للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

(ولا يجب إلا لاستدراك المصلحة)، أي: فلا يجب القضاء هاهنا إلا لتدارك فساد حجه الذي كان شرع فيه.

(وهو مصلحة) (١)، أي: إصلاح أمره وشأنه فلما ناب القضاء من قابل مناب حجه الذي شرع فيه صار كأنه لم يفسد حجه، فعلى هذا كان ينبغي أن لا يجب عليه شيء من الدم لكن وجب هذا الدم لتعجيل هذا الإحلال والشاة تكفيه كما في المحصر؛ لأن جزاء فعله هاهنا وجوب القضاء عليه؛ لأنه أهم ما يجب في الحجّ، فلا يجب مع القضاء كفارة أخرى بخلاف ما إذا جامع بعد الوقوف بعرفة، فإن ذلك الدم وجب جزاء لفعله؛ لأنه لم يجب القضاء عندنا، فيجب أن يكون ذلك الجزاء أزيد من الدم الذي وجب معه شيء آخر لغلطه لجناية عند قيام الإحرام، وعدم قيامه حجة أخرى مقام هذه الحجّة إلى هذا أشار في «المبسوط» (٢).

(وعن أبي حنيفة -رحمه الله- أن في غير القُبل منهما).

أي: من السبيلين، وقيل: أي (٣): من المرأة والرجل.

(لتقاصر معنى الوطء).

ولهذا لم يجب الحد عنده، ولا يجب المهر بالإجماع، وفي رواية يفسد؛ لأنه كامل من حيث أنه ارتفاق، وعندهما يفسد؛ لأنه يوجب الحد، وإتيان البهيمة؛ لأنه ليس بوطئ مقصود، وعليه دم إن أنزل؛ لأنه سببه الجماع كذا ذكره الإمام التمرتاشي -رحمه الله-.

(وليس عليه أن يفارق امرأته في قضاء ما أفسداه، عندنا، خلافًا لمالك (٤) -رحمه الله-).

والأصل فيه: أن الصحابة -رضي الله عنهم- قالوا: إذا رجع للقضاء يفترقان، معناه: يأخذ كل واحد منهما في طريق غير طريق صاحبه، ومالك أخذ بظاهر هذا اللفظ فقال: كما خرجا من بيتهما فعليهما أن يفترقا، ولكن هذا بعيد من الفقه، فإن له أن يواقعها (٥) ما لم يحرما، والافتراق للتحرز عن المواقعة، فلا معنى للأمر بالافتراق في وقت تحل المواقعة بينهما، وزفر يقول: يفترقان من وقت الإحرام؛ لأن الافتراق نسك بقول الصحابة أو أن أداء ما هو نسك بعد الإحرام، وهذا ليس بقوي أيضًا، فإن الافتراق ليس بنسك في الأداء، فلا يكون نسكًا في القضاء؛ لأن القضاء إنما يكون بصفة (٦) الأداء.

وقال الشافعي (٧): "إذا قربا من الموضع الذي جامعها فيه يفترقان"؛ لأنهما لا يأمنان إذا [وصلا] (٨) إلى ذلك الموضع أن تتهيج بهما الشهوة فيواقعها فيفترقان للتحرز عن هذا، وهذا ليس بصحيح أيضًا؛ لأنه إنما واقعها في السنة الأولى بسبب النكاح القائم بينهما، فلو وجب الافتراق إنما يجب بسبب النكاح أيضًا، وأحدٌ لا يأمر بهذا، بل إذا بلغا إلى ذلك الموضع، فتأملا فيما لحقهما من المشقة بسبب لذة يسيرة ازداد ندمًا وتحرزًا عن ذلك ثانيًا.


(١) في (ب): مصلحته.
(٢) انظر: المبسوط (٤/ ١١٨).
(٣) ساقطة من (ب).
(٤) انظر: مواهب الجليل (٣/ ٣٣٥).
(٥) في (ب): يوافقها.
(٦) في (ب): نصفه.
(٧) انظر: المجموع (٧/ ٤١٥).
(٨) أثبته من (ب) وفي (أ) فصلا. ولعل الصواب ما أثبته لموافقته سياق الكلام.