للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

المسلمون والعالم

[الغد الأمريكي في بلاد الرافدين]

حسن الرشيدي

«إن أمام الولايات المتحدة مهمة ضخمة وطويلة الأمد في العراق» .

هذا تصريح للرئيس الأمريكي بوش عشية سقوط بغداد؛ ولكن هل تغير هذا

الرأي الآن بعد تصاعد مد المقاومة العراقية، وازدياد عملياتها على حد تصريح

متحدث باسم الجيش الأمريكي إلى ١٣ عملية يومياً في المتوسط؟ وتقول لوس

أنجلوس تايمز إن معدل قتل الجنود الأمريكيين ارتفع إلى جندي واحد كل يوم منذ

الأول من مايو الماضي.

فالعراق محور تاريخي، ونجاح أو إخفاق عراق ما بعد صدام سيحدد شكل

ومسار السياسة في الشرق الأوسط، ومن ثم فإنه سيحدد السياسة العالمية للفترة

المتبقية من هذا القرن.

وقد غزت إدارة بوش العراق وفي جعبتها أكثر من مخطط لعراق ما بعد

صدام، وها هي اليوم تحتل العراق؛ لكن لا تعرف ماذا تفعل به، ولا تملك

مخططاً واحداً لصياغة مستقبله.

لطرح تصور لمستقبل الاحتلال الأمريكي في العراق لا بد من دراسة عدة

عوامل تؤثر بدرجات مختلفة على مجريات السياسة في هذا البلد.

وباستقراء الوضع الراهن في العراق، وبتتبع مجريات الأحداث على أرضه

نجد أن هناك ثلاثة عوامل رئيسية لها دور في تحديد ما سيؤول إليه هذا الوضع

المستقبلي:

أولاً: الأهداف الأمريكية من احتلالها للعراق.

ثانياً: السياسات أو الاستراتيجية الأمريكية في سبيل تحقيق هذه الأهداف.

ثالثاً: طبيعة المقاومة العراقية.

* الأهداف الأمريكية من دخولها للعراق:

يتخبط كثير من المراقبين والمحللين السياسيين عندما يريدون معرفة حقيقة ما

تريده أمريكا من العراق: هل هو النفط، أم صياغة جديدة للمنطقة، أم الرغبة في

مساندة إسرائيل، أم أهداف أخرى؟

وتكمن أهمية تحديد أهداف أمريكا من احتلالها العراق في معرفة ما تحقق من

هذه الأهداف وما لم يتحقق، وما تطمع في إنجازه وما تخفق في الوصول إليه.

والواقع أن أغلب المراقبين السياسيين إنما أجمعوا على وجود هذه الثلاثية من

الأهداف التي هي: العقيدة، والنفط، وتغيير خريطة المنطقة. ولكن خلافهم حول

أولويات هذه الأهداف وترتيبها؛ والتي تصب في النهاية لتحقيق الهدف الرئيسي

الذي عبر عنه بوش فى خطابه فى احتفال البحرية الأميركية في فلوريدا يوم

١٣/٢/٢٠٠٣م بقوله: نرغب أن نكون بلداً فوق الجميع.

١ - البعد العقدي في احتلال أمريكا للعراق:

يأتي تأكيد وتثبيت موقع إسرائيل كقوة إقليمية عظمى في المنطقة في مقدمة

الأهداف الأمريكية؛ لأن احتلال العراق من شأنه إيجاد حالة جديدة من التوتر

والخلافات العربية؛ إضافة إلى أنه نجح إلى حد ما في هز الاستقرار الهش القائم

الآن في العديد من الدول العربية، وفي المحصلة النهائية يؤدي إلى مزيد من

الضعف العربي، وهو الأمر الذي يوفر توازناً جديداً للقوى يتيح لشارون فرض

تسوية إسرائيلية يقبلها العرب كارهين أو مكرهين.

