للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

وكان العبد الصالح إبراهيم بن أدهم نائماً ذات مرة في بستان، فجاءته حية في فمها نرجس، فما زالت تذب عنه الحيات التي تريد به سوءاً وتدافع عنه، حتى استيقظ من نومه.

قال مسروق بن الأجدع: من راقب الله في خطرات قلبه، عصمه الله في حركات جوارحه.

وقال سعيد بن المسيب لابنه: لأزيدن في صلاتي من أجلك رجاء أن أحفظ فيك، ثم تلا هذه الآية: وكان أبوهما صالحاً.

ومن أعظم الحفظ حفظه تعالى لعبده في دينه، فيحفظ عليه دينه وإيمانه في حياته من الشبهات المردية والشهوات المحرمة، ويحفظ عليه دينه عند موته، فيتوفاه على الإسلام.

ثبت في الصحيحين من حديث البراء أن النبي -صلى الله عليه وسلم- علمه أن يقول عند منامه (اللهم إن قبضت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين).

وفي حديث عمر عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه علمه أن يقول (اللهم احفظني بالإسلام قائماً، واحفظني بالإسلام قاعداً، واحفظني بالإسلام راقداً) رواه ابن حبان.

وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا ودّع من يريد السفر يقول له: أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك.

وكان عمر يقول في خطبته: اللهم اعصمنا بحفظك، وثبتنا على أمرك.

وهذا كما حفظ يوسف عليه السلام قال (كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ).

فمن أخلص لله خلصه الله من السوء والفحشاء منها من حيث لا يشعر، وحال بينه وبين أسباب المعاصي المهلكة.

وسمع عمر رجلاً يقول: اللهم إنك تحول بين المرء وقلبه، فحُل بيني وبين معاصيك، فأعجب ذلك عمر ودعا له بخير.

راود رجل امرأة عن نفسها وأمرها بغلق الأبواب ففعلت، وقالت له: قد بقي باب واحد، قال: وأي باب هو؟ قالت: الباب الذي بيننا وبين الله، فلم يتعرض لها.

وراود رجل أعرابية، قال لها: ما يرانا إلا الكوكب، قالت: فأين مكوكبها؟

وهذا كله من ألطاف الله وحيلولته بين العبد ومعصيته.

ومن أنواع حفظ الله لعبده في دينه: أن العبد قد يسعى في سبب من أسباب الدنيا، إما بالولايات أو التجارات أو غير ذلك، فيحول الله بينه وبين ما أراده لما يعلم له من الخيرة في ذلك وهو لا يشعر مع كراهته لذلك.

وأعجب من هذا أن العبد قد يطلب باباً من أبواب الطاعات، ولا يكون فيه خيرة، فيحول الله بينه وبينه صيانة له وهو لا يشعر.

وكان بعض السلف يدور على المجالس ويقول: من أحب أن تدوم له العافية فليتق الله.

وقال بعض السلف: من حفظ الله فقد حفظ نفسه.

ماذا نستفيد من هذه الجملة؟

نستفيد: أن من لم يحفظ الله لم يحفظه الله.

قال تعالى (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ).

وقال تعالى (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ).

<<  <  ج: ص:  >  >>