للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وقيل: المراد من الكلام الذي اختلفوا فيه وقت خروج الإمام (١)، ووقت فراغه من الخطبة هو كلام يتعلّق بأمور الآخرة، وأمّا كلام الدنيا فبالاتفاق أنّه لا يجوز.

قلت: هذا القول ليس بصحيح، بل الاختلاف في كل كلام سوى التسبيح، ونحوه لما أنّ شيخ الإسلام ذكر في تمسّك أبي يوسف، ومحمد بأثر فيه كلام الدنيا، فعلم أنّهما يجوّزان كلام الدنيا أيضًا، فقال: واحتجا بما روي عن أنس بن مالك: «أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان إذا نزل عن المنبر يسأل الناس عن حوائجهم، وعن أسعار السوق، ثم صلّى» (٢)، ورُوي عن عمر، وعثمان رضي الله عنهما: «أنهما كانا إذا صعدا المنبر يسألان الناس عن أسعار السوق» (٣)، ومن حجتهما أيضًا حديث عمر - رضي الله عنه - أنه قال: «خروج الإمام يقطع الصلاة، وكلامه يقطع الكلام» (٤)، ولأنّ حرمة الكلام باعتبار الإخلال بفرض الاستماع؛ لأن الكلام في نفسه مباح فلا إثم فيه، والجواب لأبي حنيفة -رحمه الله- عن هذا هو: أن كلام النبي -صلى الله عليه وسلم-[كان] (٥) في الابتداء حين كان الكلام مباحًا في الصلاة، فكان مباح في الخطبة أيضًا، ثم نهى بعد ذلك عن الكلام فيهما، ولأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان إمامًا، وخطيبًا، ولا بأس له أن يتكلم؛ لأنه يخطب، والخطبة من أوّلها إلى آخره كلام (٦)، وأمّا أثر عمر فمعارض بحديث ابن عمر، وابن عباس، فإنهما رويا أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إذا خرج الإمام فلا صلاة، ولا كلام» (٧)، فكان المصير إلى الحديث أولى، وأمّا قولهما: إنّما حرم الكلام لأجل الاستماع، قلنا: بلى إلا أنه الحق هذه الحالة بحالة الخطبة تعظيمًا لأمر الخطبة. كذا في «مبسوط شيخ الإسلام» (٨).


(١) [ساقط] من (ب).
(٢) أخرجه الترمذي في «سننه» (٢/ ٣٩٤)، كتاب أبواب الجمعة، باب الكلام بعد نزول الإمام من المنبر، رقم (٥١٧)، وابن ماجه في «سننه» (١/ ٣٥٤)، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في الكلام بعد نزول الإمام عن المنبر، رقم (١١١٧)، قال الألباني في (صحيح وضعيف سنن ابن ماجه: ٣/ ١١٧): شاذ.
(٣) ذكره برهان الدين في (المحيط البرهاني: ٢/ ١٨٣).
(٤) أخرجه البيهقي في «السنن الكبرى» (٣/ ١٩٣ – رقم ٥٤٧٨) مرفوعًا، وقال الألباني: ضعيف. ينظر: في الجامع الصغير وزيادته: ص ٦٥٧.
(٥) [ساقط] من (ب).
(٦) ينظر: العناية شرح الهداية ٢/ ٦٨، المحيط: ٢/ ١٨٣.
(٧) عند الطبراني كما في (مجمع الزوائد: ٢/ ١٨٤): «إذا دخل أحدُكم المسجدَ والإمامُ على المنبرِ فلا صلاةَ ولا كلامَ حتى يفرغَ الإمامُ» قال الهيثمي: فيه أيوب بن نهيك وهو متروك، ضعفه جماعة، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: يخطئ. وقال الحافظ في (الفتح: ٢/ ٤٠٩): حديث ضعيف، فيه أيوب بن نهيك، وهو منكر الحديث، قاله أبو زرعة وأبو حاتم.
(٨) ينظر: العناية شرح الهداية ٢/ ٦٨، المحيط البرهاني: ٢/ ١٨٣.