ويقول مايكل إيفانز في كتابه (ما بعد العراق النقلة الجديدة) : إن قيام

إسرائيل افتتح حياة الجيل الأخير قبل أرماجدُّون، ثم جاء احتلال كامل أرض

فلسطين في ١٩٦٧م ليؤكد هذه النبوءة، وتسارع التاريخ في الحرب الأخيرة على

العراق ليؤكد الصلة الأبدية المتجددة بين بابل وأورشليم. الأولى هي الظلام،

والثانية هي النور. دمار الأولى شرط انبعاث الثانية. هكذا ورد في العهد القديم

حيث ذُكرت بابل (العراق) ليس أقل من ٣٠٠ مرة بصفتها أرض الخطيئة

الأولى، والتجسّد الشيطاني الأول في (نبوخذ نصّر) سابي اليهود، والوعد

الأول بأرماجدُّون.

لم تفعل الولايات المتحدة، إذاً، سوى تنفيذ المشيئة الإلهية. لقد كانت الحرب

مكتوبة في العهد القديم، ومصير صدام حسين مكتوب، والدمار مكتوب. وتلتقط

مجلة دير شبيجل الألمانية الشهيرة هذه الإشارات؛ ففي عددها الصادر قبل الحرب

بتاريخ ١٧/٢/٢٠٠٣م يحمل عنواناً حول الحرب الأمريكية المرتقبة ضد العراق

حرب جورج بوش الصليبية وتقول المجلة: نلاحظ أن بوش يؤمن إيماناً راسخاً أنه

يقوم بتنفيذ ١٣ تكليفاً إلهياً يقوم على أفكار مسيحية يمينية متطرفة.

والقضية التي يؤكد عليها برنارد لويس المستشرق البريطاني المعروف هي

أن علاقة التحالف القائمة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من الخطأ النظر إليها على

أنها مجرد علاقة تحالف استراتيجي، بل هي علاقة عاطفية أو أيديولوجية في المقام

الأول.

٢ - البعد الاقتصادي:

إن مسألة احتلال الولايات الأمريكية للعراق ترتبط بأهداف استراتيجية

أمريكية كبرى ومتعددة تهدف في نهايتها إلى فرض هيمنة أمريكية على النظام

الدولي، وأحد سبلها في ذلك تتمثل في التحكم في الثروات النفطية في الخليج

وإخضاعها لسيطرة أمريكية كاملة ومباشرة، ومن ثم التحكم في أهم مصدر حيوي

للطاقة والصناعة في العالم، وهو ما يعطي الولايات المتحدة ميزة لا تتوافر لغيرها

من الدول الكبرى الأخرى، ومن ثم يعزز مكانتها ودورها العالمي لعقود قادمة؛ هذا

بالإضافة إلى وضع اليد على شبكة مواصلاتها وموقعها.

ولعلنا نلاحظ أن هدف السيطرة الأمريكية هو على بورصة النفط وليس على

النفط نفسه. وهذه السيطرة هي وسيلة الإنقاذ الوحيدة للاقتصاد الأميركي المتهاوي؛

حيث التحكم بأسعار النفط يجعل الولايات المتحدة قادرة على تحقيق الأرباح على

حساب الاقتصادات الأوروبية واليابانية تحديداً.

عراق صدام من جهته هدد هذا الطموح تهديدات مباشرة، ولعل أكثرها

صراحة هي الدعوة العراقية بتسعير النفط بعملات أخرى غير الدولار. وهي دعوة

تنسف الاقتصاد الأميركي في حال تحقيقها عدا الإغراءات النفطية التي أطلقتها

العراق في السنوات الأخيرة بدءاً من تنازلات للاستثمارات الفرنسية والروسية،

ومروراً بهبات النفط والكميات المعروضة بأسعار متدنية؛ عدا النفط العراقي

المهرب الذي أسس لشبكة علاقات سياسية كادت تتجاوز الحصار المفروض على

العراق.

ويلاحظ بهذا الصدد أن المندوب الأميركي في مجلس الأمن قد اعترض على

تعبير حق الشعب العراقي في موارده النفطية، وتم استبدال ذلك بعبارة غامضة

تتحدث عن حق الشعب العراقي في الاستفادة من استثمار تلك الموارد النفطية.

وشتان بين ما يعنيه كلا التعبيرين.

