للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

في دائرة الضوء

١١ سبتمبر بمنظور الكتب الألمانية

(٢ ـ ٢)

رائدة شبيب

في العدد الماضي تحدثث الكاتبة عن تطور سلوك القراءة بين الألمان، وأن

الكتاب يصل إلى ٥٠% من القرّاء الألمان وأن الكتب السياسية التي تقدمت على

سواها في الأسواق منذ ١١ سبتمبر هي التي تعالج جوانب من السياسة الدولية. كما

بينت أن الألمان يفضلون الكتب المترجمة إلى الألمانية الناقدة للتحقيقات الأمريكية،

وقد أخذت العناوين التي تعالج السياسة الأمريكية أعلى المراتب في قوائم الكتب

المفضلة، وأشارت إلى بعض الكتب التي تتعلق بالموضوع.

- البيان -

ب - هل الحرب ضد الإسلام حرب ضد الإرهاب؟

يطرح «بيتر شول لاتور» عبر عنوان كتابه [١] سؤالاً لم يعد يطرحه

المسلمون، ولكنّه يهمّ الكثير من الناس في الغرب. وفي كتابه هذا يقوم الكاتب

المعروف «بيتر شول لاتور» بمهمّة صعبة؛ لأنّ عامّة الألمان يتهربون من فكرة

«الصراع بين الحضارات» التي طرحها المفكّر الأمريكي «هنتنغتون» ،

وتفضّل التعابير الحيادية في وصف العلاقات بين العالمين الإسلامي والغربي.

لذلك لا يحاول الكاتب أن يقنع القارئ بنظريته عن طريق حجج قوية

وموضوعية، ولا يقدّم تحليلاً منظَّماً، ولكن يعتمد على خبرته كمراسل ومؤرّخ،

فيضع القارئ أمام مشاهد مختلفة عاشها هو في مواقع عديدة من العالم التي تلعب

الآن دوراً في «الحرب ضد الإرهاب» . ويقدّم التطوّرات التاريخية والمعاصرة

التي أدّت إلى الوضع الحالي في مناطق متعدّدة، ثم يعلّق على الأحداث المستجدّة

ويصف انطباعاته ويسجّل مقابلاته الشخصية مع أشخاص عديدين وأقوالهم.

وتظهر في هذا الكتاب الناجح، والمصوَّر في مسلسل تلفزيوني وثائقي،

خبرة المؤلّف الواسعة والذي تلقّى جوائز عديدة تقديراً لعمله البارز كمؤلّف وصحفي

وكمراسل من مناطق خطيرة في أنحاء العالم. ويعتبر كتابه استكمالاً مفيداً للأخبار

اليومية؛ لأنه يبيّن الخلفيات والتطورات التي لا يحصل المشاهد الغربي عليها عادة

عن طريق التقارير الإخبارية المحدودة والمختارة. صحيح أنّه يصعب على القارئ

أن يحفظ أسماء الأشخاص وأدوارهم والأماكن المذكورة أحياناً، أو أن يفهم

التطورات المعقَّدة في بعض الفصول من الكتاب، ولكنّ الأفكار الرئيسية واضحة؛

لأنّها تتكرّر في جميع الفصول، ومنها التنبيه على خطورة السياسة الخارجية

الأمريكية تحت عنوان «الحرب ضد الإرهاب» ، على العالم كله وعلى

الأوروبيين بالذات، وهي السياسة التي يصفها «شول لاتور» بأنّها «أمّ

الكذب» . فهي مبنية على أخطاء في التقدير بسبب تجاهلها للأوضاع الحقيقية

والعلاقات المعقّدة في العالم الإسلامي، وبذلك تسبّب الزعزعة في منطقة مضطربة

من العالم. وهنا يمكن للمشاهد المعتمد على معلومات قليلة ومجهّزة من جانب

السلطات الأمريكية قبل عرضها في وسائل الإعلام، أن يلقي نظرة على ما

وراء ظاهر الأحداث والمعلومات السطحية.

وينتقد «شول لاتور» وسائل الإعلام التي تنحاز إلى «الهستيريا وتسير

مع التيار» كما يقول، فتعرض الحادي عشر من سبتمبر وكأنه «نقطة تحوّل»

في مجرى التاريخ؛ ففي الواقع لم تكن الاعتداءات مفاجئة ولا جديدة، وسبقها

وقوع هجمات على منشآت أمريكية، كما كان للإرهاب دوماً وجوده في الولايات

المتحدة. أمّا الجديد في هذه العمليات الإرهابية فيقتصر على أنّ تدبيرها تمّ من

الخارج، وأنّها أدّت إلى «هستيريا عامة» بين الأمريكان. ويعلّق المؤلّف على

ردّ الفعل الأمريكي بإعلان «الحرب ضد الإرهاب» فينتقد تعابير الرئيس

«بوش» بشدّة باعتبارها تصدر عن حركة أصولية داخل الديانة البروتستانتية.

ويشير إلى عدم وضع حدّ زمني أو جغرافي لهذه الحرب، وهي أشبه «بصيد

شبَح» نتيجة «عدم وجود تعريف دقيق للعدوّ فاتّخِذ الإسلام الثوري عدوّاً» .

لذلك لا يستغرب «شول لاتور» من أنّ المسلمين يعتبرون هذه الحرب

حرباً صليبية حديثة، ويلفت النظر إلى هذا الشعور عن طريق الاستشهاد بأقوال

مسلمين مختلفين، مثل طالب باكستاني يقول: «يتكلّم الغرب عن غزوة عالمية

ضدّ الإرهاب، لكنّه يريد في الحقيقة إخضاع مليار مسلم» . كما يقول الزعيم

الكردي المعروف «جلال طالباني» في رسالة كتابية للمؤلّف: «إنّ الحرب ضدّ

الإرهاب في واقعها غزوة ضدّ الأصولية الإسلامية» .

وينبّه «شول لاتور» إلى أنّ الصراع بين الحضارات يوشك أن يتحوّل إلى

اصطدام خطير بين الديانات وليس فقط بين الدين النصراني والإسلامي، كما يظهر

في بعض التقارير المفصّلة التي يقدّمها عن بلدان مختلفة كالعراق وأفغانستان

والباكستان والهند وفلسطين وكشمير والصين وأوزبكستان.

وبالنسبة إلى الصراع بين الهند والباكستان مثلاً لا تثير الأوضاع الشعور

بالارتياح، وعلى النقيض من الانطباع العامّ السائد بين الألمان بشأن الخوف من أن

تتحوّل الأزمة إلى حرب، يرى «شول لاتور» أن الحرب جارية واقعياً، فتقع

هجمات المجاهدين في كشمير، وتقوم الوحدات العسكرية الهندية بعمليات انتقامية

دموية، فضلاً عن أنّ الجنود على الحدود في حالة تأهّب قصوى. من هنا تعتبر

شروط وقوع صدام مباشر موجودة، ويقدّر الكاتب أنّ الأخطر من ذلك هو أن

يتجاهلها المخطّطون الغربيون، مع أنّها تنطوي على احتمال اصطدام ثلاث ثقافات

كبيرة، تشمل ثلاثة مليارات نسمة، وهي مذهب الكونفوشيوس الصيني في الشمال

المحتلّ من كشمير والهندوسية والإسلام.

