للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وذكر في فصل الطّلاق بالكتاب من فتاوى قاضي خان -رحمه الله- (١) [اكربخانه ما درروي ترا طلاق] فذهبت إلى باب دارها ولم تدخل، اختلف المشايخ، والصّحيح أنّها لا تطلق؛ لأنّهم يريدون بهذا المنع عن الدّخول فلا تطّلق بدونه، فكان ذكر الصّحيح في الفتاوى على خلاف ذكر الصّحيح في الكتاب.

عَنَى استِطَاعَةَ القَضَاءِ (٢) المراد باستطاعة القضاء: هو استطاعة القضاء والقدر؛ وهي الاستطاعة التي يُقارن الفعل عند أهل السنة والجماعة، وإنّما سمّى استطاعة القضاء؛ لأنّ ذلك الفعل يوجد بإيجاد الله تعالى وقضائه، فإنّه تعالى إذا قضى وجود ذلك الفعل أوجد قدرة العبد مع ذلك الفعل، ولو لم يوجد تلك القدرة لم يوجد ذلك الفعل، فكانت تلك القدرة قدرة مخلوقة لأجل ذلك الفعل المقتضى عليه بالوجود فكانت تلك القدرة أي الاستطاعة.

(استطاعة القضاء دِينَ فِيما بينهُ وبَين الله تعالى) حتى لا يحنث حينئذ أبدًا؛ لأنّه في أي حال لم يفعل فهو غير مستطيع حقيقة؛ لأنّها لا تشتق الفعل كذا في الجامع الصّغير (٣) لفخر الإسلام -رحمه الله- ومبسوطه (٤).

[٤٢٨/ أ] ويُطلقُ الاسم: أي اسم الاستطاعةِ على سَلامةِ الآلاتِ وصِحَّةِ الأسبابِ قال الله تعالى: (مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} (٥) وفسّره رسول الله -عليه السلام- بملك الزاد والرّاحلة (٦) ويقال: فلان يستطيع كذا وفلان/ لا يستطيع، وَتَصِحُّ نِيَّةُ الأَوَّلِ دِيَانَةً وهو استطاعة القضاء؛ لأنّ الاستطاعة تذكر ويراد بها ذلك قال الله تعالى: (وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ} (٧) ولا تصدق قضاء؛ لأنّه خِلاف الظاّهر، وفيه تخفيف على نفسه، وفي رواية أخرى يصدق قضاء أيضًا؛ لأنّه نوى حقيقة مستعملة. كذا ذكره الإمام قاضي خان -رحمه الله- (٨) قوله لما بينا إشارة إلى قوله: لأنّه نوى حقيقة كلامه. (٩) ولابدّ من الإذن في كلّ خروج) والحيلة (١٠) في ذلك أن يقول لها كلّما أردت الخروج فقد أذنت لك فإن قال ذلك ثم نهاها لم يعمل نهيه عند أبي يوسف -رحمه الله- خلافاً لمحمد -رحمه الله- ولو أذن لها يخرجه ثم نهاها عن تلك الخرجة يعمل نهيه بالإجماع ثم في قوله إن خرجت إلا بإذني أو (لا تخرج امرأته إلا بإذنه) (١١) فالإذن يتقيد بالنكاح، لأنّ الإذن إنّما يصحّ لمن له المنع وذلك بالنكاح، وكذا السّلطان يحلف رجلاً ليرفعن إليه كلّ داعر يعرفه يتقيد بقيام ولايته، كذا ذكره الإمام التمرتاشي -رحمه الله- (١٢).


(١) انظر: فتاوى قاضي خان (١/ ٢٣٤) وردت هكذا: (رجل قال لامرأته أكرتوبخاته مادرروي ترا طلاق فذهبت إلى باب دارها ولم يدخل اختلف المشايخ والصّحيح أنّها لا تطلق لأنّهم يريدون بهذا المنع عن الدّخول فلا تطّلق بدونه).
(٢) لتتمة الكلام نذكر ما قبله " وَلَو حلف ليأتينه غَدا إن استطاع فهذا على استطاعة الصِّحَّة دون القُدرة وَفَسره في الجامع الصَّغِير وقال إِذا لم يمرض ولم يمنعهُ السُّلْطَان ولم يجيء أمر لا يقدر على إتيانه فلم يأته حنث وإن عَنى استطاعة الْقَضَاء … " انظر: بداية المبتدئ (١/ ٩٨).
(٣) انظر: الجامع الصغير للشيباني (١/ ٢٦٢ - ٢٦٣)
(٤) انظر: البناية (٦/ ١٦١).
(٥) سورة آل عمران آية: (٩٧).
(٦) عن أَنسٍ -رضي الله عنه-، عن النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- في قوله تبارك وتعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حَجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} آل. عمران: ٩٧] قال: قِيل: يا رسول الله ما السَّبيلُ؟ قال: «الزَّادُ والرَّاحِلةُ» الحديث في المستدرك للحاكم قال: هذا حديثٌ صَحيحٌ على شَرط الشَّيخين، ولم يُخرِّجاه " وقَد تَابعَ حمَّادُ بن سلمة سَعيدًا على رِوايتِه، عن قتادة. انظر: المستدرك على الصحيحين للحاكم (١/ ٦٠٩)، كتاب الصوم، بِسم الله الرَّحمن الرَّحيم أَوَّلُ كِتاب المنَاسك، رقم الحديث (١٦١٣)، سنن الدار قطني (٣/ ٢١٣)، كتاب الحج، رقم (١٢)، رقم الحديث (٢٤١٣)، السنن الصغير للبيهقي (٢/ ١٣٣)، كتاب المناسك، رقم (٧) باب إثبات فرض الحجِّ على من استطاع إِليه سبيلًا، رقم الحديث (١٤٥٤).
(٧) سورة النساء آية: (١٢٩).
(٨) انظر: العناية (٥/ ١١٠).
(٩) تتمة الكلام: "ومن حلف لا تخرج امْرَأَته إِلَّا بإذنه فَأذن لها مرّة فَخرجت ثمَّ خرجت مرّة أخرى بغير إذنه حنث، ولا بُد من الإذن في كل خُرُوج " انظر: بداية المبتدي (١/ ٩٨).
(١٠) الحِيلَةُ هي في اللغة: الحذق وجودة النظر في تدبير الأمور. انظر: القاموس المحيط (١/ ٩٨٩)، المصباح المنير (١/ ١٥٧)، لسان العرب (١١/ ١٨٦)، (حيل).
والمقصود بِحِيَل الفقه: إسقاط حكم شرعي أو قبله إلى حكم آخر بوجه من وجوه التسبب، كتمليك المال قبل الحول فراراً من وجوب الزكاة، وإنشاء السفر بقصد قصر الصلاة أو الأكل في نهار رمضان، وما أشبه ذلك. انظر: الموافقات للشاطبي (٢/ ٣٧٩)، الفكر السامي للحجوي (١/ ٣٦٣).
(١١) " بإذنه " الإِذنِ هو: الرِّضَا.
انظر: بدائع الصنائع (٣/ ٤٦)، الاختيار لتعليل المختار (٤/ ٥٦).
(١٢) انظر: الدر المختار (٣/ ٧٥٩).