للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

قراءة في مجلة المنار

عبد القادر حامد

كنت أتصفح بعض مجلدات (مجلة المنار) التي أنشأها الشيخ محمد رشيد

رضا، فخطرت خاطرة على ذهني، وهي: أن تُستَعرض هذه المجلة من أول عدد

صدر فيها إلى يوم توقفت، ليكون ذلك استرجاعاً لجانب من تاريخ هذه الفترة،

وهو جانب الدعوة الإسلامية، وموقف الناس والدول والقوى الفاعلة حينذاك من

ذلك.

والدعوة الإسلامية جهد بشري، يعتريه ما يعتري الجهود البشرية الأخرى من

آثار ومؤثرات، فينجح حيناً، ويخفق حيناً، وتختلط فيه الإرادة والعاطفة، فتؤثر

فيه قوة الإرادة وضعفها، وحرارة العاطفة والشعور وبرودتهما، ويتلون بما للسجايا

من محاسن ومساوئ، وما للأخلاق من شمائل وغوائل، ولهذا فعندما نستعرضها

من خلال مرآة (المنار) لا يعني أننا نتعصب لما عرض أو لطريقة عرضه؛

ونقول: هذا هو الطريق، وليس ثمة غيره، وهو ما ينبغي أن نستجمع جهودنا

ونوجهه من أجله، وإنما هي خطرة خطرت، أردنا من ورائها عرض القضايا التي

اهتمت لها (المنار) ، واعتبارها بالمشكلات التي نواجهها اليوم: هل هي

المشكلات نفسها؛ أم تغير منها شيء؟ ما الذي تغير، وما الذي لا زال حيث هو؟

ما الحلول التي اقترحت؟ وما مدى نجاحها؟ وهل اختلاف العصر يقتضينا البحث

عن حلول أخرى.... الخ.

لقد بدأ إصدار مجلة (المنار) في العَشر الأخير من شهر شوال عام ١٣١٥

هـ (١٨٩٨ م) أي قبل حوالي سبعة وتسعين عاماً من اليوم. وهي فترة عصيبة

من تاريخ الشعوب الإسلامية، إذ كان أكثرها واقعاً تحت السيطرة الغربية المباشرة، والباقي كان آيلاً إلى أن يسقط تحت تلك السيطرة، وهو الأجزاء التي كانت لا

زالت تحت الإدارة العثمانية، التي كانت في حكم المنهارة، ولم تُجْدِ جهود السلطان

عبد الحميد إلا في تأجيل الإعلان عن وقت الانهيار.

وحال المسلمين العامة كانت في درجة من الضعف لا تحسد عليها، يقابلون ما

يجري حولهم وعليهم بأعين مفتوحة، وأيد مغلولة، وعقول مشلولة. يدبر أمرهم

أجنبي شرس طامع، أو وكيل له مدخول العقيدة دنيء النفس. وكان عبد الحميد

يبدو وكأنه يريد إيقاف العجلة التي بدأ دورانها في زمن جده (محمود الثاني) الذي

بدأ الإصلاحات على النمط الأوربي، واستقدم المستشارين الأجانب من أجل ذلك.

واشتد دورانها في عهد أبيه (عبد المجيد) بصدور: (التنظيمات) فانفتح على

الدولة العثمانية بسبب ذلك وبسبب الضغوط الخارجية من الأوربيين أبواب لم يعد

بإمكان عبد الحميد ولا غيره سدها أو التحكم فيما يدخل منها.

ونتيجة لطغيان الحضارة الأوربية الكاسح، فقد قوي نفوذ الأقليات التي

استخدمتها أداة لبسط نفوذها، للتَّدخُل باسم حمايتها وإنصافها. وهكذا انقلبت

الموازين، وبدأ عهد صعود هذه الأقليات - بتعليمها وتسليحها بأسباب القوة - على

حساب الأكثرية المهملة التي وجدت نفسها بعد عهود طويلة من الجهل والتجهيل في

عالم غير عالمها.

أصبح الطريق ممهداً للإجهاز على كيان المسلمين السياسي، ففساد داخلي

يرافقه ضغط خارجي وأقاليم تسقط؛ واحداً بعد الآخر تحت وطأة الغربيين، وحكام

فسقة فجرة سفهاء من طراز الخديوي (إسماعيل) يمهدون الطريق لسيطرة الأجانب

المطلقة على البلاد والعباد.