٣ - إعادة ترتيب الأوضاع ورسم الخريطة السياسية للمنطقة:

وهو الهدف الاستراتيجي لهذه العملية، وهو سينتج تلقائياً مع تحقيق الأهداف

السابقة؛ حيث لا يتبقى إلا وضع الصورة النهائية لخريطة المنطقة السياسية بما

يتلاءم والمصالح الاستراتيجية الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة العربية. وذلك ما

عبر عنه بوش صراحة في خطابه في معهد أميركان أنتربرايز بقوله: إن تغيير

النظام في العراق سيفسح المجال أمام تغييرات إيجابية في كامل منطقة الشرق

الأوسط. ويوضح بوش ذلك في الخطاب نفسه بقوله: إن قيام نظام جديد في

العراق سيخدم كمثال مهم جداً للحرية يلهم البلدان الأخرى في المنطقة.

وتوصل الباحث فيليب جوردون من معهد بروكنجز إلى أن هناك عدة

افتراضات تقوم عليها هذه الرؤية: الافتراض الرئيسي هو أن الوضع الراهن في

الشرق الأوسط لم يعد مقبولاً بعد الهجمات الانتحارية على واشنطن ونيويورك في

١١ سبتمبر (أيلول) ؛ فالذين فجروا الطائرات الانتحارية في برجي مركز التجارة

العالمي ومقر البنتاجون جاؤوا من العالم العربي مدفوعين بكراهية للولايات المتحدة

سببها الدعم الأميركي لنظم غير ديمقراطية.

وقد ورد في نشرة فورين ريبورت الأميركية الاستراتيجية أن من بين

المصالح الأمنية الأميركية في المنطقة، بعد الحملة الأميركية على أفغانستان، إبرام

تسويات سلمية في الشرق الأوسط تستقر مع إعادة رسم الخريطة السياسية الجديدة

للمنطقة التي تشتعل بالصراعات الإقليمية والدولية وفقاً للتخطيط الأميركي، بينما

يبقى الاهتمام الأميركي في المنطقة هو المحافظة على التفوق العسكري الإسرائيلي،

وخلق كيانات صغيرة في المنطقة للمحافظة على ذلك التفوق، ومن ثم تأمين تدفق

البترول من الخليج العربي وبحر قزوين إلى الغرب بالمعدلات والأسعار الملائمة

له، وتأمين خطوط المواصلات البحرية العالمية بما يخدم حرية التجارة الدولية بلا

قيود، وتدفق الصادرات الأميركية والأوروبية، وفي مقدمتها السلاح، إلى الدول

العربية، ودول جنوب آسيا.

ويضيف المصدر الآنف الذكر أن هناك في بعض الدول العربية المجاورة

لإسرائيل فريقاً أميركياً من كبار المخططين السياسيين يدرس أحوال الدول العربية؛

وذلك بهدف تفكيك دول المنطقة وإعادة تركيبها من جديد، بل إن بعض الدول

ستظهر في المنطقة وسيختفي بعضها الآخر.

* ولكن ما هي الاستراتيجية الأمريكية المعلنة لتحقيق تلك الأهداف؟

لصياغة الاستراتيجية الأمريكية لعراق ما بعد صدام انقسمت الإدارة الأمريكية

إلى فريقين:

الفريق الأول: تشكل تحت مظلة (مركز أبحاث أمريكان إنتر برايز) الذي

يعتبر معقل الصقور والمحافظين الجدد في البيت الأبيض والبنتاجون (وزارة

الدفاع) بقيادة ديك تشيني نائب الرئيس الأمريكي مثل دونالد رامسفيلد وزير الدفاع،

ونائبه بول وولفوتيز، وريتشارد بيرل رئيس مجلس السياسة الدفاعية السابق.

أما الفريق الثاني: فقد تشكل داخل (معهد بيكر) الذي أسسه جيمس بيكر

وزير الخارجية في إدارة بوش الأب ليعبر عن الجمهوريين الواقعيين ممن تولوا

مسؤوليات في إدارة بوش الأكبر مثل كولين باول الذي كان رئيساً لهيئة الأركان.