وفي شأن أفغانستان يظهر بعد الهجمات الأمريكية وبذل جهود كبيرة لتنظيم

البلد بما فيها تشكيل حكومة جديدة ودعمها، أنّ العداءات بين العشائر والنزاعات

مستمرة، وأنّ الأعراق القديمة ما زالت في صراع نفوذ، مثل الباشتون والطاجيك

والبانجير والأوزبك والهزارة؛ ولذلك يخلص «شول لاتور» إلى القول:

«إنّ الوضع ما زال يغلي في أفغانستان.. ولا بدّ من التنبّه الكبير عندما يتكلّم

الناس عن المساواة» ، ويشير إلى خبرة الاتحاد السوفييتي مع هذا البلد الإسلامي

والتي يمكن أن تؤخَذ الآن كمثال محسوس.

بينما تصبح الأوضاع أشدّ خطراً عندما يكون للولايات المتحدة يد في

التطورات الجارية؛ فهي تحاول عادةً أن تحدّ من وجود الحركات الإسلامية أو أن

تقضي عليها. وبعد الحادي عشر من سبتمبر أصبح هذا جزءاً من السياسة

الأمريكية، ولا يقول «شول لاتور» ذلك بشكل مباشر إنّما يلمّح إليه عبر دراسته

لأحوال البلدان الإسلامية المختلفة، ويذكر مثلاً عن باكستان كيف قام الرئيس

«مشرّف» تحت ضغط من الولايات المتحدة «بملاحقة تحريضية» عن

طريق أجهزة الشرطة لبعض الجماعات الإسلامية.

وعلى صعيد آخر يذكر الكاتب مثلاً كيف أكّد وكيل الوزارة المساعد

«آرميتاج» رغم الحساسيات مع الصين للحكومة الصينية أنّ الولايات المتحدة

تتفهّم ملاحقة السلطات «للحركة الإسلامية في تركستان الشرقية» .

وبهذه المعطيات أمكن للهند استغلال الحرب المعلنة ضد الإرهاب لملاحقة

المسلمين علناً.

وبالنسبة إلى الدول الإسلامية يشير «شول لاتور» في أكثر من موضع إلى

أنّ الاستراتيجية الأمريكية تعتمد على التحالف مع حكام مستبدين وطغاة، للضغط

على الإسلاميين، الذين يشكّلون أكبر معارضة في بلدانهم. لكنّ تفضيل هذه

«الحكومات التبعية» كما يرى «شول لاتور» ينتهك إرادة الشعوب الإسلامية،

ويتناقض مع الأسس والقيم الديمقراطية. وبهذه الاستراتيجية لن تتمكّن واشنطن

وهذا من أكبر الأخطاء في تقديرها من إضعاف الحركات الإسلامية على المدى

البعيد. بل على العكس من ذلك يمكن أن تتحوّل إلى خطر عندما تقع نواة قوى

المعارضة المحكوم عليها بالعجز، في إغراء اتّباع شهوة قتال عشوائي، على حدّ

تعبيره. وسيكون الخيار الوحيد مقابل الخضوع للأمريكيين هو تمرّد المتحمّسين

المتديّنين واندلاع ثورة باسم الكرامة الإسلامية.

في جولاته على مناطق نائية داخل البلدان الإسلامية التي زارها لاحظ

«شول لاتور» أنّه رغم قمع الحركات الإسلامية ازداد تأثير الدين على عامّة

الناس. وبقي في أفغانستان مثلاً حجاب المرأة المسمّى بالبرقع هو اللباس المعتاد

للنساء، وذلك خلافاً للصور المشوّهة التي قدّمتها وسائل الإعلام الغربية عن

«تحرير» المرأة منه بعد الغزو الأمريكي لأفغانستان. وفي العراق يلبس ٨٠%

من الطالبات الجامعيات العباءة أو حجاباً آخر، ولم تكن نسبة المتحجبات

تتجاوز ٥% من الطالبات كما يقول. وليس الحجاب وحده ما يثبت رجوع

الناس إلى الإسلام، فيقول: إنّ عامّة المسلمين يوجّهون كلّ ناحية من نواحي

حياتهم وفق التعليمات القرآنية، ولو أنّ دولهم تسمح بانتخابات حرّة بمعنى الكلمة

فسوف تنجح الأحزاب الإسلامية وتشكل القوة الأكبر.

ويذكر «شول لاتور» أمثلة أخرى على أخطاء التقدير من جانب الحكومة

الأمريكية، ومنها أنّ الصين مثلاً يمكن أن تستغلّ الصراع الطويل بين الولايات

المتحدة وأجزاء كبيرة من الأمة الإسلامية لصالح مخطّطاتها العسكرية، فتدعم دولاً

مثل باكستان وإيران عسكرياً للحدّ من النفوذ الأمريكي.

كما يحذّر من التحالف الوثيق بين «بوش» و «شارون» ويتساءل: ألن

يكتشف استراتيجيو البنتاغون يوماً ما أنّ الدولة اليهودية قابلة أن تصبح نقطة

ضعف أمريكية؟

وتبدو تعليقاته على المشاهد التي يصفها والتطورات التي يتابعها وكأنّها

ناقوس خطر موجّه إلى الأوروبيين بالذات؛ لأنّ الأخطاء الأمريكية تمسّهم بصورة

مباشرة، فليس هناك بُعد جغرافي بين أوروبا والعالم الإسلامي، وقد أصبح الإسلام

جزءاً من المجتمعات الأوروبية نفسها.

ولا يقدّم «شول لاتور» في كتابه أيّة حلول، بل يعبّر عن شعوره بأنّ

التطورات الجديدة أثبتت تكهّناته السابقة التي لم تؤخَذ في حينها مأخذ جدّ، وكانت

تقول إن الإسلام في تقدّم مطّرد. وليست الصور التي يقدمها «شول لاتور» من

المناطق الإسلامية ممّا يثير الأمل بل تستدعي القلق؛ وخاصةً بالنسبة إلى المسلمين

أنفسهم. ويثير وصف المؤلف للتخلّف والنزاعات بين المسلمين وتشتّتهم وضعف

الأمة الإسلامية شعور الانقباض لدى القارئ المسلم؛ فمن الواضح أنّ البلدان

الإسلامية أصبحت غنيمة سهلة لمن يطمع فيها، ومن الواضح أيضاً أنّه بعد ١١/٩/

٢٠٠١م تمكّن الذئب من أن يتحرّر من القيود كليّة حتى أصبحت المنطقة الإسلامية

في حوزة هذا العدوّ.

ت - قوة دولية دون قيود:

يقدم البروفسور «إيرنست أوتو تشمبيل» في كتابه «تحوّل في السياسة

الدولية» [٢] معالجة سياسية عميقة لأحداث الحادي عشر من سبتمبر وأثرها على

السياسة العالمية.

