للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[وفاة الشيخ ابن عثيمين]

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله العليم علام الغيوب، وأشهد أن محمداً رسول الله، علمنا فأحسن تعليمنا، صلى الله عليه وعلى آله وصبحه أولي العلم والنهى، صلى الله عليه وعلى من تبعه بإحسان إلى يوم الدين.

عباد الله: إن فقد العلماء مصيبة، وإن ذهابهم رزية، وإن موت العالم العظيم ثلمة في الإسلام، وإنها لمصيبة ينبغي أن تقدر حق قدرها، وينبغي أن نعلم ماذا خسرنا حقاً، لا لأجل أن ننوح ونصيح، ولكن لأجل أن نسعى في استدراك النقص، والوصول إلى الطرق التي تؤدي إلى التعويض.

يا عباد الله: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا} [الرعد:٤١] كان ابن عباس رضي الله عنه يقول: [موت علمائها وصلحائها]، وكثير من أهل التفسير ذهبوا إلى أنه نقصان بلاد الشرك بفتحها من قبل أهل التوحيد:

لعمرك ما الرزية فقد مال ولا شاة تموت ولا بعير

ولكن الرزية فقد شهم يموت بموته خلق كثير

فعندما يودع العالم قبراً، يتأسف على العلم، فيدفن في القبر علم كثير غزير، فمن بمثل اجتهاده وقدرته على النظر في الأمور.

الكتب كثيرة -يا عباد الله- لكن الفقه والقدرة على الاجتهاد والاستنباط من الذي يقوم بها؟ لا الآلات الحاسوبية ولا غيرها، إنما هي عقول العلماء، إنما هي تلك القلوب الحية التي يعقلون بها، وقد فجع المسلمون بوفاة شيخهم وعالمهم وصاحب الاجتهاد والفقه/ محمد بن الصالح العثيمين رحمه الله رحمة واسعة، الذي ذهب إلى ربه ورحل عن هذه الدنيا، وكان قد استمر حتى آخر عمره في التعليم ونفع الناس والحرص على ذلك، رحل بعد مرض نرجو أن يكون له شهادة عند ربه.

خلوت به قبل موته فقلت له مواسياً: يا شيخنا إن عشت؛ فهو خير ونفع عظيم لنا إن شاء الله، وإن رحلت فليس في هذه الدنيا كبير شيء يؤسف عليه، والحمد لله أنك تركت علماً كثيراً، فقال: أقول كما قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله فيما رواه البخاري عنه قال: [إن للإيمان فرائض وشرائع وحدوداً وسنناً، فمن استكملها استكمل الإيمان، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان، فإن أعش فسأبينها لكم حتى تعملوا بها، وإن أمت فما أنا على صحبتكم بحريص].

رحل ولم يترك أرصدة في بنوك، ولا قصوراً فارهةً، ولكن ترك العلم بهذه المؤلفات والفتاوى، وهذا ميراث الأنبياء، لقد كانت الجنازة مشهودة، والقاعدة السلفية تقول: آية ما بيننا وبينهم يوم الجنائز.

وإن الناظر في العدد الكبير من الحضور، والكم الهائل من البشر الذين شهدوها، ليذكر قول الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً} [مريم:٩٦] وكذلك نذكر حديث النبي صلى الله عليه وسلم، لما قال أنس: (مروا بجنازة فأثنوا عليها خيراً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وجبت، ثم مروا بأخرى، فأثنوا عليها شراً، فقال: وجبت، فقال عمر رضي الله عنه: وما وجبت؟ قال: هذا أثنيتم عليه خيراً، فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شراً، فوجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض) وفي رواية: (شهادة القوم المؤمنون، شهداء الله في الأرض) وهكذا استنبط شيخ الإسلام رحمه الله من هذا: أن من أثنى عليه المسلمون خيراً، واجتمعت كلمتهم على الثناء عليه أنه من أهل الجنة إن شاء الله، واجتماع العدد الهائل ومئات الألوف والمنظر الغريب لأهل مكة في اختراق شوارعهم، من أعداد الناس صغاراً وكباراً، شيباً وشباناً وكهولاً، حيث تعطلت الشوارع، وخرجت الجنازة بعد العصر مباشرة، فلم يفرغ إلا قبل المغرب بمدة يسيرة.

أيها المسلمون: هذا فيه درس عظيم لنا في حسن السيرة، إذا أحسنا سيرتنا، فإن الله يقيض من ألسنة المسلمين من يثني علينا خيراً، وبالتالي يكون حكم المسلمين عند الله ثابت: (أنتم شهداء الله في الأرض) فأين حسن السيرة، وحسن الطريقة والتزام الحق المبين؟ لا شك أن الفجيعة عظيمة، ولكن ليس لنا بد من الصبر، فماذا نفعل إلا الصبر، وهل عندنا غير الصبر؟ وهل يطيب العيش إلا به؟