وتضمن سيناريو الصقور إنشاء حكومة مؤقتة بمجرد بدء عملية الغزو يقودها

أحمد الجلبي رئيس المؤتمر الوطني العراقي الذي يضم المعارضة العراقية في

المنفى، وهو صديق مقرب من وولفوتيز نائب وزير الدفاع وريتشارد بيرل أحد

أعمدة أمريكان إنتر برايز ورئيس مجلس السياسة الدفاعية السابق. ولا يحوي

سيناريو الصقور أي دور للأمم المتحدة في عراق ما بعد صدام.

وأخيراً يتضمن سيناريو الصقور احتلال آبار ومرافق البترول العراقي

لحمايتها وإعادة تأهيلها ودفع تكاليف عملية الغزو، ثم الاحتلال والتحكم في سوق

البترول ومنظمة الدول المصدرة للبترول (أوبك) التي تتحكم بها دول عربية.

ولكن استطاع فريق ما يسمى بالمعتدلين في الإدارة الأمريكية والحزب

الجمهوري والعسكريين إبعاد بوش عن خطة الحرب التي أعدها الصقور، ونجحوا

في كشف المفارقة بين ضآلة القوة العسكرية التي تطلبت الخطة وضخامة التكاليف

والأهداف؛ أي استسهال الأمر؛ وكأن منطقة الخليج هي خليج ماعز بوصف

الجنرال أنتوني زيني قائد القيادة المركزية الأمريكية. وقدَّر الواقعيون بقيادة باول

أن غزو واحتلال العراق لفترة يتطلبان مئات الآلاف من القوات وأنظمة أسلحة

متعددة. كما اقترح الواقعيون أن تتحرك واشنطن من خلال الأمم المتحدة وذلك ما

فعله بوش في سبتمبر عام ٢٠٠١م.

وشكل فريق المعتدلين مجموعة عمل تحت مظلة معهد بيكر ومجلس العلاقات

الخارجية في نيويورك بقيادة إدوارد جيريجيان وفرانك ويزنر الدبلوماسيين

المخضرمين في إدارة بوش الأب. وتضمن سيناريو الواقعيين لعراق ما بعد صدام

رفض فكرة حكومة من المنفى، واعتبر سيناريو الواقعيين أن فكرة وجود حاكم

عسكري أمريكي في بغداد كما حدث مع ألمانيا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية

هي فكرة غير مجدية. وأورد تقرير معهد بيكر ومجلس العلاقات الخارجية: أنه

من المهم رفض إغراء فكرة إقامة حكومة عراقية مقدماً حتى لا تواجه بالعداء أو

فرض حكومة ما فيما بعد من قادة المعارضة العراقية في المنفى.

وقد اقترح تقرير معهد بيكر ومجلس العلاقات الخارجية أن تتضمن رؤية

بوش لعراق ما بعد صدام الأمور الآتية:

- الحفاظ على وحدة وسيادة العراق.

- تشجيع قيام حكومة عراقية لعراق ما بعد صدام تستند إلى المبادئ

الديمقراطية وتمثيل تنوع الشعب العراقي.

- الإقرار بحكم فيدرالي (اتحادي) .

- ألا تصبح أمريكا الحاكم الفعلي للعراق.

- إشراك الأمم المتحدة والدول العربية والجماعة الدولية في تقرير مستقبل

عراق ما بعد صدام.

ورفض التقرير سيطرة أمريكا على البترول العراقي؛ فتضمن أنه إذا تمكنت

قبضة أمريكا من البترول العراقي؛ فإن العراقيين سيشعرون بأن العملية الأمريكية

أهدافها إمبريالية وليس مجرد نزع أسلحة الدمار الشامل، ومقابل تغيير نظم عربية

متضمنة السلطة الفلسطينية انطلاقاً من العراق في سيناريو الصقور، وأخيراً حذر

التقرير من أن الولايات المتحدة يمكن أن تواجه هزيمة سياسية بعد أن تكسب

الحرب.

وقبل الحرب كان بوش أكثر ميلاً إلى سيناريو الصقور مع تضمينه بعض

عناصر سيناريو معهد بيكر ومجلس العلاقات الخارجية.