وقليل من الكتب التي ظهرت حول ١١/٩ تقوم ببحث تحليلي قيّم للأحداث

ونتائجها. لكنّ البروفسور المتقاعد الذي كان يدرّس في كلية السياسة الدولية لجامعة

«فرانكفورت» الألمانية قدّم هذا البحث الموضوعي الناجح، فأصبح - مثل كتبه

السابقة - من المراجع الأساسية للعلوم السياسية. ورغم أسلوبه العلمي والأكاديمي

يتميّز هذا الكتاب عن الكتب الجامعية الأخرى بسهولة استيعابه من جانب القارئ

غير المتخصص.

والفكرة الأساسية التي يقدّمها البروفسور في كتابه هي أنّ الغرب قصّر في

البحث في الأسباب التي أدّت إلى الظاهرة الجديدة للإرهاب، ومن نتائج هذا

التقصير الأخطاء التالية:

أولاً: كانت ردود الفعل على التطورات الجديدة في السياسة الدولية بخطط

واستراتيجيات قديمة لن تؤدي إلى النجاح.

ثانياً: استغلّت الولايات المتحدة العمل الإرهابي في الحادي عشر من سبتمبر

لتعزيز سياسة مرسومة من قبل وتطبيقها، وهي سياسة تعتمد على القوة لتحقيق

الأهداف.

ويشير «تشيمبيل» في بداية كتابه إلى أصل الضعف في السياسات الغربية

الحالية، فيراه في عنصر الإهمال الكامن في التعامل مع ظاهرة الإرهاب. ويقول:

منذ «١١ سبتمبر» فَقَدَ معنى الإرهاب التنوّع المتباين في صوره، وبات يُجمَع

تحت هذا العنوان كل أنواع استخدام العنف غير الدولي، ولكن من الضروري

التمييز بين الإرهاب الحقيقي الذي لا يحمل برنامجاً سياسياً من جهة، وبين حركات

المقاومة أو النضال من أجل التحرير من جهة أخرى. ومن الواضح بالنسبة إلى

«تشمبيل» أنّ من يتكلم في سياق «١١ سبتمبر» عن «الإرهاب الديني»

يقع في تبسيط الأمور ويسدّ بذلك ثغرة في تفسير الظاهرة قد تكوّنت من قبل في

سياق أسباب مجهولة. وهذا ما حصل من جانب الولايات المتحدة عمداً على حدّ

قول «تشيمبيل» ، فمن الواضح أنّ واشنطن لا تريد أن يتوجّه الاهتمام العام إلى

حقيقة الهجمات والكشف عن ملابساتها، فبقيت أسئلة مفتوحة حول تفاصيل

الحدث. لا يتبحّر الكاتب في هذا الموضوع، لكنّه يشرح أسباب عدم اهتمام السلطة

الأمريكية بالكشف عن تفاصيل الحدث، ويقول إنّ مصطلح الإرهاب غامض ينفسح

المجال لتفسيره حسب المصلحة، ولكن تبيّن نتيجة هذا التفسير العشوائي مدى

ازدياد المخاطر في العالم بسبب الانتشار العالمي غير المنضبط للوجود العسكري

الأمريكي.

أولاً: وبسبب تجاهل المنظمات الدولية وخاصّة الأمم المتحدة ومنظمة حلف

شمالي الأطلسي (الناتو) .

ثانياً: وبسبب التحالف الجزئي بين دول معيّنة على حسب المصالح.

ثالثاً: ويشرح «تشيمبيل» كيف غرّر التفسير التعسّفي القيادة الأمريكية

بمنح نفسها القوة المطلقة في القضاء والتنفيذ على بقية دول العالم.

- ففي خطوة أولى حدّد الرئيس الأمريكي «بوش» أنّ الموقع الرئيسي

لنشأة الإرهاب هو أفغانستان تحت قيادة «طالبان» التي تتلقّى الدعم من جانب

تنظيم «القاعدة» . ويشير «تشيمبيل» إلى ضعف هذا الاتهام فيقول: إنّ

«طالبان» مدعومة من باكستان، وإن الاتهامات الموجّهة إليها لم تكن تكفي

لشنّ حرب شرعية ضدّها.

- وفي خطوة ثانية أعلن الرئيس الأمريكي «بوش» الحرب ضدّ جميع

الدول التي تتعاون بصورة ما مع «الإرهاب» ، وبهذه الطريقة تستغلّ الحكومة

الأمريكية حقيقة أنّ الإرهابيين «مجهولون» لتعطي لنفسها إمكانيّة التدخّل في أي

دولة في العالم.

- وفي خطوة ثالثة تقدّم الرئيس الأمريكي «بوش» بما سمّي مبدأ

«الضربة الوقائية» (preamption) ، والذي يعني إمكانية أن تشنّ

الولايات المتحدة هجمات عسكرية على أساس الشبهة وقبل انتظار إثبات تهمة ما.

- وفي خطوة رابعة استخدمت حكومة «بوش» تعبير «محور الشرّ»

الذي تصف به بعض الدول المعادية لها؛ فبالنسبة إلى هذه الدول حتى لو أنه ليس

لها أيّ علاقة بتنظيم «القاعدة» أو بإرهابيين ما، يبقى أنّ مجرّد صناعتها لسلاح

دمار شامل واحتمال وصوله إلى أيدي إرهابيين، يصبح ذريعة لتكون هدفاً لهجمات

الولايات المتحدة.

ويخلص «تشيمبيل» إلى القول إنّ إمكانات النفوذ أصبحت تظهر لواشنطن

تحت ضوء جديد، ولم يكتفِ «بوش» بحرية «تفسير الحدث» كما يريد، فقام

برفع هذا التفسير إلى مستوى «التعليل الأخلاقي» ، وبذلك أقدم على تحصين

تفسيره للعمليات الإرهابية بحيث لا ينفسح مجال لأحد ليزعزع العرض الرسمي

الأمريكي لأحداث ١١/٩/٢٠٠١م، وتحوّل محاربة تنظيم «القاعدة» بذلك إلى

صراع أخلاقي «بين الخير والشرّ» .

في هذا السياق يسأل القارئ نفسه إن كان هناك فارق بين الحكومة الأمريكية

الحالية والحكومة التي سبقتها بالنسبة إلى بذل الجهد في تحقيق مصالحها المختلفة

على الساحة الدولية؟ أو يمكن السؤال: ألم تكن الولايات المتحدة تفضّل دوماً

التصرّف الانفرادي من جانب واحد؟

الجواب موجود في كتاب «تشيمبيل» ، فيقول الأستاذ الجامعي: صحيح أنّ

سلطة بوش لم تخترع الانفرادية الأمريكية بل وجدتها بين يديها، ولكنّها طوّرت

هذا السلوك السياسي إلى حدّ التطرّف.

