للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مراجعات

العقل العربي بين الواقع والأمل..

قراءة في فكر د/ محمد عابد الجابري

عبد العزيز بن محمد الوهيبي

هل يمكن بناء نهضة بعقل غير ناهض.. عقل لم يقم بمراجعة شاملة لآلياته،

ومفاهيمه، وتصوراته، ورُآه..؟ !

ثم لماذا لم تتطور أدوات المعرفة (مفاهيم، مناهج، رُؤى..) في الثقافة

العربية (الإسلامية) خلال نهضتها في «القرون الوسطى» إلى ما يجعلها قادرة

على إنجاز نهضة فكرية وعلمية مطردة التقدم، على غرار ما حدث في أوربا ابتداءً

من القرن الخامس عشر (الميلادي) .!

تلك هي الإشكالية التي شغلت ذهن المفكر المغربي د/ محمد عابد الجابري،

ودفعته إلى إصدار دراساته المتنوعة حول كثير من قضايا الفكر الإسلامي التي منها: «نحن والتراث» صدر عام ١٩٨٠م و «الخطاب العربي المعاصر» صدر

عام ١٩٨٢م و «نقد العقل العربي» الذي بدأ صدور أجزائه عام ١٩٨٦م.

ولعل أهم هذه الدراسات وأكثرها ثراءً، الدراسة الأخيرة التي جاءت في ثلاثة

أجزاء، كان الأول منها عن «تكوين العقل العربي» والجزء الثاني عن «بنية

العقل العربي» والجزء الثالث عن «العقل السياسي» .

والجزء الأول والثاني، أكثر أهمية في نظري من الجزء الثالث الذي درس

نشأة الدولة في الإسلام، وتطورها ... وحاول المؤلف فيه إبراز ما أسماه المحددات

التي بقيت تحكم هذه الدولة في مختلف مراحل مسيرتها الطويلة هذه المحددات

حصرها المؤلف من وجهة نظره في ثلاثة جوانب لا تتجاوزها وهي: العقيدة،

والقبيلة، والغنيمة ... وأحسب أنه لايزال في هذا الموضوع العقل السياسي زيادة

لمستزيد ولم يكن تناول المؤلف لهذا الموضوع كافياً ولا شافياً.

لاحظ الجابري، عندما درس «بنية العقل العربي» أن التصنيف الشائع

القديم للعلوم الإسلامية بتقسيمها إلى علوم نقلية وأخرى عقلية، أو علوم دين وعلوم

لغة، أو علوم العرب وعلوم العجم، لاحظ أن هذه التصنيفات لا تقوم إلا على

اعتبار المظاهر الخارجية وحدها، والتي تذكرنا بالتصنيف القديم للحيوانات حسب

مظاهرها الخارجية وحدها: إلى حيوانات برية ومائية وبرمائية، لكننا بحاجة إلى

تصنيف جديد للعلوم الإسلامية كما ظهر التصنيف الجديد للحيوانات إلى فقريات ولا

فقريات؛ الأمر الذي فتح أمام علم البيولوجيا آفاقا جديدة خصبة وعميقةً.

لقد كان عمل الجابري في هذا البحث «نقد العقل العربي» محاولة للكشف

عن هذا التصنيف الجديد، محاولة لدراسة البنية الداخلية للفكر الإسلامي، وإعادة

التصنيف على أساس لا يؤخذ فيه بعين الاعتبار سوى البنية الداخلية للمعرفة:

آلياتها ووسائلها ومفاهيمها الأساسية.

من هذا المنطلق جاء التقسيم الجديد عند المؤلف للعلوم الإسلامية وتيارات

التفكير الإسلامي إلى ثلاثة علوم أساسية هي:

علوم البيان: وتشمل الفقه وأصوله وعلم الكلام وعلوم اللغة.

علوم البرهان: وتشمل الفلسفة وخصوصاً فلسفة أرسطو!

علوم العرفان: وتشمل التشيع والتصوف والفلسفة الإشراقية.