في الخطة قبل النهائية التي استعرضها بوش حسبما نشرت صحيفة نيويورك

تايمز في يناير ٢٠٠٣م تستبعد أن يحكم العراق حاكم عسكري أمريكي على غرار

الجنرال ماك آرثر في اليابان بعد الحرب العالمية الثانية مثلما كان يطلب سيناريو

الصقور وبدلاً من ذلك سيدير العراق حاكم إداري مدني.

ولكن بوش مال إلى الصقور في الوجود العسكري الأمريكي في العراق لمدة

(لا تقل عن عام ونصف عام) وتأخير نقل السلطة إلى حكومة وطنية عراقية (ربما

لسنوات) حسب النيويورك تايمز.

وتعكس المذكرة التي سلمها ريتشارد بيرل مستشار البنتاجون وزارة الدفاع

الأمريكية لمسؤول خليجي قبل الحرب، والتي علقت عليها الصحافة البريطانية

لأيام قبل الحرب، تعكس النية الأمريكية الرسمية للبقاء في العراق فترة من الزمن

تحددها المذكرة بسبع سنوات بغية توليد مناخ ملائم وإدارة عراقية محلية ملائمة

وعلاقات إقليمية بين هذه الإدارة والحكومة من جهة، والجوار الجغرافي من جهة

أخرى؛ وذلك من أجل أن تعلن الحكومة العراقية الجديدة عن علاقات جديدة مع

شركات النفط الغربية العملاقة، تفضي إلى تخصيص النفط العراقي، وأن تؤول

إدارته المباشرة لهذه الشركات الغربية العملاقة، وأن تقتصر علاقة العراق بنفطه

على مجرد نسبة مئوية يتم الاتفاق عليها بين العراق ممثلاً بالحكومة الجديدة

وكونسورتيوم من الشركات المدعومة من الإدارة الأمريكية.

ولكن بعد سقوط بغداد وعلى أرض الواقع توالت الحقائق الميدانية لتفرض

نفسها؛ فالبنتاجون الذي تبنى قوى المنفى العراقي يكتشف الآن أن هذه القوى لا

تملك قواعد شعبية أو أُطُراً سياسية في مجتمع عراقي يجهل زعماءها، بمن فيهم

أحمد الجلبي الذي جلس في نادي الصيد البغدادي منتظراً من الأميركيين نقله برتبة

رئيس إلى أحد قصور صدام، ثم ما لبث أن رحل إلى الولايات المتحدة عله يكتشف

أسباب تجاهله.

ووجدت أمريكا أنها أمام مرجعيات شيعية يبدو أنها أعدت عدتها قبل الحرب

بمسافة زمنية كافية. هذه المرجعيات تثبت وجودها على الأرض؛ حيث تنافس

قوات الاحتلال بالاستيلاء إدارياً ومدنياً على مدن الشيعة في الوسط والجنوب،

وصولاً إلى بعض أحياء بغداد وضواحيها.

وفي ذكرى ما يدعيه الشيعة أنه أربعون الحسين، عبرت هذه المرجعيات عن

حرارة تعصبها الطائفي.

وكان الأمريكيون يراهنون قبل الحرب على عبد المجيد الخوئي، فأتوا به إلى

النجف لعله يتمكن من توحيد الشيعة، ولكن فصيل مقتدي الصدر رد على

الأمريكيين بقتل الخوئي في رسالة إلى أمريكا تطلب أن لا يتجاوزه أحد في كعكة

الحكم.

ولكن الخطورة الكبرى تكمن في الموالين لإيران من فصيل المجلس الأعلى

للثورة الإسلامية بقيادة باقر الحكيم المتحالف حالياً مع السيستاني الذي يعتبر المرجع

الأعلى لشيعة العراق، وقد حذر مؤخراً الولايات المتحدة من أن شيعة العراق قد

ينقلبون عليها ما لم تعوّضهم سياسياً عن عقود من الاضطهاد في ظل حكم صدام

حسين. وقال الحكيم: في العراق هناك أغلبية شيعية؛ لكن النظام السابق عاملها

كأقلية يجب تعويضهم عن هذا الاضطهاد.