ويشرح الكتاب في هذا السياق أنّ القيادة الأمريكية تستند منذ ١٩٤٥م على

أسلوب «القوة» ، لكنّ حكومة «بوش» الابن اعتمدت من البداية على عنصر

«السلطة» . والفارق الصغير والمهم هنا هو أنّ القوة هي امتلاك القدرة على

تحقيق الإرادة رغم المعارضة، أمّا «السلطة» فهي القدرة على فرض الطاعة

وتنفيذ الإرادة مع استخدام القوة مباشرة، وهذا ما يعني بالنسبة إلى سياسة «بوش»

إخضاع العالم لسلطان الولايات المتحدة.

وقد تغيّر النظام الدولي في عهد «بوش» في اتجاه تلبية متطلّبات السياسة

الخارجية التي تحدّدها الفئة السياسية من وراء «بوش» ، وبذلك ساءت العلاقات

الأوروبية الأمريكية، وألغي نظام تعدّد الأقطاب، واتخذت الهيمنة الأمريكية شكل

سيطرة انتقائية على العالم.

ويصف «تشيمبيل» الوضع السياسي في العالم بأنّه ساء كثيراً في فترة

رئاسة «بوش» في الولايات المتحدة، فقد تمكّنت حكومة «بوش» بعد ١١/٩

من أن تحقّق سياستها الدولية المعتمدة على الجانب العسكري والرافضة للحلول

السياسية، دون حدود ولا قيود. رغم ذلك لم يتقرَّر بعدُ ما إذا إن كانت «سياسة

القوة الإمبريالية» ستنجح أم سيمكن تصحيح ما نشأ من أضرار كما يقول

«تشيمبيل» .

ويفاجئ النقد الحادّ الذي يوجّهه عالم ألماني متميّز مثل «تشيمبيل» إلى

القيادة الأمريكية في أكثر من موضع من كتابه، ولكن من الضروري في ظلّ

التطوّرات الصارخة في أنحاء العالم، التنبيه المباشر بمختلف الوسائل للسياسة

الضارّة بالسلام الدولي، وخاصّة من جانب أستاذ باحث في مجال السلام الدولي.

فلا حاجة إلى مزيد من الخبراء الألمان الذين يحاولون أن يعيدوا المياه إلى

مجاريها على صعيد العلاقات الأوروبية الأمريكية، وحتى على حساب السلام

الدولي والأوروبي، لكنّ الحاجة كبيرة إلى كلام حازم لخبير قادر على النقد

الموضوعي وعلى تقديم الحلول الأفضل لسياسة متوازنة.

وهذا ما يفعله «تشيمبيل» في كتابه، فهو يكمّل نقده بطرح حلول بنّاءة،

تثبت أنّه ليس معارضاً لضرورة مكافحة الإرهاب، ولكن يتحدّث هنا عن طريقة

أخرى وإن لم تكن جديدة؛ فالمطلوب اتباع سياسة موحّدة تتقرّر عبر المؤسسات

الدولية وتتضمّن إجراءات وقائية تستأصل الأسباب المؤدّية إلى ظاهرة الإرهاب.

وقبل وضع الوسائل السليمة لهذا الغرض يجب - كما يقول «تشيمبيل» -

تحليل ظاهرة الإرهاب وأرضيته، وهو في نظره «قوّة اجتماعية» ، ويعود هذا

التقدير إلى نظريته الأساسية القائلة بوجود تحوّلٍ ملحوظٍ من «عالم الدولي» إلى

«عالم مجتمعات» ، وإنّ هذا التحوّل أدّى بدوره إلى تحوّل في السياسة الدولية.

صحيح أنّ العالم ما زال منظَّماً دولياً، ولكن تلعب القوى الاجتماعية داخل الدول

وقوى اجتماعية على الساحة الدولية دوراً أقوى بكثير من قبل. ويقول: إنّ هذه

الحصيلة تحرّر المجتمعات، وإنّ «١١ سبتمبر» أظهر مدى تدخّل مفعول القوى

الاجتماعية في السياسة الدولية.

حسب قول «تشيمبيل» فإن الولايات المتحدة ترفض تقبّل هذا التحوّل؛ فما

تزال مستمرّة في الاعتماد على استراتيجيات قديمة. وصحيحٌ أنّ الدول الأخرى

حاولت أن تطوّر أو «تحضّر» العلاقات الدولية، ولكنها ما زالت تعتمد أيضاً

على «السياسة الواقعية» القديمة؛ بينما لا يمكن السيطرة على ظاهرة الإرهاب

الجديدة وعلى المتغيّرات في الساحة الدولية بأساليب قديمة؛ فالحاجة قائمة الآن إلى

تصميم جديد للسياسة الأمنية التي تقيس دور الدفاع العسكري وهو أهمّ ركن لأمن

الدول بالمتطلبات الحديثة أولاً، وأن تعزّز دور سياسة التنمية وإعادة بناء الدول

ثانياً.

ويعدّد المؤلف بعض مواطن الضعف التي يمكن أن تشكّل خلفيات العمليات

الإرهابية في ١١/٩، وليس أسباباً لوقوعها، وهي مثلاً القضية الفلسطينية

والسياسة الأمريكية في العراق، وعدم التوازن في توزيع الثروات والخيرات في

العالم، ثمّ الهيمنة الغربية على النظام الدولي.. إلخ.

يوجّه «تشيمبيل» اقتراحاته إلى الحكومات الأوروبية؛ فعليها أن تدعم

أمريكا للتخلّص من «فكرها التائه» الذي يعتمد على القوة العسكرية فقط لتنظيم

العالم، وعلى أوروبا أن تقدّم الخيار البديل عن الهيمنة الأمريكية.

من هذه الاقتراحات أن تساهم أوروبا في سدّ «منابع» الإرهاب، فعليها

مثلاً أن تعزّز نشاطها في العمل على حلّ صراع «الشرق الأوسط» ، وعلى

مكافحة الفقر، بالإضافة إلى دعم التطور الاقتصادي في الدول النامية، وعليها

أيضاً دعم ترسيخ نظام دولي يضمن للدول الأضعف حقّها في المساهمة في صنع

القرارات، ومن الضروري إعادة الحياة إلى الأمم المتحدة، وإلى تنشيط مجلس

الأمن الدولي التابع لها. أمّا بالنسبة إلى السياسة الخارجية والأمنية الأوروبية،

فينبغي تجديدها وتطوير تسليحها، كي يتخلّص الاتحاد الأوروبي من اعتماده على

قوّة الولايات المتحدة.

ويبقى «تشيمبيل» واقعياً في إدراكه أنّ التوجّه الحالي لنظام «تحالف

أمريكي» (Americana Pax) سيحدد المستقبل الدولي خلال السنوات القادمة؛

إذ تجد الزعامة الانفرادية الأمريكية تقبّلاً من جانب دول عديدة، رغم تحوّلها إلى

سيطرة انتقائية تعتمد على القوة قد قلّل من دعمها.

وعند قراءة كتاب «تشيمبيل» يجد القارئ أنّ خطر السيطرة الأمريكية على

العالم أكبر في الواقع من خطر الإرهاب. ويوجّه الكاتب خطابه إلى القارئ بصورة

غير مباشرة في الجزء الأخير من كتابه، عندما يشجّع على العمل مشيراً إلى

إمكانية تغيير الأوضاع الراهنة عبر التعاون بين القوى السياسية والاجتماعية؛

فالمطالب التي تطرحها القوى الاجتماعية، يمكن أن تدعم الزعامة الأوروبية في

العمل على تطبيق سياسات دولية أخرى.

