للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وجده لم يلتفت إلى غيره، وإن وجد نصا يخالفه اعتقد أنه منسوخ بنص لم يبلغه، وهو رد على الطائفة الأخرى التي تقول بأن الإجماع نفسه ينسخ النص، وهذا كله مخالف لمنهج السلف الصالح (١).

وهذا مراد منه الإجماع الظني، أما الإجماع القطعي فهو مقدم على غيره من الأدلة؛ لأن غاية ما في الأمر هو تقديم النصوص القطعية الثبوت والدلالة على النصوص الظنية الثبوت أو الدلالة، لا أنه تقديم للإجماع على النص (٢).

٢) والإجماع دليل تبعي وليس استقلاليا، فهو تابع للكتاب والسنة؛ لأن مرده إليهما، فلا بد له من مستند يرجع إليه، سواء عُلم هذا المستند أم لا فإذا ثبت دل على رفع الاحتمال، والتأويل، والتخصيص، والنسخ في النصوص الشرعية، وكان هذا سبيلا من سبل رفع الجهد عن المجتهد في النظر والاستنباط (٣).

٣) والمنكر للإجماع، أو المخالف له بعد علمة به، وقيام الحجة عليه، يعد متبعا لسبيل غير المؤمنين، وفي هذا يقول ابن حزم: [ومن خالفه -أي: الإجماع - بعد علمه به، أو قيام الحجة عليه بذلك، فقد استحق الوعيد المذكور في الآية] (٤). يقصد ما جاء في قوله تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى} (٥).

ومن جحد المجمع عليه المعلوم من الدين بالضرورة، وهو: ما يعرفه الخواص والعوام من غير تشكيك: كوجوب الصلاة والصوم، وحرمة الزنا والخمر، فهذا كافر قطعا؛ لأن جحده يستلزم تكذيب النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-.

ومن جحد المجمع عليه الخفي الذي لا يعرفه إلا الخواص، حتى وإن كان منصوصا عليه: كفساد الحج بالجماع قبل الوقوف، واستحقاق بنت الابن السدس


(١) وقد ذكر هاتين الطائفتين ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (١٩/ ٢٠٠ - ٢٠١)، وينظر: "أصول الفقه وابن تيمية" (١/ ٣٣٨)، "إعلام الموقعين" (٢/ ١٧٤).
(٢) ينظر: "أصول الفقه وابن تيمية" (١/ ٢٣٨ - ٢٣٩)، "نظرة في الإجماع الأصولي" (ص ٧٧). وقد ذكر الأخير أن هذا أمر لا خلاف فيه بين العلماء.
(٣) ينظر: "الواضح في أصول الفقه" (٢/ ٢٨).
(٤) "النبذ في أصول الفقه" (ص ٣٨). وينظر: "مراتب الإجماع" (ص ٧).
(٥) النساء: الآية (١١٥).

<<  <  ج: ص:  >  >>