وإيران تنحاز للشيعة في العراق، وتعمل على الدفع كي تصبح القوة

المهيمنة في العراق وفي الخليج ككل. وعليه؛ فإن مفتاح الاستراتيجية الأمريكية

في العراق هو ضمان التغيير في إيران، ولعل هذا يفسر الضغط الأمريكي المتزايد

على إيران في هذه الفترة، وإذا أُنجز أي تغيير في نظام طهران بسرعة، أو إذا تم

التوصل إلى صيغة تفاوضية مع الإدارة الأمريكية؛ بحيث يُستعمل الشيعة

العراقيون لإدارة حكومة عراقية على أن يتحملوا وطأة عملية مكافحة التمرد

ومواجهة المقاومة السنية؛ فإن هذه العملية قد تغير حقائق الوضع الحالي.

وسرعان ما استُبدل جارنر وحل محله بريمر هذا الاستبدال كان يعني غلبة

فريق المعتدلين في الإدارة بقيادة باول على فريق الصقور بزعامة رامسفيلد،

وأثبتت الأيام صحة ما أعلنه باول قبيل الحرب؛ حيث طبق السيناريو الذي أراده،

وكان باول قد قال عشية الحرب إن العراق سيوضع في حال أطيح بنظام صدام

حسين تحت إدارة عسكرية أميركية قبل الانتقال في أسرع وقت ممكن إلى إدارة

مدنية أميركية أو دولية وقبل أن يتم أخيراً تشكيل حكومة تمثل العراقيين.

هذه الخطوة الأخيرة تحققت بتشكيل مجلس الحكم الانتقالي الذي يضم ٢٥

شخصاً: ١٣ شخصاً شيعة، و ٥ سنَّة، و ٥ أكراد، وعضواً واحداً لكل من

التركمان والنصارى.

ويقول هوشيار زيباري المسؤول عن السياسة الخارجية في الحزب

الديمقراطي الكردستاني ونائب الهيئة السياسية العراقية التي اجتمعت في مدينة

صلاح الدين وأقرت فكرة مجلس الحكم الانتقالي: إن مهمة المجلس ستكون وضع

سياسات عامة كالنظام التربوي، والنظام القضائي، والسياسة النفطية، والإشراف

على ميزانية الدولة.

ويضيف أن سلطة التحالف شعرت بالحاجة الملحة لتقديم نتائج ملموسة إثر

التقصير في مسألة الخدمات العامة والشؤون الاقتصادية، ومع تردي الوضع الأمني

خصوصاً في بغداد.

* أثر المقاومة العراقية على القرار الأمريكي:

يقول الكابتن جون مورغانال متحدث باسم الجيش الأميركي: إن الهجمات

تؤثر على معنويات الجنود. كلما فقدنا جندياً يكون الأمر صعباً على الوحدة التي

ينتمي إليها وعلى القيادة. وذكرت الإذاعة السويسرية أن الرئيس بوش أعلن

بعصبية واضحة أن الجماعات المبعثرة التي لا زالت موالية للرئيس العراقي

المخلوع، والمقاتلين الأجانب المتسللين إلى العراق، ومن أسماهم الجماعات

الإرهابية التي تشن هجمات ضد الجنود الأمريكان في العراق؛ تظن أن أمامها

فرصة لإلحاق الأذى بالولايات المتحدة ودفعها إلى سحب قواتها من الأراضي

العراقية قبل أن تستتب الحرية وتقوم الديمقراطية، لكنهم مخطئون؛ لأن أمريكا

لديها القوة اللازمة للتعامل مع الوضع، وملتزمة بعدم السماح بعودة الطغيان إلى

العراق.

ونقلت الإذاعة أيضاً عن وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد أنه نفى في

عصبية أيضاً لا تقل عن عصبية رئيسه أن يكون العراق قد تحوَّل إلى فيتنام أخرى

بحرب العصابات التي تشنها جماعات عراقية ضد الوجود العسكري الأمريكي في

العراق. وجاء فيما قال: إن القوات الأمريكية لا تواجه مأزقاً في العراق، ولا

تخوض حرب عصابات كتلك التي تعرضت لها في فيتنام، وإنما تقاتل ضد

مجموعات في العراق هي عصابات النهب، والمجرمين، وبقايا النظام العراقي،

والإرهابيين الأجانب.