ث - الحقيقة الممنوعة:

كتاب «الحقيقة الممنوعة» للمؤلفيْن الفرنسيين «جين شارل بريزار»

و «غيوم داسكيه» [٣] كتاب يبدو للوهلة الأولى مبشّراً بصورة إيجابية؛ فحسب

المقدّمة المنشورة على غلاف الكتاب يكشف الخبيران في شؤون المخابرات القناع

عن وجود «عناصر سياسية خطيرة وراء حدث ١١ سبتمبر» ، ولا غرابة في أن

يجد هذا الكتاب الذي أصدرته دار نشر ألمانية كبيرة اهتماماً كبيراً لدى القرّاء عبر

عنوانه وعبر مقدّمته المثيرة؛ فقد سجّل بيع حوالي ٢٠٠٠٠ نسخة في الأسبوعين

الأولين بعد صدور ترجمته في ألمانيا، ثمّ احتلّ مكانه على القائمة السنوية للكتاب

الناجح في عام ٢٠٠٢م.

ويبدو أنّ العنوانين الرئيسي والفرعي كانا وسيلة إغراء للقرّاء فحسب، وليس

للتعبير عن المحتوى بعبارة موجزة؛ إذ يقول العنوان الفرعي: «العلاقات

المتشابكة بين الولايات المتحدة وأسامة بن لادن» ، وصحيح أنّ هذه العلاقات

كانت بالفعل موضع البحث في الفصل الأول القصير من الكتاب، ولكنّ الموضوع

الرئيسي الذي يطرحه المؤلفان هو: السعودية وشبكاتها وعوائلها التي تدعم

الأصولية الإسلامية.

ينطلق المستشار الاقتصادي «بريزار» والصحفي «داسكيه» من اعتبار

مسؤولية «بن لادن» وتنظيمه عن تدبير عمليّات «١١ سبتمبر» أمراً مفروغاً

منه لا يحتاج إلى تمحيص، ويطرحان سؤالهما الرئيسي عن الأسباب التي أدّت إلى

نشأة هذا التنظيم وقوّته، وينطلقان من ذلك إلى تركيز البحث على السعودية من

حيث الوضع المالي فيها ونظام البنوك والمنظمات الخيرية والحماية السياسية لبعض

الأشخاص، وغير ذلك، ويستندان في الكتاب إلى وثائق استخباراتية أولاً، وأخبار

وسائل الإعلام ومراجع اقتصادية عامة ثانياً.

ويصل الكاتبان إلى نتيجة تقول إنّ المملكة العربية السعودية والعائلة الحاكمة

فيها هي التي حرّكت «العجلة الشيطانية» للإرهاب بما أدّى إلى «١١ سبتمبر» .

أمّا الولايات المتحدة فيقتصر الأمر على أنّ جزءاً من الحزب الجمهوري ساعد في

تحريك تلك «العجلة» . وتعطي هذه النظرية الأساسية صورة عن صياغة الكتاب

ولهجته، وهي حافلة بالعدوانية تجاه السعودية وبكثير من الحذر في توجيه بعض

اللوم إلى الولايات المتحدة وسياستها.

يتناول الفصل الأول «العلاقات السرية بين الولايات المتحدة وبن لادن»

بإيجاز الحديث عن مصالح أمريكية أدّت إلى دعم وصول طالبان إلى السلطة، ثمّ

علاقات التفاوض معها، بينما تتحدّث سائر الفصول الأخرى للكتاب عن أنّ الدعم

الأكبر لطالبان ولسواها من الأصوليين يأتي من السعودية، ومن العائلة المالكة،

ومن خلال النشاط التجاري والأعمال المصرفية والمنظمات الخيرية على السواء.

وابتداء من العنوان يظهر في الفصل الثاني المقصود من محتواه، فهو:

«مملكة المخاطر كلّها» ، ويسعى الكاتبان فيه إلى تسليط الضوء على

«العلاقات المتشابكة» في هذه الميادين، مع تأكيد الدعم السعودي لترويج

«مذهب متطرّف» ولتوجّهات «أسامة بن لادن» .

إنّما يظهر الخلل عند التأمّل في محاولة تقديم الأدلّة على هذه النظرية؛ ففي

نظر الكاتبين يكفي كدليل قولهما مثلاً: (قدّمت السعودية والمنظمات الإسلامية

التابعة لإشرافها الدعم المالي لسائر الشبكات الإسلامية تقريباً، الموجود منها في

العالم الغربي أو في الشرق الأوسط «. ويعمل المؤلّفان على تأكيد أنّ الدعم المالي

السعودي هو لنشاط إسلام» عقائدي «و» رجعي «وأصولي) ، ويعزّزان هذه

المقولة بتخصيص فصل من الكتاب للحديث وفق وجهة نظرهما عن نشأة المذهب

الوهّابي وعن تفسيره» المتخلّف «للقرآن الكريم.

ومن الأدلة، أو ما يعتبره المؤلّفان» أدلّة «، تأسيس رابطة العالم الإسلامي

عام ١٩٦٢م لدعم جهود دعوة الشعوب إلى الإسلام، وما تلقّته من أموال هائلة

للقيام بنشاطاتها، من بناء مساجد وتمويل مراكز إسلامية في أنحاء العالم.

ويعدّد المؤلّفان مزيداً من الآليات الأخرى المتّبعة في نشر الإسلام

» المتطرّف «ومن ثَمَّ لدعم مجموعات تستخدم العنف بشكل مباشر أو غير

مباشر، ويذكران مؤسسات عديدة، منها مثلا» بنك فيصل للتمويل «

(Bank Finance Faisal) ومؤسسة» الدلّة «، وحتّى منظمة مؤتمر

العالم الإسلامي؛ فضلاً عن مبادرات خاصّة من جانب الأمراء السعوديين،

وأعمال اقتصادية لرجال أعمال سعوديين.. وجميع ذلك ممّا يمكن أن يثير انتباه

قارئ لا يعرف تلك الأسماء أو المؤسسات من قبل، وقد يثير حبّ الاستطلاع لديه

لمعرفة المزيد، ولكن لا يأتي الكتاب بمزيد.

في خطوة تالية يوجّه المؤلّفان اتهامات مشابهة إلى منظمة» الإغاثة الإسلامية

الدولية « (Organisation Relief Islamic International) فيصفانها

بأنها هيئة وساطة لتمويل الناشطين في» إسلام العنف «، ويقولان إنّ» أسامة

بن لادن «استفاد منها وفق معلومات المخابرات المركزية الأمريكية. ثمّ يضيفان

إلى ذلك أنّ هذه الهيئة تحظى بدعم شخصيات سعودية معروفة كوزير الدفاع

السعودي الأمير» سلطان بن عبد العزيز «، ولكن لا يورد المؤلّفان أدلّة ما على

» تورّط «الهيئة فعلاً في تمويل أي عمل أو جهة متّهمة بالإرهاب، إلاّ إذا أردنا

إعطاء وصف» دليل «على قولهما بوجود شهادة سرية لدى مراجع استخباراتية

أدلى بها شخص كان يتبع سابقاً لجماعة» أبو سيّاف «جنوب الفيليبين، واتّهم فيها

المكتب التابع للهيئة هناك بأنّه يُستخدم غطاء لمشاريع إرهابية.

