للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[ثبات أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح أمام فتنة خلق القرآن]

ثم كتب المأمون كتاباً آخراً من جنس الأول إلى نائبه، وأمر بإحضار من امتنع، فأُحْضِر جماعة أولهم أحمد بن حنبل، وبشر بن الوليد الكندي وغيرهما، وعرض عليهما كتاب المأمون، فلم يجيبا، فوجه بجوابات من المأمون، فكانوا في البداية لا يجيبون، بل يسكتون.

فورد كتاب المأمون بامتحانهم واحداً واحداً، فامتحنهم واحداً واحداً، فأجابوا كلهم إلا أحمد بن حنبل، ومحمد بن نوح وكان شاباً، فوجههما إلى طََرْسُوْس -أو طََرَسُوْس، كلاهما صحيح، وجهان لاسم هذه المدينة- فلما صاروا إلى الرقة، بلغتهم وفاة المأمون، فحملا في سفينة، فلما وصلا إلى عانات -وهي مدينة في وسط الفرات - توفي محمد بن نوح -طبعاً بوفاة المأمون لم تنته القضية؛ لأن المأمون أوصى المعتصم بأن يحمل الراية من بعده- وكان الإمام أحمد يدعو الله تعالى ألَّا يريه وجه المأمون، فاستجاب دعاءه، فتوفي المأمون قبل أن يصل إليه الإمام أحمد، ولما توفي المأمون، رُدَّ أحمد من الطريق- وتوفي محمد بن نوح، فأُطْلِق قيده -لأنه مات في القيد- وصلى عليه الإمام أحمد رحمه الله.

ومما يروى عن الإمام أحمد قوله: ما رأيت أحداً على حداثة سنه وقلة علمه أقوم بأمر الله من محمد بن نوح، وإني لأرجو أن يكون الله قد ختم له بخير.

فالذين صبروا على المحنة أربعة أشخاص، كلهم من مرو كما قال أبو العباس بن سعيد المروزي وهم: ١ - أحمد بن حنبل.

٢ - أحمد بن نصر الخزاعي.

٣ - محمد بن نوح.

٤ - نعيم بن حماد.

وذكر ممن لم يجب أيضاً أبا نعيم الفضل بن دكين، وعفان بن مسلم، وأبا يعقوب يوسف بن يحيى البويطي -تلميذ الشافعي وصاحبه- وإسماعيل بن أبي أويس، وأبا مصعب المدني، ويحيى الحِمَّاني.

ونقل عن البويطي قولته المشهورة: "فوالله لأموتن في حديدي هذا حتى يأتي من بعدي قومٌ يعلمون أنه قد مات في هذا الشأن قوم في حديدهم، ولئن أدخلت عليه لأصْدُقَنَّهم عليه" أي: على الخليفة الواثق.

ويؤخذ أبو مسهر عبد الأعلى بن مسهر الدمشقي، شيخ أهل الشام ومحدثهم، مكبلاً بالحديد فيمتحن ويصر على الرفض بخلق القرآن، ويهدَّد بالقتل، ثم يستجيب تحت التهديد بالسيف، ومع ذلك يعاد بأغلاله إلى بغداد، ويموت في سجنها.

ومات المأمون، وأوصى إلى المعتصم من بعده بامتحان الناس بخلق القرآن، فقام بتعذيب العلماء والمحدثين الذين لم يقولوا بخلق القرآن، ومكث أحمد في السجن منذ أُخِذ وحُمِل وضُرِب إلى أن خُلِّي عنه (٢٨) شهراً.

ويقال: إن المعتصم رقَّ في أمر الإمام أحمد لما رأى ثباته وتصميمه وصلابته؛ ولكن ابن أبي دؤاد قال له: إن تركته، قيل: إنك تركت مذهب المأمون وسخطت قوله، فهاجه ذلك على ضربه أي: على ضرب الإمام أحمد رحمه الله.

وبعد المعتصم خلفه الواثق وورث الدعوة إلى هذه البدعة، وامتحن الناس، لكنه لم يتعرض لـ أحمد، إما لأنه خاف من أن يتألب عليه العامة، أو لما علم من صبره، وأنه لا فائدة من تعذيبه، ولكن قال لـ أحمد: لا تشاكلني بأرض -أي: لا أريد أن أرى وجهك في مملكتي، فاختفى أحمد رحمه الله تعالى بقية حياة الواثق، وبعد أن مات الواثق ظهر أحمد إلى العلن مرةً أخرى.

وفي عهد الواثق توسعت دائرة الفتنة، وشملت كافة الأمصار، وكان الفقهاء يُساقون إلى بغداد ليمتحنوا في هذه المسألة ويُفَتَّش عنهم وعن نواياهم وعن قلوبهم، ولم يبق فقيه ولا محدث ولا مؤذن ولا معلِّم حتى أُخِذ بالمحنة، فهرب كثير من الناس، وملئت السجون ممن أنكر المحنة، ومُنِع الفقهاء من الجلوس في المساجد، واستمر الحال في أيام الواثق.