كان الإمام الشافعي هو المؤسس للمنهج في العلوم البيانية، وكتابه «الرسالة» يعتبر «قواعد المنهج» للفكر الإسلامي، كما وضع ديكارت «قواعد المنهج»

للفكر الفرنسي والأوروبي الحديث، وقد لخص رحمه الله تلك القواعد بقوله:

«ليس لأحد أبداً أن يقول في شيء حل ولا حرم إلا من جهة العلم، وجهة العلم:

الخبر في الكتاب أو السنة، أو الإجماع، أو القياس (الرسالة: ٣٩) فجهة العلم بناء

على هذا النص محصورة في أحد سبيلين: النص (من كتاب أو سنة أو إجماع) أو

القياس (الذي هو إلحاق فرع بأصل لاتحادهما في العلة) فقياس التمثيل إذن هو

الآلية المفضلة عند الفقهاء، وهو الأسلوب الذي يحكم منهجهم في التفكير.. وعن

الفقهاء انتقل المنهج إلى المتكلمين وعلوم النحو والبلاغة مُشَكّلاً بذلك مدرسة

البيانيين.

أما علوم العرفان وهي العلوم التي يقدم فيها العقل استقالته فتبدأ مع بداية

الترجمة، عندما أمر خالد بن يزيد بن معاوية (ت ٨٥ هـ) بترجمة كتب الكيمياء،

والتنجيم، وكتب الطب اليونانية والقبطية، تلك الكتب التي تقدم رؤية هرمسية

غنوصية للكون والإنسان، ثم كان لجابر بن حيان دور في نشر هذه النظرة

الهرمسية، وشاركه في مثل هذا الدور الطبيب الرازي، أما في المجال العقائدي فقد

كان الشيعة أول من تهرمس في الإسلام، ولم تسلم الجهمية هي الأخرى من هذا

التلوث وكذا الصوفية، ثم جاء بعد ذلك دور التيارات الباطنية ممثلة في إخوان

الصفا وفلسفة ابن سينا، التي تزعمت التيارات الباطنية الإشراقية، ثم غدت بعد

ذلك طابعاً عاماً لكثير من التيارات المنحرفة التي كان مدار التفكير فيها والمنهج

المفضل للوصول إلى المعرفة قائماً على أساس الكشف والعرفان والإشراق الذوقي

الباطني، وبخلاف كثير من الباحثين يرى المؤلف أن هذا الاتجاه لم يكن رد فعل

ضد تشدد الفقهاء، ولا ضد جفاف الاتجاه العقلي عند المتكلمين، كلا، لقد ظهر هذا

النظام قبل أن تتطور تشريعات الفقهاء، ونظريات المتكلمين إلى ما يستوجب قيام

رد فعل من هذا القبيل، لقد كان هذا التيار نتيجة لمحاولة عناصر معادية للفكر

الإسلامي وللدولة الإسلامية قادته عناصر من الزنادقة وأتباع الديانات الوثنية؛ من

أجل تقويض البناء الفكري والسياسي للدولة الإسلامية.

هذا عن البيان والعرفان ... أما عن البرهان فيذكر المؤلف تبعاً لما يراه

المستشرق كارل بروكلمان أن المأمون (١٩٨-٢١٨ هـ) إنما أمر بترجمة الفلسفة اليونانية لمواجهة العرفان المانوي الغنوصي الذي اعتمده الشيعة والزنادقة لمواجهة الدولة الإسلامية، لقد كان الكندي (١٨٥-٢٥٢ هـ) هو أول فيلسوف عربي حيث أكد على أن المعرفة إنما تكون حسية أو عقلية أو إلهية أداتها الرسل المبلغة عن الله، وهو بذلك يرفض العرفان الشيعي الصوفي، ثم جاء بعده الفارابي (٢٦٠- ٣٣٩ هـ) الذي حاول» الجمع بين الحكيمين «، أرسطو وأفلاطون محاولا

» التوفيق «بين تيارت الفلسفة اليونانية المختلفة، متوصلاً بذلك إلى أن العرفان إنما هو ثمرة للبرهان.

لقد بقيت مدرسة بغداد كما يرى المؤلف من المأمون وحتى الخليفة القادر

(٣٨١-٢٢ هـ) مركزاً علمياً مخلصاً لاستراتيجية المأمون الثقافية القائمة على

الارتكاز على أرسطو، ومنطقه وعلومه في الحرب ضد الإسماعيلية العرفانية

الهرمسية، ثم تسلم بعد ذلك ابن رشد الراية عنهم، وهو المفكر الذي احتفظ بصورة

فلسفة أرسطو نقية كما جاءت عنه، رافضاً إضافات الفارابي وابن سينا إلى هذه

الفلسفة.

