من رجحان معنى رعاية جانب الستر على معنى سنية (٨) مقام الإمام من حيث التقدم، وفعل (٩) عائشة رضي الله عنها وقع مصاحبًا للتعليل حين وقع، فيجوز التمسك به (١٠).


(١) في (ب): التشبه
(٢) ساقط من (ب).
(٣) يُنْظَر: العناية شرح الهداية (١/ ٣٥٣).
(٤) هو: أحمد بن إسماعيل بن مُحَمَّد إيدغمش التُّمُرْتَاشِي الخوارزمي، الحنفي ظهير الدين، أبو مُحَمَّد مفتي خوارزم. توفي في حدود سنة ٦٠٠ هـ. من مؤلفاته: شرح الجامع الصغير، يُنْظَر: الجواهر المضية (١/ ٦١)، كشف الظنون (٢/ ١٢٢١)، (الأَعْلَام للزركلي: ١/ ٩٧)، معجم المؤلفين (١/ ١٦٧).
(٥) ساقط من (ب).
(٦) يُنْظَر: حاشية ابن عابدين (١/ ١٥٥).
(٧) في الأصل: (ح). وهو اختصار.
(٨) في (ب): سنة.
(٩) في (ب): فعملت.
(١٠) يُنْظَر: العناية شرح الهداية: ١/ ٣٥٣.