للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[لماذا أخفق مشروع النهضة التغريبي؟]

د. محمد مورو

بعد عشرات السنين من اندلاع حركة التحرر الوطني في العالمين العربي والإسلامي ودول العالم الثالث عموماً، وبعد سلسلة من التجارب والمحاولات لتحقيق وبناء النهضة، اكتشف الجميع قادة ومفكرين أن مشروع النهضة التغريبي ـ أي الذي استند إلى وسائل وأساليب وأفكار مستمدة من الشرق أو الغرب ـ قد وصل إلى طريق مسدود، وأنه لم يحقق أياً من أهدافه المرجوة.

وكان من الطبيعي أن يطرح السؤال نفسه، وهو: لماذا أخفق مشروع النهضة التغريبي ووصل إلى هذا المستوى من الانهيار وعدم الجدوى؟ وفي رأينا أن هذا المشروع النهضوي ـ الذي استند إلى أفكار الحضارة الغربية وأساليبها، والذي تجاهل خاصية الذات الحضارية لبلادنا ـ كان من الطبيعي والمؤكد أن يصل إلى طريق مسدود؛ لأنه افتقد المقومات البديهية لأية نهضة؛ ولأنه تجاهل العديد من الحقائق العلمية حول عملية النهضة.

- إخفاق منهج النهضة:

إذا افترضنا حسن النية في هؤلاء الذين قادوا محاولات النهضة في بلادنا وفي تاريخنا المعاصر فإننا نجدهم قد وقعوا في خطأ علمي فادح؛ حينما تعاملوا مع منهجية التغيير بمعزل عن السياق الحضاري لها؛ لأنه في الواقع لا منهج هناك مجرّداً من مقولاته ونماذجه؛ لأنه تشكل في أحشاء النماذج التي عالجها، واكتسى باللحم من خلال الموضوعات التي ولدها. والمنهج يقوم ويتشكل عبر عملية معقدة من خلال نمط مجتمعي محدد، مما يحدد له مبادئه ومقولاته ونماذجه؛ فالمنهج الأوروبي في النهضة تكوَّن عبر تاريخ النمط الحضاري الأوروبي، ومن ثَمَّ فإن هؤلاء الذين أخذوا منهج التغيير الأوروبي ـ حتى لو رفضوا نظرياً المقولات الفلسفية الحضارية الأوروبية ـ إنما هم في الحقيقة يخدعون أنفسهم؛ لأن هذا المنهج خرج من خلال منظومة حضارية شاملة منهجاً ونماذج ومقولات، ومن ثَمَّ فإن هذا المنهج اكتسى وأخذ هذا الطابع الحضاري المميز له. ولكل حضارة شخصيتها المتميزة، ويكاد يكون من المستحيل زرع حضارة في بيئة حضارة أخرى؛ لأن النتيجة ستكون مسخاً أو ربما أسوأ من المسخ، وحتى هؤلاء الداعون إلى ما يسمى بالتطعيم الحضاري يتناسون حقيقة علمية معروفة؛ وهي أن التطعيم في علم النبات ـ مثلاً ـ لا ينجح إلا بين النباتات المتقاربة عائلياً، وبديهي أن التطعيم والتلقيح بين الحضارة الإسلامية ـ القائمة على التوحيد والعدل والحرية ورجاء الآخرة ـ والحضارة الغربية ـ القائمة على الوثنية والمنفعة غير الخلقية والقهر والنهب ـ أمر غير ممكن عملياً وموضوعياً.

إن الذين حاولوا بناء نهضة على أسس منهجية غربية لم يدركوا حقيقة موضوعية هامة؛ وهي أنهم لا يطبقون هذا المنهج في الفراغ، بل إن شعوباً عاشت تجربة حية من الإسلام لفترة طويلة جداً. إننا أمام حضارة إسلامية عريقة متميزة وثرية، حضارة تمتلك أصلاً نظرياً إلهياً، وتمتلك ثروة من التطبيقات الاجتماعية الهائلة، من خلال ما حدث طوال التاريخ الإسلامي من علاقات وحالات سياسية واقتصادية واجتماعية ارتبطت بالنص الإسلامي أو حادت عنه. وواجهت هذه الحضارة مشكلات في كافة الميادين، وترتب على تلك المشكلات فقه وثقافة وإجابات نظرية وتطبيقية في مختلف الفروع والمجالات الفكرية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والنفسية، فضلاً عن ميادين العلوم الرياضية والطبيعية والفلكية.