وانضم بول بريمر إلى موجة التصريحات النافية لوقوع الولايات المتحدة في

مأزق باحتلالها العراق، فقال: إن الهجمات التي تتعرض لها القوات الأمريكية في

العراق هي رد يائس من أتباع النظام المخلوع؛ ومع أنها تبدو كهجمات منسقة فلا

يوجد دليل على أنها جزء من حملة مركزة تتمتع بتوجيه مركزي.

ولكن الرئيس السابق لقسم الشرق الأوسط في مخابرات وزارة الدفاع

الأمريكية باتريك لانج يرى أن ما يحدث في العراق هو بالضبط البشائر الأولى

للمراحل المبكرة لحرب العصابات، ولن يكون من الصعب على تلك الجماعات أن

تتغلب على خلافاتها وتوحد أهدافها في التأثير على الوجود العسكري الأمريكي في

العراق.

وقال الجنرال أوديرنو آمر فرقة المشاة الرابعة: إن الهجمات التي تجري ضد

الجنود الأميركيين يقوم بها بعثيون وأصوليون وبعض العراقيين العاديين الفقراء

الذين يتلقون أموالاً مقابل الهجوم على القوات الأميركية؛ لكنه رفض التحدث عن

المكافأة المالية المعروضة مقابل قتل الجنود الأميركيين قائلاً: إن أولئك المشتبه

فيهم والمعتقلين حالياً قدموا للمحققين أرقاماً مختلفة.

وعبَّر عمدة مدينة الفلوجة التي انطلقت منها الشرارات الأولى للمقاومة

المسلحة عن بدايات هذا الوضع بقوله: إن المدينة قد أصبحت مركز جذب لكل

العراقيين الذين عبروا عن خيبة أملهم بالحرية الأمريكية التي تحولت إلى عملية

احتلال وقمع. وبحسب ما ذكرته صحيفة (كريستيان ساينس مونيتور) فإن كل

شخص لا يحب الأمريكيين يذهب إلى الفلوجة، وقد كانت تلك المشاعر المعادية

تتصاعد مع الوقت في ظل ممارسات الجنود أو قرارات الحرمان أو سياسات على

نمط تجميع الدولارات أو وثيقة الإدانة وما إليها، ومع وجود ٥ ملايين قطعة سلاح

في العراق لم يكن صعباً أن يتحول الغضب إلى عنف.

لكن المهم أن هذا الوضع قد أتاح لعناصر مؤسسة صدام حسين البدء في تنفيذ

ما لم تتمكن من تنفيذه قبل ٩ إبريل، وهو أشكال مختلطة من حرب العصابات التي

لا تزال في بدايتها وقد تتحول إلى أشكال متطورة منها في الوقت الذي عادت فيه

العمليات العسكرية الأمريكية المحدودة كشبه الجزيرة وعقرب الصحراء وأفعى

الصحراء إلى الظهور مرة أخرى ليتم استئناف الحرب في ظل سباق بين الجانبين

على الشارع العراقي.

ويتهم الأميركيون المقاومة في المثلث السني بأنها مقاومة صدامية أو بعثية،

وليس من المستبعد بالطبع أن تقوم عناصر بعثية أو عناصر موالية لصدام في

الجيش العراقي الذي سُرّح مؤخراً بأعمال مقاومة. بيد أن هذه الأعمال ليست

تعبيراً عن الولاء لصدام أو حتى للحزب؛ بقدر ما هي تعبير عن حالة اليأس

والبؤس بعد أن اقتُطعت موارد رزقهم. كما أن كثيراً من عناصر هذه المقاومة من

الإسلاميين، ويطلقون شعارات إسلامية، وهؤلاء لا يربطهم شيء بصدام.