هذا هو الجو الذي بدأ فيه صدور (المنار) .

أهداف المجلة:

يلخص محمد رشيد رضا أهداف مجلته بقوله:

( ... أما بعد: فقد أنشأنا هذا (المنار) في العشر الأخير من شهر شوال سنة

١٣١٥، وبينا غرضنا منه في الصحيفة الأولى من صحفه وهو مسائل كثيرة

يجمعها: الإصلاح الديني والاجتماعي لأمتنا الإسلامية، هي ومن يعيش معها،

وتتصل مصالحه بمصالحها، وبيان اتفاق الإسلام مع العلم والعقل، وموافقته

لمصالح البشر في كل قطر وعصر، وإبطال ما يُورَد من الشبهات عليه، وتفنيد ما

يعزى من الخرافات إليه.)

هكذا يحدد أهدافه، ومن ذلك يتبين أن المشكلة - كما يراها رشيد رضا -

هي فهم الناس للدين؛ وأحوالهم الاجتماعية. وقد انصبت جهوده - فيما بعد - في

هذين المجالين:

١ - تصحيح نظرة المسلمين في عصره إلى الإسلام: سواء الملتزمون أو

غيرهم. أما الصنف الأول: فقد كانت تعكر على عواطفه وإخلاصه كثير من

الأعمال التي كان يُظَنُّ أنها من الورع والدين وهي ليست كذلك، وإنما هي عادات

وأعراف وتأثيرات تراكمت عبر القرون بسبب الجهل وتهاون أهل العلم، ولها

أسبابها الكثيرة كالتأثر بالعادات والأعراف غير الإسلامية، وشيوع التصوف

الأعجمي، وجهل الحكام أو إهمالهم بث العلم الصحيح وتشجيع العلماء الاحرار

الذين يصنعون ثقافة الأمة ويكونون لسانها الناطق وضميرها الحي.

وأما الصنف الثاني: فهو الصنف الذي تأثر بالدعاية الأوربية والتبشيرية -

نتيجة نيله قسطاً من التعليم، واحتكاكه بمدارس البعثات التبشيرية التي غزت بلاد

الشام ومصر، أو كان من الذين ابتعثوا إلى أوربا لإكمال تعليمهم في عصر محمد

علي ومن بعده، فقد كان لهؤلاء أثر في انحلال الثقة في دين الأمة (وهو الإسلام)

إذ كان الكثير منهم معجباً بلا حدود بالثقافة الغربية، لا يعصمه من المبالغة في ذلك

عقيدة في القلب متينة، ولا علم شرعي صحيح، وهكذا رجعوا إلى بلادهم وفيهم

جرأة تغذيها السطحية، واحتقار للذات يغطونه بكبرياء زرعتها في نفوسهم

امتيازاتهم وما نالوه من معرفة ظنوا أنها إكسير الحياة لأمتهم.

٢ - محاولة إخراج المسلمين من العجز الاجتماعي الذي حل بهم،

وتبصيرهم بعيوبهم وأمراضهم التي تفتك بهم وتمنعهم من النهوض، وذلك بحضه

على التربية والتعليم.

مقدار المطبوع:

بدأ رشيد رضا بطبع [١٥٠٠] نسخة من كل عدد، ووزعها على من يعرف

في مصر وبلاد الشام، والقليل في غيرهما من البلاد الأخرى، ثم عاد إليه أكثر ما

أرسل إلى المصريين - ولا يذكر السبب لذلك - وبعد ذلك بقليل منعت رقابة الدولة

العثمانية ما كان يرسل إلى السوريين وسائر العثمانيين، فاقتصر على طباعة

[١٠٠٠] نسخة، ويقول: (مرت السنة وسنتان بعدها وما كاد المشتركون يزيدون

على ثلث الألف إلا قليلاً) !

