للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[موقف الحسن البصري من المبتدعة]

كان الحسن رحمه الله مقاوماً للبدعة، ومعلوم أن واصل بن عطاء رأس المعتزلة كان من تلاميذ الحسن إلى أن حدثت حادثة جعلت واصل بن عطاء يخرج بفكرة الاعتزال، ويعتزل مجلس الحسن البصري، وبدأت تلك البدعة.

كان واصل بن عطاء في أول أمره يجلس إلى الحسن البصري، فلما ظهر الاختلاف وقالت الخوارج بتكفير مرتكبي الكبائر، وقال أهل السنة والجماعة بإيمانهم، أي أن معهم أصل الإيمان فهم مسلمون، ولكن مرتكبها فاسق فاجر، فلا يُحكم بكفر شخص إذا كان معه أصل الإيمان، وكان ما فعله كبيرة لا تصل إلى الكفر والشرك الأكبر؛ فلمَّا حصل هذا خرج واصل عن الفريقين، وقال بالمنزلة بين المنزلتين.

فـ أهل السنة والجماعة يقولون: حكم مرتكب الكبيرة فاسق، لكنه باقٍ على إسلامه، لأن معه أصل الإيمان.

وقالت الخوارج: مرتكب الكبيرة كافر مخلد في النار.

فلم يفرقوا بينه وبين الكافر.

والمعتزلة خرجوا بعد ذلك، وقالوا: مرتكب الكبيرة في منزلة بين المنزلتين: لا هو مؤمن ولا كافر، وهذه بدعة، ما هو هذا الشيء؟! لا يوجد شيء لا مسلم ولا كافر! لا في الجنة ولا في النار! لما قال واصل بن عطاء هذه البدعة طََرَدَه الحسن من مجلسه، فاعتزل عنه.

ثم تبعه عمرو بن عبيد، وعمرو بن عبيد كان مشهوراً بالزهد، وكان وكان حتى قال الخليفة: كلكم يطلب الصيد إلا عمرو بن عبيد.

لكن عمرو بن عبيد ذهب مع المعتزلة، فُقِدَ؛ فصار في هذه البدعة الخبيثةن وعليه تأسس مذهب المعتزلة من هذه البذور الفاسدة.

سُمُّوا هم وجماعتُهم بـ المعتزلة، وأطلق عليهم أهل السنة هذا اللقب لأنهم اعتزلوا أولاً مجلس الحسن البصري رحمه الله، وهو إمام من أئمة أهل السنة.

والحسن رحمه الله تعالى لا شك أنه من أهل السنة والجماعة، وأقواله في هذا موافقة لأقوال أهل السنة والجماعة في الأبواب المختلفة؛ في الأسماء والصفات، وأن الإيمان قول وعمل، والموقف من الصحابة وغير ذلك؛ لكن لعل الحسن رحمه الله صدرت منه كلمة في وقت من الأوقات حُسِبَت على مذهب القَدَرِية؛ لكنه بعد ذلك بيَّن الأمر وتراجع عن ذلك، ولا يمكن أن يقال أبداً: إنه من القَدَرِية، ويمكن إذا وجد أثناء القراءة في الموضوع كلاماً يعرف الإنسان خلفية الموضوع؛ فلعل عبارة صدرت من الحسن رحمه الله فُهِمَ منها أن الشر ليس بقَدَر وأن الخير هو الذي بقَدَر فقط.

إن أهل السنة والجماعة يقولون: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الرعد:١٦] وخالق الخير وخالق الشر، والخير والشر كله من خلق الله تعالى وتقديره، وإذا قلت: الله خالق للخير وليس خالقاً للشر، فقد جعلت للشر خالقاً آخر، فيكون الكلام مؤدياً إلى مصيبة عظمى، ولو زعم قائله أنه يريد تنزيه الله عن الشر وأنه لم يخلق الشر لينزهه عن الشر أو عن الرضا بالشر فهذا هراء؛ لأنه جعل للشر خالقاً غير الله، وصارت القضية في تعدد الخالق في مسألة عظيمة، فالله خالق الخير وخالق الشر، لكن إذا قلنا: إن الله خلق الشر فإنه راضٍ به سبحانه وتعالى؟ أبداً، خلقه وخلق الشيطان فتنة، ابتلاء يبتلي به العباد.

فليس في المسألة إشكال؛ بل هي واضحة.

لكن حصل أن نُقِلت عبارة عن الحسن رحمه الله في هذه المسألة، وحصل نقاش بينه وبين بعض السلف ورجع عن ذلك.

وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء: عن حماد بن زيد، عن أيوب، قال: كذب على الحسن سربان من الناس: قومٌ من القَدَرِية؛ لِيُنَفِّقُوه في الناس بـ الحسن هم مبتدعة لو قالوا للناس: مذهبنا كذا وكذا فلا أحد سيقبل منهم؛ لأنهم مبتدعة؛ فكذبوا على الحسن؛ لأن الحسن ثقة عند الناس، فإذا قيل للناس: إن الحسن يقول: كذا، فإن الناس يأخذون بقوله، فكذبوا على الحسن بأنه قال أشياء؛ لكي يُنَفِّقُوا بدعتهم بين الناس ويروجوها.

وقومٌ في صدورهم شنَآن وبغض للحسن؛ فالذي افترى عليه طائفتان: طائفة تريد ترويج البدعة، وطائفة تبغض الحسن وتكرهه، وأنا نازلته غير مرة في القدر حتى خوَّفته بالسلطان، فقال: لا أعود فيه بعد اليوم، فلا أعلم أحداً يستطيع أن يعيب الحسن إلا به، وقد أدركتُ الحسن والله وما يقول -ما يقول بذلك القول- فهو قال: لا أعود بعد النقاش، ولا يمكن أن يعاب الحسن بشيء من ذلك ألبتة، وقد رجع عنه.

وذكر الذهبي رحمه الله كلاماً أيضاً في الموضوع، قال: الحسن بن يسار مولى الأنصار وسيد التابعين في زمانه بـ البصرة، كان ثقة في نفسه، حجة، رأساً في العلم والعمل، عظيم القدر، وقد بدت منه هفوة في القَدَر لم يقصدها لذاتها، فتكلموا فيه، فما التُفِت إلى كلامهم، لأنه لَمَّا حوقق عليها تبرأ منها.

ويكفي فخراً أن الإنسان إذا تبين له خطأ كلامه أن يرجع.

وقال الذهبي رحمه الله تعالى أيضاً كلاماً في مسألة تدليس الحسن رحمه الله، وذكرنا هذا.

وكذلك فإن ابن حجر رحمه الله في تهذيب التهذيب أيضاً قد أشار إلى المسألة، وأمْر الحسن رحمه الله في هذا، وأن ما نُسب إليه من القدر هو أمر قد تراجع عنه، وبعض الناس زادوا عليه أشياء، فيقول في تهذيب التهذيب: كان من أفصح أهل البصرة وأجملهم وأعبدهم وأفقههم.

وروى معمر عن قتادة عن الحسن تلك الكلمة المتعلقة، قال أيوب: فناظرته في هذه الكلمة، فقال: لا أعود.

وقال ابن عون: سمعت الحسن يقول: [من كذَّب بالقدر فقد كفر]، والحسن كغيره من التابعين يؤمن بالقدر خيره وشره، ولئن نُقِل عنه خلاف ذلك فقد برأه العلماء من هذه التهمة سيما وقد نقل عن بعضهم أنه رجع عن ذلك.

فالحمد لله صفحته بيضاء، ولو كان قال شيئاً من هذا أخطأ فيه فقد رجع.