هكذا تشكلت الدوائر الثلاث البيانية والعرفانية والبرهانية في الفكر الإسلامي، لكنها لم تدم مستقلة بعضها عن بعض طوال الوقت، لقد حصل تدريجيا تداخل

بين هذه التيارات ... فلقد حاول ابن سينا تأسيس» العرفان «على» البرهان «،

وذلك بالبحث في الفلسفة عن أسانيد للرؤية الهرمسية للكون والإنسان وعلاقتهما

بالإله.

كما حاول الغزالي تأسيس» البيان «على» العرفان «، وذلك بالتشكيك في

كل قيمة للمعرفة الحسية والتجريبية والعقلية، متوصلاً بذلك إلى تفضيل طريقة

» الكشف «والإلهام باعتبارها طريق اليقين الوحيد.

بينما حاول ابن حزم تأسيس» البيان «على» البرهان «وذلك برفض

قياس الفقهاء التمثيلي، ومحاولة اعتماد البرهان المنطقي الأرسطي المبني على

مقدمتين ينتج عنهما نتيجة ضرورية يقينية، وتابعه على ذلك الشاطبي بعض

المتابعة في محاولته لتأسيس فقه المقاصد.

أما ابن رشد، فقد سن محاولات الخلط بين هذه الحقول، ورأى أن الشريعة

صنو الحكمة وأختها الرضيعة، وأن لا سبيل للبرهنة من أحدهما على الأخرى ...

وهي نتيجة توصل إليها أبو سليمان المنطقي من قبل، لكن كان لابن رشد فضل

بلورتها وتوضيحها.

المؤسف كما يرى الجابري أن محاولة ابن رشد جاءت متأخرة فلم تلق أُذناً

صاغية ممن جاء بعده من المفكرين، بل كان النصر» للعقل المستقيل «في

الحركة الصوفية والشيعية، كما كان النصر حليفاً لاختلاط الأنهر عند المتكلمين

الذي ظهر بظهور الرازي حيث قام تلميذه (الإيجي) بعد ذلك بوضع الصورة النهائية

لعلم الكلام في كتابه» المواقف «حيث يختلط فيه» البيان «بـ» البرهان «بـ

» العرفان «وبذلك ظهرت أزمة الأسس في الفكر الإسلامي، وتشفي الحقيقة ثم

ساد بعد ذلك الجمود والتقليد، وتحريم الاجتهاد والنظر العقلي.

***

هذا عرض سريع لموضوع كتابي» بنية العقل العربي «و» تكوين العقل

العربي «نأتي بعده إلى سؤال مهم: تُرَى ما هي المدرسة التي يتبناها الجابري بين

هذه المدارس المختلفة، والتي يبشر بها ويدعو إليها؟ ! ثم ما هو المقياس الذي

اعتمده في قبول أو رفض هذه التيارات، وما هي الخلفيات الفكرية والاعتقادية التي

كانت تحكم نظرته نحو مختلف المدارس الفكرية..؟ !

قبل الشروع في الإجابة على هذه الأسئلة، لابد من الإشارة إلى ظاهرة لا

تخفى على القارئ لمختلف الإصدارات التي كتبها الجابري؛ ألا وهي رغبته الدائمة

في عدم الكشف عن توجهاته الفكرية بشكل سافر ... اتضح هذا جلياً في حواره مع

» حسن حنفي «في كتاب» حوار المشرق والمغرب «حيث سود صفحات في

بيان رغبة القراء في كشف القناع عن الخلفيات الأيديولوجية التي تحكم من يقرؤن

له، ومع ذلك فلم يحدد توجهاته بوضوح ... ! !

الذي يظهر لي أن حرص الكاتب على عدم إظهار توجهه الفكري يرجع إلى

أحد سببين هما:

*إما أنه لايزال في مرحلة التأمل والبحث والنظر، فلم يحدد بعد توجهاته

الفكرية.

*أو أن الباحث يرغب في نشر إنتاجه الفكري بين مختلف الأوساط دون

عوائق تصنيفية تلحق به الضرر عند من لا يوافق على توجهه الفكري.