وفي هذا الإطار أكدت تقارير أميركية مؤخراً أن المقاومة الإسلامية في هذا

البلد ستصبح قوة ميدانية خطرة في غضون ستة أشهر مقبلة مشيرة إلى وجود

معلومات وثيقة بشأن دور بارز لجامع أبي حنيفة في الأعظمية في إعداد خلايا

إسلامية استشهادية. وبحسب باحثين عراقيين؛ فإن العراق سيصبح منطقة الجذب

الأولى للجماعات الإسلامية المناهضة للولايات المتحدة والكيان الصهيوني في

الشرق الأوسط.

وقد تم تداول أسماء تنظيمات أصبح العراقيون يحفظونها عن ظهر قلب من

خلال المنشورات التي يتم توزيعها في المدن ومنها: منظمة المجاهدين، والحركة

الإسلامية، وكتائب الفاروق، وجيش محمد، والرايات السود، والقيادة العامة

للمقاومة. وتنتشر شائعات عن أن أفراد هذه الجماعات بدؤوا يشترون الأسلحة

وخاصة قاذفات الآر. بي. جي، ومدافع الهاون والقنابل اليدوية من الأسواق،

وربما كان ذلك سبباً من أسباب امتناع العراقيين عن تسليم أسلحتهم للقوات

الأميركية. ولكن جماعة سرايا المقاومة العراقية التي تبنت عمليات المقاومة

العراقية العنيفة الأخيرة نفت عن نفسها الولاء للنظام السابق، ولم تفصح السرايا

عن هويتها إلا بأنها مجموعة من الشباب المؤمن بوحدة العراق وحريته وكرامته.

وأمام الولايات المتحدة حالياً ثلاث خيارات استراتيجية:

١ - أفغنة النزاع والانتقال إلى القواعد العسكرية الآمنة، بينما تسمح للمشهد

السياسي بكل تعقيداته وتناقضاته أن يرتسم خارج قبضتها المشددة، وتركز عسكرياً

على عمليات المتابعة في مكان آخر. وبعبارة أخرى: عزل الجيش الأمريكي عن

الوضع العراقي، ومواصلة العمليات في مكان آخر.

٢ - محاولة إجهاض حركة المقاومة، من خلال الهجمات العسكرية المباشرة

والعمليات السياسية.

٣ - التوصل إلى صيغة تفاوضية مع إيران بحيث يُستعمل الشيعة العراقيون

لإدارة حكومة عراقية على أن يتحملوا وطأة عملية مكافحة التمرد ومواجهة المقاومة

السنية؛ فإن هذه العملية قد تغير حقائق الوضع الحالي.

وعليه؛ فإن المفتاح هو الوصول إلى اتفاق مع إيران. فإذا تم التوصل إلى

اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران حول القاعدة والأسلحة النووية فإن الشيعة في

العراق يمكن أن يصبحوا حينها حلاً بدلاً من مشكلة.

هذا الخيار الشيعي تزامن مع بداية الاحتلال؛ حيث تعامل التحالف مع الشيعة

برحابة ومرونة أكبر من السنّة، فتولى الجنود البريطانيون مسؤولية المناطق

الشيعية في الجنوب وهم أقل فظاظة من الجنود الأميركيين المسؤولين عن مناطق

الوسط السنية. لكن هذا التقسيم المحدد للمهمات العسكرية بين طرفي الاحتلال لم

يكن عبثياً، بل كان مبنياً على افتراض ثبتت صحته حتى الآن بالنسبة للأمريكيين.

وإذا كان الخيار الأول قد استُبعد فإن الخيار الثاني يواجه معضلة معقدة؛

فأمريكا تجهل الكثير عن حركة المقاومة العراقية: الحجم، العدد، طبيعة عملها،

مستوى تجهيزها، قدراتها، هيكلتها ... والشيء الوحيد الذي تدركه الإدارة

الأمريكية في العراق أن المقاومة يتحسن أداؤها يوماً بعد يوم، وتكبد قواتها الخسائر

بصفة مستمرة، كما أنها في توسع.

ولا يبقى أمام الولايات المتحدة سوى الخيار الثالث والمتمثل في التحالف مع

الشيعة خاصة في ظل إخفاق أمريكي في حسم أمر المقاومة السنية العسكرية لتجد

أمريكا نفسها مدفوعة إلى هذا الخيار. وهذا الخيار أرحم من الخيارات الأخرى.