للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

تاسعاً: إظهار الضرر من الخطأ

الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وأشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الأمين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، وعلى من تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

إخواني: إن مما ينبغي علينا أن نبين للناس مضرة الخطأ إذا نصحناهم، والنبي صلى الله عليه وسلم لما رأى تفرق بعض أصحابه لما نزلوا منزلاً، قال: (إن تفرقكم في هذه الشعاب والأودية إنما ذلكم من الشيطان) فلم ينزلوا بعد ذلك منزلاً إلا انضم بعضهم إلى بعض، حتى يقال: لو بسط عليهم ثوبٌ لعمهم، وذلك حتى لا ينزل بهم خوف من المشركين، أو يستدرج العدو بعضهم، ولا يكون في هذا التفرق إغراءٌ للعدو بهم، وانظروا إلى النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى الصف في الصلاة غير مستوٍ، قال عليه الصلاة والسلام: (لتسوون صفوفكم، أو ليخالفن الله بين وجوهكم، فتقع بينكم العداوة والبغضاء) فينبغي إذاً أن نحرص على تسوية الصفوف، وأن نتراص كما تتراص الملائكة عند ربها، وأن يكون المنكب بالمنكب ليس هناك فرجات، دون إغلاظٍ على جارك في الصف من اليمين والشمال، فهذه المسألة مما وقع فيها الإفراط والتفريط، فبعض الناس يلتصق بصاحبه التصاقاً مؤذياً له، ويحشر نفسه في فرجةٍ ضيقةٍ في الصف، مؤذياً عباد الله، وهذا لا يجوز له أن يدخل فيها إذا كان ذلك يؤذي المصلين، ولا تتهيأ الفرصة، ولا يتحمل الوضع أن يدخل في هذه الفرجة، وبعض الناس يترك الفراغات، ولا يحب أحداً أن يلتصق به أبداً، ولا بد أن يبين للناس أن هذا لا يرضاه الله، والنبي عليه الصلاة والسلام قال: (إني لأرى الشياطين تدخل من خلل الصف) الفراغات التي في الصف.

وقد يبتلى الإنسان برجلٍ في المسجد بلغ من الكبر عتياً، سيء الخلق جداً، فيأتي بحركات غريبة، قد يدفع هذا، أو يتكلم عليه بعد الصلاة بألفاظ نابية مع أن هذا مصلح يريد سد الفرجة، فيعامل بالحسنى، كبير السن الذي تغير خلقه لا بد أن نتحمله.

قيل لأحدهم: يا فلان! لماذا تنفر؟ لماذا تريد أن يكون بينك وبين الذي بجانبك شبرٌ؟ إن الشياطين تدخل من خلل الصف، قال: الشياطين أرحم منكم، ثم قال: الشيطان مات في فتح مكة، فإذا وجد هناك مثل هذا المسكين الذي يعتقد أن الشيطان مات في فتح مكة، وأن الشياطين أرحم من المؤمنين، فلا بد أن يكون هناك شيء من الرحمة واللين بمثل هذا الرجل، يعلم على قدر الاستطاعة، وإذا فقدنا الأمل في تعليمه، راعينا المفاسد حتى لا تتطور الأمور إلى الأسوأ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم أحياناً يظهر على وجهه الغضب إذا رأى خطأً، كما خرج على أصحابه وهم يختصمون في القدر، فكأنما تفقأ في وجهه حب الرمان من الغضب؛ لأن القدر لا يجوز المماراة فيه.

وكذلك لما رأى في يد عمر بن الخطاب صحفاً من صحف أهل الكتاب، غضب عليه الصلاة والسلام، وقال: (أمتهوكون فيها يـ ابن الخطاب، والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به، أو بباطل، فتصدقوا به، والذي نفسي بيده لو أن موسى كان حياً ما وسعه إلا أن يتبعني) حديثٌ صحيحٌ بطرقه، وله طرق كثيرة.

أيها الإخوة: إن تصحيح الأخطاء مسئولية عظيمة، ووراثة نبوية، وإن في هذه المناسبات المختلفة التي قيلت فيها وفعلت أساليب مختلفة من النبي عليه الصلاة والسلام تدلنا على أنه لا بد أن ننتقي الوسيلة المناسبة في كل مناسبة لإصلاح الخطأ فيها، ومن قاس النظير بالنظير والشبيه بالشبيه ممن عنده فقهٌ ووفقه الله اقتبس من أساليب النبي صلى الله عليه وسلم ما يعينه في دعوته إلى الله.

نسأل الله تعالى أن يرحمنا برحمته، وأن يتوب علينا أجمعين، اللهم اعف عنا يا عفو، واغفر لنا يا غفور، وتب علينا يا تواب، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، اللهم آمنا في الأوطان والدور، وأرشد الأئمة وولاة الأمور، واغفر لنا يا عزيز يا غفور.