على أي حال، فإنه يمكن من خلال التتبع لمختلف دراساته تَبَيّنَ خطوط

رئيسة في خياراته الفكرية نشير إلى شيء منها ها هنا:

بادئ ذي بدء، لا يخفي الكاتب انحيازه للعقلانية حيث يقول:

» ... نحن نصدر عن موقف نقدي ينشد التغيير، من التحرك من موقع

أيديولوجي واعٍ، أي لا بد من الصدور عن موقف تاريخاني (؟) ، موقف يطمح

ليس فقط في اكتساب معرفة صحيحة بما كان، بل أيضاً إلى المساهمة في صنع ما

يتبقى أن يكون، وهو بالنسبة للمجال الذي نتحرك فيه: الدفع بالفكر العربي في

اتجاه العقلنة، اتجاه تصفية الحساب مع ركام ولا نقول رواسب اللامعقول في بنيته.

(تكوين العقل العربي: ص ٥٢) ... «لأن موضوعنا هو العقل، ولأن

قضيتنا التي ننحاز لها هي العقلانية» (التكوين: ص ٧) .

تبني العقلانية، والدفاع عنها، والتنويه برموزها كان هدف الجابري الذي لا

يخفيه في عامة دراساته التي أصدرها ... لكن العقلانية بأي معنى..؟ !

انه لا يوجد صراحة من يعلن الحرب على العقل والعقلانية [١] لكن

الاختلاف يظهر عندما يتحدد المقصود بالعقلانية ... فما هي يا ترى العقلانية التي

يدعو إليها الباحث، وينافح عنها..؟

من خلال الرموز الذين دافع عنهم الجابري يمكن تلمس ملامح تلك العقلانية،

وسماتها الأساسية.

لقد عرض الباحث فكر أرسطو في «بنية العقل العربي» (ص ٣٨٤) دون

أن يتحفظ على شيء مما جاء فيه، كما اعتبر الفارابي الذي يسمى «المعلم الثاني» اعتبره هو الذي أعاد تأسيس العقلانية في الإسلام؛ نظراً لكونه أول من درس

المنطق الصوري كاملاً، وقد تغافل الباحث عن الجوانب الغنوصية في فكره ولم

يعطها وزنها الذي تستحقه، نظراً لأنه كما يقول جعل «العرفان» ينتج عن

«البرهان» ، كما تبنى هجوم ابن حزم على القياس باعتباره منهجاً في البحث لا

يفضي إلى اليقين، واعتبر المنهجية الظاهرية الحزمية في الأصول أمتن من

منهجية البيانيين وأقوم، وكذا أعجب بمنهجية الشاطبي في الموافقات، حيث بنى

الأصول على المقاصد التي تعرف باستقراء أدلة الشرع ...

لكن الشخصية الإسلامية التي تحتل قيمة لا منازع لها عند الجابري هي

شخصية ابن رشد ... إن الخطاب الرشدي يبنى كله على النظر إلى الدين والفلسفة

كبناءين مستقلين، يجب أن يبحث عن الصدق فيهما داخل كل منهما وليس خارجه، والصدق المطلوب هو صدق الاستدلال، وليس صدق المقدمات، ذلك أن

المقدمات في الدين كما في الفلسفة، أصول موضوعة يجب التسليم بها دون برهان: فإذا كانت الصنائع البرهانية، في مبادئها المصادرات والأصول الموضوعة، فكم

بالحري أن يكون ذلك في الشرائع المأخوذة من الوحي والعقل. (تهافت التهافت ٢/

٨٦٩) ، ولذلك «فإن الحكماء من الفلاسفة لا يجوز عندهم التكلم ولا الجدال في

مبادئ الشرائع، وذلك أنه لما كانت لكل صناعة مبادئ، وواجب على الناظر في

تلك الصناعة أن يسلم لمبادئها، ولا يتعرض لها بنفي ولا إبطال؛ كانت الصناعة

العملية الشرعية أحرى بذلك ... » (التهافت ٢/٧٩١) .

علامَ تدل هذه الكلمات؟ ! اعتبار الشريعة نسقاً مغلقاً لا يمكن الاستدلال عليه

من خارجه؛ ألا يعني هذا أن الدين تسليم دون استدلال؟ ! وإذا صح هذا فكيف

يمكن التمييز بين الدين الصحيح والزائف؟ ! ألا تحمل هذه الكلمات بذوراً علمانية

خطيرة؟ !