ويمكن العثور على مزيد من الأدلة من هذا القبيل مثل محاولة تأكيد اتهام هيئة

الإغاثة بدعم الإرهاب عن طريق ذكر وجود بند في ميزانيتها السنوية بعنوان

» نفقات خاصة «، يتحدّث عن إنفاق مبلغ ١٤٠ مليون دولار في الفترة ما

بين ١٩٨٤م، أو ذكر وجود عنوان واحد لهيئة الإغاثة و» الهيئة الدولية

للتنمية « (Foundation Development International) ، التي يقول

المؤلّفان إنّ أحد مؤسسيها، وهو رجل الأعمال السعودي» محمد سالم بن محفوظ «

يموّل» صديقه أسامة بن لادن «، ولا يورد الكاتبان شيئاً يثبت ذلك.

وفي إطار الحديث عن نظام البنوك في السعودية من زاوية إثبات علاقتها

بدعم الإرهاب، يعتبر الكاتبان عدم تضمين سجلات البنوك التي يسدّد زبائنها

» الزكاة «على الأسهم المالية، سجلات تكشف أين أنفقت هذه الزكاة، ما يرجّح

وفق تحليل الكاتبين أنّها تصل بعيداً عن الرقابة إلى جهات إسلامية من قبيل منظمة

» الإغاثة الإسلامية العالمية «.

ويلفت النظر في بعض ما أورده الكاتبان أنّ حرصهما على إثبات الاتهامات

على السعودية يجعلهما يذكران في سياق تعداد أدلّتهما مؤسسة» وادي العقيق «

وهي في السودان، أو» بنك دبي الإسلامي «وهو في الإمارات. وتبقى الحصيلة

هنا كحصيلة الفصلين الثالث والرابع من الكتاب، الحافلين بعدد كبير من أسماء

شركات وفروع ومساهمين، أقل من أن تسوِّغ وصول المؤلّفين إلى النتيجة التي

يعبّران عنها في صيغة تساؤل يقول:» هل كانت السعودية تلعب بالنار من خلال

دعم أغراض الإسلام المتطرّف؟ «.

مقابل هذا التركيز على السعودية كان المؤلّفان يقلّلان من حجم الدور الأمريكي

في دعم» أسامة بن لادن «، ويميّزان بين هذا وذاك بالقول إنّ الدعم السعودي

» جزء من سياسة واضحة مستهدفة لتعزيز الإسلام في العالم «وإنّ» أسامة بن

لادن «صنعه المذهب» الوهّابي «وهو» أداة للسعودية «و» رمز لأهمّ

المصالح الدينية والمالية للمملكة «.. أمّا دعم الولايات المتحدة له فكان

» محدوداً وغير مباشر «واقتصر على» حربه ضدّ الاتحاد السوفييتي؛ فهو

«نتيجة غير مقصودة لطموحات إقليمية أمريكية» .

بهذا الصدد يعالج «بريزار وداسكيه» المصالح التي أدّت أولاً إلى استلام

طالبان الحكم في أفغانستان، وحصولها على دعم أمريكي، وأدّت ثانياً إلى استمرار

الصلات معها رغم مشكلات ظهرت بسبب السياسة المستفزّة التي مارستها الحركة،

بينما بدت طالبان قادرة على تحقيق الاستقرار والأمن بعد الفوضى التي سادت إثر

انسحاب الاتحاد السوفييتي.

ويفسّر المؤلّفان التمسّك الأمريكي بتلك الصلات رغم الصعوبات والخلافات

الكبيرة وخاصّة بعد وصول «بوش» إلى الحكم، بوجود مصالح اقتصادية مهمّة،

ومرتبطة بضرورة الاستقرار في منطقة آسيا الوسطى. ويشيران إلى أنّ العديد من

المسؤولين في حكومة بوش لديهم ارتباطات متينة بالشركات النفطية التي يهمّها بناء

أنابيب للغاز والنفط عبر أفغانستان وخاصّة بعد أن ازدادت المنافسة من جانب

روسيا والصين. ويقولان إن اللقاء الأخير قد انعقد في شهر يوليو لعام ٢٠٠١م في

إطار المحادثات ٢ + ٦ لمندوبي الدول الستة المجاورة لأفغانستان ومعهم الولايات

المتحدة وروسيا، وبعد إخفاق هذا اللقاء هدّد مندوب الحكومة الأمريكية طالبان

بعمليات عسكرية حسب معلومات المؤلفين.

والمشكلة الرئيسية بالنسبة إلى تعامل الغرب مع «الشبكات» الإسلامية في

نظر الكاتبين هي النفط والنتائج الجيوستراتيجية، وعلى أساس هذه النظرية يقدّم

«بريزار وداسكيه» مقترحاتهما التالية: يجب أن يعاد النظر في السياسة

الخارجية الغربية، ومن ضمنها النفطية، مراجعة دقيقة؛ فالنموّ الاقتصادي في

الغرب يعتمد على التحالف مع «دكتاتوريات نفط» وهو ما يشجّعهم على تأييد

تعاليم دينية قديمة.

وكانت ردود الفعل على هذا الكتاب سلبية في كثير من الأحوال وخاصّةً من

جانب أصحاب بنوك فرنسية وشركات نفطية أمريكية وبعض رجال الأعمال

الخليجيين. ومنهم مثلاً «يسلم بن لادن» الأخ غير الشقيق «لأسامة بن لادن» ،

وقد حاول عبر حكم قضائي مؤقّت منع توزيع الكتاب في سويسرا.

والجدير بالذكر أنّ هذا الكتاب يعتمد على تقرير أعدّه «بريزار» لمركز

استخبارات فرنسي في عام ١٩٩٦م وتمّ تجديده سنوياً حتّى عام ٢٠٠١م. وبذا

تعتمد الاتهامات أساساً على معلومات استخباراتية وتعزّز الدعاية الأمريكية المحذّرة

من خطر «الإرهاب الإسلامي» ، وتساهم في قلق كثير من المسلمين عبر توجيه

الاتهامات إليهم.

ويسوغ الكتاب للرأي العام إفساح المجال للمخابرات الغربية للتدخّل في عمل

المؤسسات الإسلامية والعربية العديدة، ولتحقيق كثير من المصالح الأمريكية

والغربية في الدول الإسلامية، وللطعن في نزاهة أشخاص معيّنين وتشويه سمعتهم،

وذلك عبر أسلوب مراقبة باتت لا تقتصر على المؤسسات الإسلامية بل تمتدّ

لتشمل الدول أيضاً ومن يحكمها بصورة إجمالية، مع توجيه التهم إليهم، ولا سيّما

أنّ المؤلّفين يعتمدان في الكتاب على الأسلوب الاستخباري بوضوح.

