للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

نص شعري

رسالة من سفح الجبل! ؟ [*]

جمال الحوشبي

مقاتل من الشيشان.. متوشّح سلاحه.. وعلى قسمات وجهه علامات الصمود

وآثار المأساة. رأيته يرفع يديه.. يناجي ربه بحرقة، ويسأله النصر على الأعداء

قبل أن ينطلق مع إخوانه على جبهة القتال، وعلمت أن له حكاية طويلة كغيره من

المجاهدين وأنه لو تملّك زمام الكلمة لأرسل رسالة إلى من وراءه يصوّر بها حاله

ويتأسى على من فقد من الأهل والولد.. فصوّرت رسالته بلسان حاله قائلاً:

سقى الله قومي بالغمام غواديا ... وأغدق أرضي فوق تلك الروابيا

وأردفها شوقي لداري وصبيتي ... وأهطل منها سكبة من مآقيا

ألا ليت شعري كم عزيز فقدته ... وكم طلل في الحي قد بات خاليا

وكم لبيوت الله بعد خرابها ... أبيّ يبيع النفس لله غازيا

ولله خِلوٌ كان يرعى شبابه ... دهته قلوب ينتحبن بواكيا

فإذا المطايا يستبقن ركابه ... وإذا المنايا يستحلن أمانيا

تقاطر جيراني فشدوا رحالهم ... وآذنهم داعٍ إلى البين حاديا

وقالوا: هلم اليوم فالخطب نازل ... فقلت: سيقضي الله ما كان قاضيا

فواللهِ! ما أرخيت للروس هامتي ... وإنّي على المكروه صعْبٌ قياديا

وتاللهِ! لن أرضى لنفسي هوانها ... فزادي كفاحي والظلام ردائيا

ولست بنَزَّال على الناس حاجتي ... كفى بالذي أرجوه عوناً وهاديا

تولَّيت عنهم والظلام يلفني ... وأمنع نفسي أن يزيد الهوى بيا

وليس الذي أشكوه أنِّي مهاجر ... إلى الله؛ لكنْ من تركت ورائيا

صغاراً عن المكروه في حجر أمهم ... وشيخاً بركن الدار قد بات ثاويا

أودعهم والعين تذكي دموعها ... أصبّرهم والخوف ألاَّ تلاقيا

إذا عز في دارٍ مُقامٌ وعِشرةٌ ... فجهّز لبين الدار إن شئت حاديا

فلا قرَّب الرحمن دار مذلة ... ولا شق لي في لجة الضعف واديا

وجاوزت.. حتى لاح لي نار إخوتي ... على جبل يؤوي الكماة الغوازيا

رقَيْت لهم والليل يرخي سدوله ... وأنجمه في الأفق ثكلى كما هيا

فلما رأوني قام كلٌ يضمني ... ويسألني عمن تركت ورائيا

وهل جزت في سَفْري الغداةَ ديارَهُ ... وهل أهلهُ والدارُ سِلْمٌ كما هيا؟

ورحت أقوِّي عزمهم وجهادهم ... وأتلو من القرآن آياً مثانيا

فما إن فرغنا من أداء صلاتنا ... إذا بالرزايا ينتظمن عواليا

وإذا الشظايا مستطير شرارها ... وإذا الجبال الصم دوت شواكيا

وحَلَّقتِ الأشباح فوق رؤوسنا ... كغيلان ليل يستبقن عواديا

ركضت إلى كِنّ على جرف صخرة ... لعل ظلاماً منه يخفي مكانيا

ولاذ سريعاً كل إلفٍ عرفتُه ... وبات خيال الموت في السفح ثاويا

تذكرت أجدادي غداةَ تُخُرِّموا ... فأشهرت رشاشي وزال الذي بيا

وصوبت مني طلقة بعد أختها ... على طائرات الروس طلقاً مؤاتيا

وقلت: إلهي لست أرمي رصاصتي ... فأنت الذي ما زلت يا رب راميا

وأنت ترى ما يصنع الكفر بيننا ... وأسْلَمَنا حتى الأعزُّ مواليا

ودوى ضجيج هالني بُعدُ ضوئه ... ينوِّر من أضوائه تلك واديا

وكبَّر إخواني فأيقنت أنني ... غداة دعوت الله لبَّى دعائيا

وأن انتصاري ليس في جنب قوتي ... ولكن لأن الله يخزي الأعاديا

فقولوا لمن قد باع بالرخص دينه: ... أجيبوا امرأً للعز والمجد داعيا

وحَتَّامَ لا ترعون عهداً وذمة ... ألم تعلموا يا إخوة الدين ما بيا؟

وربي دهانا الروس لما رأوكمُ ... نياماً وأمري عنكمُ بات نائيا

وردنا حياض الموت كُرْهاً وأنتمُ ... وردتم على اللذات واللهو ناديا

وبأسكمُ يا قوم بين صفوفكم ... ونيرانكم تُصلون فيها المواليا

فعودوا ... لعل الله يكشف ما بنا ... وتوبوا.. تروْا نصر المهيمن دانيا


(*) المرجع: (كتاب: الشيشان صقور الجبال البيضاء) من إصدارات دار الأندلس الخضراء، جدة.