يعلق الجابري على منهج ابن رشد بقوله: «كانت الرشدية قادرة على طرق

آفاق جديدة تماماً، وهذا ما حدث بالفعل، ولكن في أوروبا حيث انتقلت وليس في

العالم العربي حيث اختنقت في مهدها، ولم يتردد لصيحتها الأولى صيحة الميلاد

أي صدى إلى اليوم..» بنية العقل العربي: ص ٣٢٣) أي صدى تردد في أوروبا، إنه الصدى الذي تبنى العلمانية منهاجاً، وجعل من الدين مواضعات اجتماعية

وأخلاقية خاصة، فمن تبنى العلمانية منهاجاً وجعل من الدين مواضعات اجتماعية

وأخلاقية خاصة، فمن شاء أن يلتزم بها فله ذلك ومن لم يشأ فلا جناح عليه! ! أما

أن يتدخل الدين في صياغة المنهج السياسي أو الاقتصادي، أو العلاقات الخارجية،

فكلا، ليس ذلك للدين وإنما هو للعقل البشري المجرد..! !

هل يريد الجابري هذه النتيجة..؟ ! من العدل أن نقول إنه لم يصرح بهذا

في هذه الكتب ... لكن القارئ بسوء نية يمكنه أن يفهم ذلك. **

ملاحظات ومراجعات:

رغم الجهد الضخم الذي بذله الجابري في إعداد هذا المشروع الفكري مستفيداً

في ذلك ممن سبقه من الباحثين، مسلمين كانوا أو مستشرقين أو ماركسيين.. إلخ؛

فإن المرء لا يسعه إلا أن يتبنى موقفاً مغايراً لما تبناه المؤلف في كثير من المواضع

في تلك الكتابات، نقف في هذا العرض عند بعض منها:

*من الملفت للنظر في هذا المشروع النقدي، أنه في غمرة حماسته للفلسفة

الأرسطية، قد غض الطرف عن النقد الجوهري المتين الموجه قديماً وحديثاً لهذه

الفلسفة، سواء أكان ذلك في المنطق الذي يحكمها أو في النتائج والرؤية التي تنتج

عنها، حتى أن العلم الحديث لم يتمكن من تحقيق فتوحاته العظيمة حتى تحرر من

أسرها، والمؤلف خبير بالمنهج العلمي الحديث في البحث والتفكير، حيث وضع

فيه كتاباً في جزأين تحت عنوان «فلسفة العلوم» ، ظهر له من خلالهما البون

الشاسع بين التفكير العلمي الحديث والمنهج الأرسطي القاصر فلماذا يا تُرَى جعل

الباحث المنهج الأرسطي معياراً للحكم على فكر هذا العالم أو ذاك بالتقدم أو التخلف، بالعقلانية أو عدمها؟ !

حقيقةً.. لا يظهر لي سبب واضح وراء هذه الحماسة والاندفاع.

*رغم أن الجابري لم يبد عداءً نحو منهج البيانيين (فقهاء وأصوليين ولغويين)

فهو في ذات الوقت لم يحدد موقفاً واضحاً من القضايا التي أثاروها ولم يبد انحيازاً

مع تلك الطروحات أو ضدها، وهو موقف غريب غير مبرر. ومن المسائل ذات

الدلالة في هذا الموضوع أن ابن تيمية رغم مساهمته الثرية والعميقة في كل القضايا

التي أثارها المؤلف في كتاباته، لم يلق أي اهتمام يستحق الذكر مقارنةً بغيره من

الشخصيات التي برزت في علم الأصول أو علم الكلام أو الفلسفة ... إلخ.

ورغم عدم تحيزنا للأشخاص، فإنه يمكن اعتبار هذه الظاهرة ذات دلالة لا

تخفى، حيث أن ابن تيمية يشكل ربما الصورة الأخرى لابن رشد ... فرغم

اطلاعه الواسع على الفلسفة بمختلف تياراتها، ودخوله في جدل عميق مع مختلف

طروحاتها، إلا أنه ظل على إيمان عميق لا يتزعزع بأن العقل لا يعارض النقل

ولا يُضادّه، وأن أكمل مناهج التفكير العقلي، إنما هي تلك التي دعى إليها النقل

وحث عليها.

