للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[قوة الإيمان وعمقه في نفوس المؤمنين والصبر على البلاء من أجله]

إذاً ما هو الحل الأخير؟ الحل الأخير هو قتل الغلام بالطريقة التي يقولها الغلام، ولذلك اضطر الطاغية أن يلجأ لهذا الحل، يريد أن يقتله بأي وسيلة؛ لأن بقاء هذا الغلام مصدر خطرٍ على هذا الجبار المتكبر، (فجمع الناس في صعيدٍ واحد وصلبه على جذعٍ وأخذ سهماً من كنانته ثم وضع السهم في كبد القوس -وتر القوس- ثم قال: بسم الله رب الغلام، ثم رماه فوقع السهم في صدغه) وقع السهم وقع في صدغ الغلام، والصدغ منطقة بين العين وشحمة الأذن، فهل مات الغلام؟ في الرواية تقول: (فوضع يده في صدغه فمات)، يعني سبحان الله! حتى موت هذا الغلام ما جاء إلا بعد ماذا؟ ليس مجرد إطلاق ذلك السهم وإنما (وضع الغلام يده في صدغه فمات) أي: يستبين إلى آخر لحظة أن ذلك الرجل ليس له من الأمر شيء مطلقاً.

وأنها كلها حصلت بإرادة الله عز وجل، (فوضع يده في صدغه في موضع السهم فمات الغلام)، مات الغلام فما هي النتيجة، وما هو الأثر على هؤلاء الناس المتجمعين كلهم الذين عرفوا بأن الغلام ما استطاع هذا الطاغية أن يقتله أبداً، وما قتل إلا بعدما نُفذ كلامه حرفياً ومن ضمن هذه الخطوات قول الملك وهو يرمي السهم: بسم الله رب الغلام، فماذا عرف الناس؟ عرفوا أن هناك فعلاً رباً للغلام هو الذي لما شاء أن الغلام لا يقتل فما قُتل، ولما شاء أن يقتل الغلام قتل فإذاً هناك محيي، وهناك مميت، وهو الله عز وجل فصارت القضية واضحة جداً الآن وليس فيها خفاء، وأثر موت الغلام على الحق، دفع الغلام نفسه ثمناً لأي شيء؟ لكي يؤمن الناس، ثمناً للدعوة إلى الله.

إن التضحية بالنفس أمام الناس مؤثرة جداً، لأن الناس سيقولون ما قتل هذا نفسه ولا أتى بنفسه إلى موضع الهلكة إلا وهو على الحق، ولما تبينوا بأنفسهم أن هناك رباً يُميت ويدفع الضر آمنوا (فقال الناس: آمنا برب الغلام، آمنا برب الغلام، آمنا برب الغلام ثلاث مرات).

دلالة وتأكيداً على أصالة وعمق الإيمان في نفوسهم، أعلنوها واضحةً أمام الجميع، آمنا برب الغلام، (فأُتِيَ الملك -أتاه أعوان السوء- فقيل له: أرأيت ما كنت تحذر؟ قد والله نزل بك حذرك قد آمن الناس) وفي رواية الترمذي التي سبق أن تكلمنا عليها: (قالوا له: أجزعت أن خالفك ثلاثة فهذا العالم كلهم قد خالفوك).

وهنا ما هو الحل؟ فالناس آمنوا أي: الشيء الذي كان محذوراً قد وقع، والذي كان خائفاً منه قد حصل، فما هو الحل؟ لم يبق إلا الحل البشع أو الحل الجنوني والحل الانتقامي وهو القتل الجماعي، الإبادة الجماعية: (فأمر بأخدود بأفواه السكك -الطرقات- فخدت) والأخدود: هو الشق في الأرض.

(وأضرم فيها النيران وقال: من لم يرجع عن دينه فأقحموه فيها، أو قيل له: اقتحم ففعلوا) ففعلوا حتى جعل الناس يتدافعون في الخنادق المضرمة فيها النيران، لأن الإيمان صار إيماناً قوياً جداً، ما أثَّر لهيب النار ألقوا أنفسهم بالنار لكي يحصلوا على مرضاة الله عز وجل، في سبيل الله الذي آمنوا به: (حتى جاءت امرأة ومعها صبيٌ لها فتقاعست أن تقع فيها) معها صبي وفي رواية الإمام أحمد (فجاءت امرأة بابنٍ لها ترضعه) أي: هذا الصبي رضيع صغير، والطفل الذي يرضع هل من عادته أن يتكلم بالكلام الواضح؟ لا! (حتى جاءت امرأة ومعها صبيٌ لها فتقاعست أن تقع فيها) لأن الله عز وجل خلق في المرأة عاطفة الأمومة التي ترحم بها ولدها الصغير، ولولا هذه الأمومة لما أرضعت امرأة ولداً، ولما عطفت عليه ولما ضمته إلى صدرها.

فالله خلق في هذه الأم العاطفة نحو الولد، والمرأة الآن مؤمنة ومحتسبة وصابرة، وليس عندها إشكال أن ترمي نفسها في النار، وتموت من أجل العقيدة؛ لكن جذبها شيء ومانع في نفسها، وهو هذا الغلام الصبي الصغير الذي معها، كيف تفعل به؟ أي: رحمته وأشفقت عليه أن يحترق بالنار، فتقاعست أي: ترددت أن تقع فيها من أجل الغلام لا من أجلها هي (فقال لها الغلام: يا أمه! اصبري فإنك على الحق) أنطق الله هذا الصبي الرضيع (فقال: يا أمه! اصبري فإنك على الحق فرمت نفسها).

هذا المقطع فيه فائدة كبيرة وهي أن الناس إذا اعتنقوا العقيدة الصحيحة فإن الله يثبتهم بأشياء لا تخطر ببالهم، أي: أن الناس إذا تجردوا لله وعرفوا الحق وأرادوا أن يثبتوا عليه فإن الله يثبتهم بأشياء من عنده ليست من عندهم، يمدهم الله بطاقات جديدة، هذه المرأة ما كانت تتوقع أن ينطق الغلام بهذه العبارة المثبتة (يا أمه! اصبري فإنك على الحق) من الذي أنطقه؟ إنه الله عز وجل فإذاً: جاءت وسائل التثبيت من عند الله.