للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

١٢٥٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ (أَقِيلُوا ذَوِي الْهَيْئَاتِ عَثَرَاتِهِمْ إِلَّا الْحُدُود) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِي.

===

(أَقِيلُوا) من الإقالة، والمراد: التجاوز وعدم المؤاخذة.

(ذَوِي الْهَيْئَاتِ) أصحاب المروءات والخصال الحميدة.

(عَثَرَاتِهِمْ) أي: زلاتهم.

(إِلَّا الْحُدُود) إلا ما يوجب حداً.

• ماذا نستفيد من الحديث؟

نستفيد: استحباب ترك مؤاخذة ذي الهيئة إذا وقع في زلة، أو هفوة لم تعهد منه، إلا ما كان حداً من حدود الله.

قال ابن القيم: قال ابن عقيل، المراد بهم الذين دامت طاعاتهم وعدالتهم فزلت في بعض الأحايين أقدامهم بورطة.

قلت: ليس ما ذكره بالبين فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يعبر عن أهل التقوى والطاعة والعبادة بأنهم ذوو الهيئات ولا عهد بهذه العبارة في كلام الله ورسوله للمطيعين المتقين، والظاهر أنهم ذوو الأقدار بين الناس من الجاه والشرف والسؤدد، فإن الله تعالى خصهم بنوع التكريم وتفضيل على بني جنسهم، فمن كان منهم مستوراً مشهوراً بالخير حتى كبا به جواده، ونبا عصب صبره، وأديل عليه شيطانه فلا تسارع إلى تأنيبه وعقوبته بل تقال عثرته ما لم يكن حداً من حدود الله، فإنه يتعين استيفاؤه من الشريف كما يتعين أخذه من الوضيع فإن النبي قال: لو أن فاطمه بنت محمد سرقت لقطعت يدها، وقال: إنما هلك بنوا إسرائيل أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وهذا باب عظيم من أبواب محاسن هذه الشريعة الكاملة وسياستها للعالم وانتظامها لمصالح العباد في المعاش والمعاد. (بدائع الفوائد).

• هل يستحب الستر على المسلم؟

نعم، فيستحب الستر على المسلم غير المعلن للفجور والفسق.

• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟

جواز الشفاعة فيما يقتضي التعزير، وقد نقل ابن عبد البر وغيره فيه الاتفاق، ويدخل فيه سائر الأحاديث الواردة في ندب الستر على المسلم، وهي محمولة على ما لم يبلغ الإمام.

- أن الإسلام يحفظ لأهل الفضل كرامتهم، ويقيل عثرتهم، وتشفع لهم سابقتهم في الخير والإسلام، وقد وقع مثل هذا لبعض من السابقين في الإسلام وقعت منهم هفوات فاعتبروا من أهل الفضل وأقيلت عثراتهم لهذا السبب كما وقع مع سيدنا حاطب بن أبي بلتعة -رضي الله عنه- وغيره، والله أعلم.

- ظاهر الحديث قد يفهم منه البعض أنه مُعارِضٌ لمبدأ العدل والمساواة الذي أقره الإسلام بين الناس، وليس الأمر كذلك؛ وذلك أن من كثرت عثراته، وتكررت زلاته لا يستوي ومَن قلَّت عثراته، وندرت زلاته، وغاية ما يرمي إليه الحديث هو رفع المؤاخذة بالخطأ والذنب إذا صدر عمَّن لم يكن من عادته ذلك، وعُرِفَ بالاستقامة والصلاح، إلا ما كان حداً من حدود الله تعالى وبلغ الحاكم فيجب إقامته.

قال الذهبي: إن الكبير من أئمة العلم إذا كثر صوابه، وعُلِم تحريه للحق، واتسع علمه، وظهر ذكاؤه، وعرف صلاحه وورعه واتباعه، يُغفر له زلته، ولا نضلله ونطرحه، وننسى محاسنه، نعم، ولا نقتدي به في بدعته وخطئه، ونرجو له التوبة من ذلك.

<<  <  ج: ص:  >  >>