فهو بخلاف ابن رشد يؤمن بأن مبادئ الشرائع يمكن فحصها والاستدلال لها

بالعقل، كما أن مقدمات الفلسفة هي الأخرى تخضع للفحص العقلي والنقلي؛ وذلك

هو الموقف العلمي الصحيح، وإلا كيف لمسلم أن يتورط بالقول بأزلية العالم؟ ،

وذلك مخالف لمسلمة قطعية من مسلمات الدين وهي الاعتقاد بأن هذا العالم مخلوق

بعد أن لم يكن! !

كيف لمفكر يحترم نفسه أن يسلم بالرؤية الفلكية الأرسطية، ويبقى في ذات

الوقت محترماً للنص الشرعي مؤمناً بما فيه، بحجة أن هذه مقدمة فلسفية وتلك

مقدمة كلامية شرعية؟ !

أليس في ذلك تغييباً مقصوداً للوعي؟ ! وعودة لا تخفى إلى التناقض؟ !

*أشار المؤلف إلى أن منهجية البيانيين المفضلة هي الاستدلال بالشاهد على

الغائب، وهي دعوى غير مسلم بها، فلقد كان للأصوليين المتقدمين كلام في

الاستحسان، والمصالح، والاستقراء، والاستنباط، وهي طرائق في الفهم

والاستدلال مغايرة لقياس الشاهد على الغائب.

كما أن للعلماء المسلمين في مجال العلوم الطبيعية، منهجاً تجريبيا متقدماً حتى

إن المسلمين يعتبرون بحق وبشهادة الباحثين الغربيين أنفسهم سبّاقين إلى اكتشاف

المنهج التجريبي، وعنهم أخذته أوروبا في عصر النهضة، وهي قضية لم يعطها

الكاتب حقها من الاهتمام والتقدير الكافيين.

هذه مسألة ... والمسألة الأخرى في هذا الصدد حول قيمة المنهج في الوصول

إلى الحقيقة ... إن التقدم العلمي الهائل الذي تشهده العلوم التجريبية المعاصرة،

ليس في الحقيقة ناتجاً عن تقدم المنهج إطلاقاً ... إنما هو في الواقع ناتج عن

الإمكانات الهائلة التي أودعها الله في هذا الكون ... إنها عظمة الله تتبدى في عظمة

خلقه، وليس ذلك ناجماً عن عظمة المناهج البشرية إن العلم يكتشف الطبيعة

(الخلق) وقوانينها (السنن) ولا يخلقها من عدم ... بل إن لبعض علماء الفيزياء

المرموقين المعاصرين وهو بول ديفيس البريطاني كتاباً سماه «ضد الطريقة -

Against Method» يذكر فيه أن المنهج لم يكن في يوم من الأيام رائداً للبحث

العلمي، بل كان دوماً متخلفاً وتابعاً للبحث العلمي! !

فالدور الضخم الذي يعطيه الجابري للمنهج يحتاج إلى مراجعة وتدقيق.

*في حديث المؤلف عن مرحلة التدوين في العصر العباسي، أشار إلى ما

كتبه ابن المقفع في رسالته التي سماها «رسالة الصحابة» حيث يرى فيها كما

يرى محمد أركون إنها ذات نفس علماني واضح ... ! وحجتهم الوحيدة على ذلك:

هو أنه لم يستشهد في هذه الرسالة بالقرآن، ولا بالحديث ولا بأي عنصر آخر من

الموروث الإسلامي..! والحقيقة أن القارئ لهذه الرسالة لا يجد ذلك النفس العلماني

المزعوم، وإنما غرض ابن المقفع الدعوة لتنظيم الدولة، وتوحيد القضاء، منعاً

للاختلاط والاضطراب، وذلك باستخدام سلطة الخليفة دون أي دعوة ظاهرة أو

خفية إلى تنحية الشريعة، أو تقديم بديل عنها، وهو مطلب لا يوجد أي غبار عليه

، ولا يعتبر مطعناً في صاحبه! .

*يركز الجابري في دراساته المختلفة على البعد العربي لمناهج التفكير

والمدارس التي يحلل إنتاجها، وهو بعد ليس له مبرر، ذلك أن هذا التراث شاركت

في بنائه وتكوينه عقول مختلفة من شتى الشعوب الإسلامية، ولم ينفرد العرب في

تكوينه ولا تدوينه، وإنما هو ثمرة لتضافر جهود آلاف من الباحثين المسلمين في

شتى التخصصات، فلعل الكاتب خشي من سوء الفهم عند نقد العقل المسلم، إذ يفهم

بعضهم ذلك بأنه نقد «للمنهج الإسلامي» وليس لمناهج «المفكرين المسلمين»

والفرق بعيد بين الأمرين.