ومن الغريب أن حكومات الدول الإسلامية تقبل رغم ذلك الاعتماد على

معلومات تأتي من جانب المخابرات الغربية، بل وتتعاون معها، بدلاً من الدفاع

عن نفسها والحفاظ على كرامة شعبها، ومن المهمّ رفض الاتهامات المعمّمة، وردّ

الإهانات بشدة، من قبيل ما يوجهه «بريزار وداسكيه» لعامة المسلمين، وهما

آمنان من احتمال محاسبتهما.

ج - الإرهاب باسم الله:

هل يشكّل «الإسلام المتطرف» خطراً جديداً على العالم؟ وما هي الأفكار

والهيكليات التنظيمية والجماعات الكامنة وراء الإرهاب، وأيّ هذه الأفكار يرجع

في جوهره إلى القرآن؟

منذ الحادي عشر من سبتمبر ٢٠٠١م وهذه الأسئلة تشغل الإعلام الألماني

وعامّة الناس. ومن يبحث عن أجوبة علمية وموثوقة، ويرفض التفسيرات

المبسَّطة التي تقدمها معظَم وسائل الإعلام، يمكن أن يستفيد من كتاب البروفسور

«بيتر هاينه» بعنوان «إرهاب باسم الله.. قوّات متطرّفة في الإسلام» [٤] ، وهو

كتاب يمكن الحصول عليه مجّاناً من المركز الاتحادي للتوعية السياسية، ويحتوي

على خلفيات مفصّلة تقدَم للقارئ الألماني فكرة شاملة عن نشأة ما بات يُعرف

بالإرهاب ذي الطابع الإسلامي وتطوّره.

و «بيتر هاينه» أستاذ جامعي معروف، من إصداراته مثلاً «معجم

الإسلام» بالألمانية، ويعَدّ من مراجع علم الاستشراق الجامعي، ويهدف في كتابه

هذا إلى تقديم معلومات مضبوطة للتعريف بالفارق ما بين: أولاً «الأصولية

الإسلامية» ، وثانياً «الإسلاميين المتطرفين» ، وثالثاً «الإرهابيين

المتطرفين» ، وكذلك لبيان العلاقة بينهم. ويعرب في هذا السياق عن تقديره

لإشارة معظم السياسيين والصحفيين إلى خطأ تعميم تهمة «الإرهاب» على

عامّة المسلمين، ولكن لا يكفي هذا فيما يراه، بل يريد أيضاً التمييز فيما يتعلق

بالصيغ الإسلامية غير المقبولة عموماً من جانب الألمان؛ إذ يؤكد في أكثر من

موضع وجود تيّارات متعدّدة داخل ما يُطلق عليه وصف الأصولية الإسلامية

تعميماً، ولا ينبغي اعتبار المزج أو الخلط بين تلك التيارات أو بينها وبين التطرّف

الذي يلجأ إلى استخدام العنف والإرهاب.

على صعيد آخر يعارض الكتاب التبسيط في طرح الأسباب، فيعالج الخلفيات

المتعدّدة التي يمكن أن يكون لها دور في نشأة التطرّف المستعدّ لاستخدام العنف في

العالم الإسلامي. وهذا التمييز ضروري للغاية نظراً إلى القلق المتزايد داخل

المجتمع الألماني، بعد أن أشارت المخابرات الأمريكية إلى وجود مقرّ لمدبّري

عمليات «١١ سبتمبر» في ألمانيا.

ويبحث «هاينه» الموضوع بطريقة منظّمة على خطوات مبني بعضها على

بعض، منطلقاً من نظام التشريع في الإسلام، ومن مواضيع تاريخية، ونظريات

مفكرين إسلاميين ودعاة إصلاح متطرفين، إلى أن يصل في النهاية إلى ظاهرة

«الإرهاب الإسلامي» ، وجميع ذلك بما يتضمّن شرح الجوانب ذات العلاقة

بالأوضاع والأفكار والتطورات التي أدّت إلى نشأة الإرهاب والتطرف في العالم

الإسلامي.

- يعالج - بصورة مختصرة ولكن كافية وواضحة - نظام التشريع الإسلامي

وتطوّره مع مراعاة خاصّة لمصطلحات الجهاد والشهادة والقتال. ويوضّح للقارئ

تعدّدية آراء الفقهاء في هذه المواضيع والأحكام العامة حولها. كما يبيّن في هذا

الفصل مواضع الخلط في المقارنة بين التشريع الإسلامي والتقنين الغربي والعرف

التقليدي، ممّا يوصل إلى أوضاع «قانونية» غير مستقرّة داخل العديد من الدول

الإسلامية. ثمّ يلفت النظر إلى عدم وجود تدرّج في المراتب داخل نطاق نظام

التشريع الإسلامي، ليبيّن عدم وجود شخصية معترف بها عموماً كمرجعية أعلى

من سواها، كما هو الحال مع البابا في النصرانية، والتي يمكن أن تحسم خلافات

الآراء بين الفقهاء. ومن منظوره أن هذا «النقص» هو الذي يسمح بوجود

تصوّرات تخالف المبادئ الإسلامية، واعتبر ذلك «نقصاً» يسمح لجماعات

متطرّفة باستخدام مصطلح الجهاد لمنح نفسها مسوّغاً عقائدياً في ارتكاب أعمال

إرهابية ودون مراعاة الحدود التي وضعتها الشريعة الإسلامية نفسها لاستخدام القوة.

- وينظر «هاينه» في التاريخ الإسلامي باحثاً عن نماذج لوجود «طاقات

ذاتية» داخل التيارات الإسلامية في اتجاه تشكيل جماعات سرية إرهابية، فيجد

في قصة السّاسانيين وزعيمهم «حسن صباح» من عام ١١٠٠ ميلادي مثالاً؛ إذ

كانت هذه الحركة الشيعية تمارس عمليات قتل في عهد «نظام الملك» الذي وجد

مصرعه باغتياله على أيديها. ويحاول «هاينه» في مقارنته بين الساسانيين

وجماعة بن لادن طرح «صور نمطية» يمكن أن توضّح الجانب النفساني

والتنظيمي والأساليب المتبعة وراء ظاهرة «إجرام المتطرّفين في العالم

الإسلامي» في الوقت الحاضر.

- وفي خطوة تالية يلقي المؤلّف الضوء على نشأة العنف في المنطقة

الإسلامية في نطاق الكفاح ضدّ الاستعمار الأوروبي، فيشرح كيف تكونت مقاومة

يوجّهها زعماء مسلمون ردّاً على السلوكيات والتصرفات المهينة من جانب

المستعمرين؛ فكان المواطنون المسلمون في جميع الدول الإسلامية المعنية يرفضون

السيادة الأوروبية على بلدانهم لأسباب دينية في الدرجة الأولى.