ومع شعوره بقلة عدد المطبوع إلا أن ذلك لم يدعه إلى اليأس ونفض اليد من

هذا الجهد الذي لا يكاد ُيحسُّ، بل استمر في آماله العريضة ويقينه أن الناس سوف

تلتفت إلى (المنار) وتقدره حق قدره طال الزمن أو قصر، وهاهو ذا يقول:

(ما كان انتقاص عملي منتقصاً من أملي، ولا زهد الأمة في (المنار) باعثاً

على جعله طعاماً للنار، ولا لفائف لبضائع التجار - كما هي سنة أصحاب الصحف

في هذه الديار - بل كنت أحرص عليه، حاسباً أن الناس سيعودون إليه) .

قد يبدو الرقم [١٠٠٠] لأعداد مجة توزع بين الناطقين بالعربية رقما صغيراً،

وهو كذلك، رقم صغير، فماذا عساه يفعل فيما بين مشرق بلاد العرب ومغربها،

وحق لأكثر الناس تفاؤلاً أن يصاب بخيبة الأمل إذا ووجِه بهذا الرقم. لكن إذا علمنا

حال العرب في ذلك العصر؛ ومبلغ الأمية الفاشية بينهم أدركنا أنه رقم لا بأس به.

وسيزداد تقديرنا لهذا الرقم إذا قارناه بأرقام المطبوع من أعداد المجلات الجادة في

عصرنا هذا. إن ما يماثل مجلة (المنار) من المجلات اليوم إذا وزع بين ١٥ إلى

٢٠ ألف نسخة اعتبر توزيعه لا بأس به، ولكن إذا قارنا الحال اليوم بالحال التي

كان عليها الناس زمن رشيد رضا عندما أصدر مجلته؛ فستجيء نتيجة المقارنة

لمصلحة ذلك العصر، وذلك لأن ما كان رشيد رضا يشير إليه بشيء من الأسف

على أنه سبب قلة المطبوع - وهو الرقابة - لم تتراخَ قبضته، بل اشتدت واشتد

بأسها، بل إن هذه القبضة أشرس ما تكون حين تواجه المطبوعات الداعية إلى فهم

الإسلام الصحيح الذي يكون مخدوماً لا خادماً ولا مسخراً، ومقصوداً لذاته لا مطلوباً

لغيره.

ومع أن نسبة التعليم قد تضاعفت أضعافاً كثيرة عما كانت في مطلع هذا القرن؛ فإن نسبة القراءة وتوزيع المجلات لا تتناسب مع هذه الزيادة في نسبة المتعلمين،

ومردُّ ذلك إلى عوامل كثيرة منها: الحيلولة القاسية دون وصول المفيد من الثقافة

إلى أيدي الناس لتوهم أن في ذلك تهديداً لمصالح الطبقات المتنفذة. وشيوع وسائل

زاحمت القراءة كالراديو والتلفاز وغيرهما، ومنها أيضاً هبوط المستوى التعليمي

والالتفات إلى العناية بتمدد التعليم أفقياً وإهماله عمودياً. ثم انشغال الناس

بضروريات الحياة التي أصبحوا يعانون المصاعب الكثيرة للحصول عليها في كثير

من البلاد العربية.

إن الحقيقة المرة للواقع الثقافي في البلاد العربية منذ بداية ما يسمونه بعصر

النهضة إلى اليوم تتكشف من خلال أرقام توزيع المجلات الجادة، فهذه المجلات -

وأخصها المجلات الإسلامية - واقعة بين مطرقة الرقابة وسندان العجز المالي.

وأي مجلة لا تدركها رحمة الدولة فمصيرها إما أن تُوقَف، وإما أن تتوقف، وإما

أن تستمر من جيب الدولة، والتجربة الماثلة تشير إلى أنه قد يمكن لمجلة علمية

مجردة أن تعيش على تمويل الدولة وتنجح؛ أما المجلة التي لها مساس بحياة الناس

اليومية - كالمجلات الإسلامية - فإن دعم الدولة لها يفقدها ثقة الناس بها تدريجياً،

حتى إذا اكتشفت الدولة أنها أصبحت عبئاً بلا مردود تعالت الأصوات بإغلاقها

(نزولاً عند رغبة الجمهور!) وقد تبقيها حفاظاً على الفكر الإسلامي الأصيل!

وتشجيعاً للإسلام الحضاري! ! ونظراً منها بعين العطف للمؤسسات الإسلامية.