للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[عمومية رسالته صلى الله عليه وسلم]

ومن خصائصه عليه الصلاة والسلام: أن رسالته عامة لجميع البشر، فقد كان الأنبياء والرسل يبعثون إلى أقوامهم خاصة، كل نبي إلى قومه خاصة، كما قال الله تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ} [نوح:١] {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً} [الأعراف:٦٥] {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً} [الأعراف:٧٣] {وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ} [الأعراف:٨٠] {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً} [الأعراف:٨٥] وأما النبي عليه الصلاة والسلام فقد قال الله تعالى في شأنه: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً} [سبأ:٢٨] {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً} [الأعراف:١٥٨] فإذاً: لو قال يهودي أو نصراني في هذا الزمان ليس محمد بنبينا، نبينا موسى، نقول: نبيك محمد رغماً عنك، نبيك محمد صلى الله عليه وسلم الذي يجب عليك أن تؤمن به: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً} [الفرقان:١] {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء:١٠٧] قال العز بن عبد السلام رحمه الله: ومن خصائصه صلى الله عليه وسلم: أن الله تعالى أرسل كل نبي إلى قومه خاصة وأرسل نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم إلى الجن والإنس، ولكل نبي من الأنبياء ثواب تبليغه إلى أمته، ولنبينا صلى الله عليه وسلم ثواب التبليغ إلى كل من أرسل إليه، فإذاً النبي عليه الصلاة والسلام له أجر كل الإنس الذين اتبعوه، وله أجر كل الجن الذين اتبعوه إلى قيام الساعة، ولذلك فهو أكثر الأنبياء أجراً، ولا يوجد لواحد من الأنبياء أتباع مثل أتباع نبينا عليه الصلاة والسلام، فهو أكثر الأنبياء أتباعاً على الإطلاق.

والدليل على أن اليهود والنصارى في زماننا هذا مخاطبون بالإيمان بالنبي عليه الصلاة والسلام واتباعه، وأن من لم يؤمن بنبينا من اليهود والنصارى وغيرهم من الهندوس والسيخ والمجوس وسائر الكفرة أنه في النار، قوله عليه الصلاة والسلام: (والذي نفس محمد بيده! لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني) والمقصود بالأمة أمة الدعوة، واليهود والنصارى داخلون في أمة الدعوة لا أمة الإجابة الذين استجابوا له عليه الصلاة والسلام، فقوله: (والذي نفس محمد بيده! لا يسمع بي أحد من هذه الأمة -وهي أمة الدعوة يعني: الذين أرسل إليهم، كل العالم- يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار) رواه مسلم رحمه الله في صحيحه، وقال صلى الله عليه وسلم: (أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي، ومنها وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة)، وفي رواية: (كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى كل أحمر وأسود) رواهما مسلم رحمه الله، حتى الجن: {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِنْ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ} [الأحقاف:٢٩] ينذرونهم عذاب الله، ويخوفونهم ما سمعوا.

فإذاً: الرسل من الإنس والجن منهم دعاة إلى قومهم، والرسل من الإنس، والجني يمكن أن يسمع الإنسي، وأن يسمع كلام النبي عليه الصلاة والسلام، بخلاف الإنسي فإنه ربما لا يتمكن من سماع الجني لو كان الرسول من الجن؛ ولذلك كان الرسل من الإنس، والجن منهم دعاة ومنذرون، فهؤلاء الجن الذين سمعوا القرآن يتلى منه عليه الصلاة والسلام، ولوا إلى قومهم منذرين، وهذه آية في كتاب الله تتعلق بالموضوع، فيها بشارة وبيان ميزة للنبي عليه الصلاة والسلام، قال الله تعالى: {وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً} [الفرقان:٥١] فهذه منة من الله على النبي عليه الصلاة والسلام، يقول له: لو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيراً لكن مننا عليك وبعثناك لكل القرى نذيراً وبشيراً فصار تابعوك من كل القرى، المؤمنون لك مثل أجرهم، وأنت رسول إليهم جميعاً، فلم نبعث بعدك ولا معك رسلاً إلى الأقوام الآخرين وإلى غير العرب، بل بعثناك للجميع: {وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً} [الفرقان:٥١] فهذا وجه التمنن، أنه لو بعث في كل قرية نذيراً لما حصل لرسوله صلى الله عليه وسلم إلا أجر إنذاره لأهل قريته، مكة، أو للعرب لكنه بعثه للجميع.

وكذلك قال ابن عباس رضي الله عنه: [إن الله فضل محمداً صلى الله عليه وسلم على الأنبياء وعلى أهل السماء، فقالوا: يا بن عباس بم فضله على أهل السماء؟ قال: إن الله قال لأهل السماء: {وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ} [الأنبياء:٢٩]، وقال الله لمحمد صلى الله عليه وسلم: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} [الفتح:١ - ٢] قالوا: يا بن عباس فما فضله على الأنبياء؟ قال: قال الله عز وجل: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} [إبراهيم:٤] وقال الله عز وجل لمحمد صلى الله عليه وسلم: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ} [سبأ:٢٨]-فأرسله إلى الجن والإنس-].