وقد ترك الاستعمار بصماته في المجتمعات الإسلامية فسبّبت خلافات كبيرة

بين الحكّام القوميين الذين فرضوا أنظمة علمانية في بلدانهم الإسلامية مع تقليد

الحضارة الغربية من جانب، والحركات المعارضة الإسلامية من جانب آخر والتي

مارست السلطات مختلف الأساليب لقمعها، كما يقول «هاينه» . ويشير هنا إلى

إخفاق سياسات هذه الحكومات، والتي أدّت في الوقت نفسه إلى لجوء كثير من

المسلمين إلى اتباع «وعّاظ» متطرفين؛ لأنهم لم يروا أمامهم حلولاً للأزمات

السياسية والاقتصادية المستمرّة إلاّ عبر أساليب متطرّفة.

- والجانب الآخر الذي يعالجه الكتاب كخلفية لظاهرة «التطرّف الإسلامي»

هو نظريات المفكّرين الإسلاميين المجدّدين، مثل «جمال الدين الأفغاني»

و «محمد عبده» ، الذين دخلوا في مناظرة فكرية مع الغرب، وتمكّنوا من التأثير

عبر تصوّراتهم وأطروحاتهم على كثير من المفكرين المسلمين. ورغم أنّ المؤلّف

يعطي صورة غير مشوّهة عن الأفكار الرئيسية لتلك الشخصيات، إلا أنّه يعتبر

رجوعهم إلى عهد نزول الوحي «مشكلة» ؛ فمن وجهة نظره كان ذلك باباً فُتح وفق

تعبيره على عالم فكري «تورّط في وهم رجعيّ يتمثّل في الاعتماد على تمجيد

حياة الرسول صلى الله عليه وسلم» . ويخلص المؤلّف إلى القول: إنّ التطرّف

في العالم الإسلامي خطا أولى خطواته اعتماداً على نظريات جاء بها هؤلاء

المفكّرون.

ويبيّن هذا الاستنتاج أنّ النيّة الحسنة والخبرة العلمية الواسعة لا تكفيان

وحدهما لاستيعاب نظريات المفكرين الإسلاميين وفهم مقاصدها؛ إذ يبقى تأثير

حاجز يمنع المستشرق الغربي من فهمها فهماً متوازناً، وهو ما يرجع إلى أنّ

منظوره «العلمي» يعتمد على موازين مستمدّة من خارج منظومة الفكر الإسلامي.

ولكن يبقى «هاينه» في تفسيراته عموماً أهون شأناً بكثير من سواه من

المستشرقين الألمان.

- ويتكلم «هاينه» فيما بعد عمّن يصفهم بـ «المجدّدين المتطرّفين» مثل

الإخوان المسلمين، والذين يعتمدون على نظريات المفكرين الإسلاميين الأسبقين،

ولكن يزيدون عليها دعوتهم للعمل المشترك لبناء مجتمع يعتمد على الشريعة

الإسلامية.

- وفي النهاية يصف الانتقال من «الأصولية الإسلامية» إلى ظاهرة

«الإرهاب» في التسعينيات الميلادية، ويشرح في هذا السياق الفرق بين

الإرهاب التقليدي والإرهاب الحديث الذي يقدّر بأنه الأخطر بكثير. ويقول إن

السبعينيات والثمانينيات الميلادية شهدت قيام بعض المجموعات الإرهابية

الإسلامية وغيرها بعمليات عنف، ولكنّ أكثرها انتُزع من بلاده الأصلية ففقد

علاقته الإقليمية بها، ووجد كثير من أتباعها مجالاً لنشاطاتهم في أفغانستان

والشيشان والبوسنة. وتحول هؤلاء المجاهدون إلى جماعات من «جنود

مرتزقة» ، خفيفة الحركة، قابلة لخوض القتال في أي مكان من العالم لخدمة

أغراض إسلامية. ويصف الكاتب هؤلاء المقاتلين بأنّ أكثرهم ينتمون إلى عائلات

الطبقة الوسطى، ولديهم خبرات مع المجتمعات الغربية، ومِحور حياتهم هو

الجهاد بمفهومه العنيف. وفي هذا السياق يعرض الخلفية الأيديولوجية والثقافية

والمادية «لأسامة بن لادن» . ويتضح من عرضه أنّ السياسة المستفزّة من

جانب حكومات الدول الإسلامية وعبر التدخّلات الخارجية في المنطقة، كانت من

المسبّبات الأساسية التي تدفع المسلمين إلى التطرّف.

البحث الذي يقدمه «بيتر هاينه» في كتابه يوضّح جهده الخاص في

الحرص على تقديم عرض موضوعيّ غير منحاز للمعلومات الخلفيّة والتحليلات.

وقد نجح في ذلك في معظَم المواضع، لا سيّما على صعيد الإشارة الهامّة إلى

العلاقة بين الاستعمار والحكومات العلمانية من جانب ونشأة الجماعات المتطرّفة

كحركات معارضة من جانب آخر، كما أنّ شرحه لظاهرة الإرهاب الجديد وخلفيّاته

تدلّ أيضاً على خبرة علميّة واسعة في هذا المجال. إنّما ينبغي نقد عدم توضيحه

لحقيقة عدم إقدام المفكرين الإسلاميين على التحريض لاستخدام العنف الإرهابي،

وإن اعتُمدت أفكار بعضهم لتسويغ الإرهاب؛ فقد يرجع ذلك إلى أخطاء من جانب

المتطرّفين في فهم نظرياتهم مثلاً.

صحيح أنّ الكاتب لا يذكر في كتابه مباشرة كيف ينظر إلى العرض الرسمي

الأمريكي بصدد اتهام «أسامة بن لادن» وتنظيمه بتدبير عمليات «١١ سبتمبر»

ولكن يتّضح للقارئ عموماً أنه يتوقّع من الإرهاب الجديد الذي تمارسه هذه

الجماعة حسب قوله القدرة على مثل هذا العمل.

وبالإشارة إلى العولمة وظاهرة الإرهاب الجديد العامل على مستوى عالمي،

يرى البروفسور «هاينه» أنّ بذل الجهود في العمل على تخفيف الفقر والتخلّف

وعلى حلّ النزاعات في العالم أجدى من بذل المساعي الكبيرة لحماية الغرب من

اعتداءات إرهابية ومن قدوم مزيد من اللاجئين.


(١) الحرب ضد الإسلام حرب ضد الإرهاب؟ Peter Scholl-Latour: Kampf dem Terror - Kampf dem Islam ? , Popylaen Verlag ٢٠٠٢.
(٢) Ernst-Otto Czempiel: Weltpolitik im Umbruch Die Pax Americana, der Terrorismus und die Zukunft der internationalen Beziehungen, Beck Verlag Muenchen ٢٠٠٢.
(٣) Jean Charles Brisard/ Guillaume Dasquié: Die verbotene Wahrheit Die Verstrickung der USA mit Osama bin laden, Rowolth Taschenbuch Verlag, ٢٠٠٢, ٢٧١ Seiten.
(٤) Peter Heine: Terror in Allahs Namen Extremistische Kraefte im Islam, Herder Verlag, ٢٠٠١, ١٦٠ S.