ورغم وجاهة هذا الاحتمال، فإنه لا يكفي مبرراً لإضفاء صفة «قومية»

على التراث الإسلامي، ويمكن تلافي مثل هذه المخاطر بالتنبيه عليها في مطلع أو

خاتمة مثل هذه الدراسة.

*وأخيراً ... رغم النجاح الواضح الذي حالف المؤلف في تعرية تيارات

الغنوص، والعرفان الرافضي والباطني والفلسفي والصوفي، وكذلك في الكشف

عن مناطق الضعف والخلل عند بعض التيارات الأخرى، إلا أنه في ذات الوقت لم

يبلور للقارئ الملامح النهائية للمشروع النهضوي المنشود الذي تتبناه هذه الدراسة

وتدعو إليه ... فظاهر أن المؤلف لا يقف موقف الموتور المعادي للموروث

الإسلامي، لكنه في ذات الوقت لم يبشر به، ويعتبره المخرج مما نعانيه من أزمة

على شتى الصُعُد..

إن الحلول التي قدمها المؤلف في نهاية كتابه عن العقل السياسي وهي:

«١- تحويل القبيلة: إلى تنظيم مدني سياسي اجتماعي: لأحزاب أو

نقابات ... الخ، وفتح الباب لقيام مجال سياسي حقيقي، تمارس فيه السياسة ويصل بين سلطة الحاكم وامتثال المحكوم.

٢- تحويل الغنيمة: إلى اقتصاد ضريبة في إطار اقتصادي إقليمي جهدي

وفي إطار سوق عربية مشتركة تفسح المجال لقيام وحدة اقتصادية عربية تنموية.

٣- تحويل العقيدة: إلى مجال يسمح بحرية التفكير وحق الاختلاف والتحرر

من سلطة الجماعة المغلقة والتحرر من سلطة عقل الطائفة والتعامل مع عقل

اجتهادي نقدي» (العقل السياسي: ص ٣٧) .

هذه الحلول لا تمثل برنامجاً كافياً مبلوراً للخروج من أزمة التخلف والتبعية

والتشرذم ... ولذلك فإنني أدعو الباحث وغيره من الجادين في الرغبة بنهوض هذه

الأمة، ومحاولة استئناف مسيرتها القيادية لذاتها وللناس أدعوهم إلى مراجعة موقفهم

من الحل الإسلامي، واتخاذ موقف أكثر علمية من الموقف الهلامي الذي يتخذه كثير

منهم ... لابد لهم لكي يكونوا واقعيين مع أنفسهم أن ينحازوا للخيار الذي لا تقبل

الأمة عنه بديلاً ... ألا وهو رفع شعار الحل الإسلامي، والتبشير به والدعوة إليه

والسير الحثيث والفعلي لإنجازه ... [فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده

فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين] (المائدة: ٥٢) ... [صبغة الله ومن

أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون] (البقرة: ١٣٨) ... [ملة أبيكم إبراهيم

هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيداً عليكم وتكونوا شهداء

على الناس] (الحج: ٧٨) .

والحمد لله رب العالمين.


(١) مما يؤسف له حقاً أن من بين المتمسكين بالنص في الإسلام من يتصور أن الإسلام ضد العقلانية، وأن مقتضى الوفاء للنص يعني الحرب والعداء للعقل، ولذلك يصفون المخالفين لهم بالعقلانيين، وهذا خطأ مركب، فعلماء السلف لم يكونوا يسمون أهل البدع إلا بأهل الأهواء لا أهل العقول، ولم يكونوا يحاربون العقل أبداً كيف والله تعالى يبين في كتابه الكريم أن هلاك الهالكين إنما كان بسبب ترك النص والعقل [وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير] ، وهذه العجالة لا تكفي لتوفية هذا الموضوع حقه.
(**) وفي رأينا أن ذلك الرأي ليس لسيء النية فقط وإنما يفهمه أيضاً حسن النية.
- البيان -.