وهكذا، فإن القفز على هذا الواقع بكل أوجه الصحة والخطأ، والإنجاز، والقصور فيه سبَّب فجوة هائلة في الوعي والسلوك على حدٍّ سواء، وأهدر كل الأساسات فوق التربة أو تحتها، بحيث كان علينا أن نسير منذ البداية وفقاً للمنهج الأوروبي، ناهيك عن أننا نسير في الطريق الخطأ، وهو الأمر الذي يستلزم مئات السنين زمنياً، هذا إذا أمكن إخلاء الواقع من الوجدان والتراث الإسلامي، وهو مستحيل قطعاً.

إن علم الاجتماع قد أكد على حقيقة بديهية لم يراعها دعاة النهضة التغريبية، وهي أن المنهج العلمي في أساسه أنماط اجتماعية معينة ينبغي أن يتم بمنهج هذه الأنماط ذاتها، وليس بمنهج مغاير، وإلا فإن الأخطاء ستكون بالجملة، أي أنه لا يمكن استقرار عملية النهضة والتنمية في مجتمعاتنا بمنهج مستمد من نمط الحضارة الأوروبية مثلاً، وعليه فإن شرط النهضة هنا هو أن تقرأ الواقع قراءة صحيحة؛ وشرط الصحة هنا أن تكون القراءة من خلال منهج نابع من هذا النمط الحضاري الذي نحن بصدده، وليس من خارجه.

- غياب البعد الثقافي:

محاولات النهضة الحديثة في بلادنا تواكبت مع عملية التحرر الوطني من الاستعمار، ولا شك أن الصراع مع الاستعمار صراع سياسي واقتصادي وعسكري، فلا شك أن الغرب الاستعماري قد استعمل ضدنا أقسى الوسائل العسكرية وأبشعها لتحقيق عملية القهر والنهب، وكذلك لم يتورع عن استعمال كل الوسائل السياسية والاقتصادية في تحقيق أهدافه، ولذلك كان من الطبيعي أن تشنّ حركات التحرر الوطني الحرب ضد الاستعمار عسكرياً وسياسياً واقتصادياً.

ولكن البعد الثقافي لتلك المواجهة كان غائباً، وكان هذا هو السبب بالتحديد في إخفاق مشروع النهضة بعد رحيل الاستعمار، بل الوصول إلى طريق مسدود أهدر كل المكاسب التي تحققت في المجالات العسكرية والسياسية والاقتصادية للمواجهة، بل أقسى من ذلك وأمرّ أننا أصبحنا مهددين بعودة الاستعمار بجيوشه وأساطيله كالسابق وبآليات أكثر تعقيداً وأكثر كفاءة.

إن البعد الثقافي للمواجهة كان يعني ضرورة تصفية الرواسب الثقافية الاستعمارية حكومياً وشعبياً؛ لأن هذا البعد الثقافي مرتبط بتحطيم أو بناء المكونات العقيدية والفكرية والحضارية، والأنماط المعيشية والإنتاجية، وأشكال العلاقات الجماعية والفردية؛ وتحطيمها يعني هدم القلعة من الداخل ومسخ الشخصية وجعلها في حالة عدم القدرة على الصمود والمواجهة، فضلاً عن تحقيق مشروع النهضة، أما بناؤها بصورة صحيحة فيعني التماسك الفردي والجماعي، والقدرة على المواجهة، والقدرة على تحقيق الذات الحضارية ومن ثَم تحقيق مشروع النهضة.

- والتغريب أدَّى إلى الاستبداد:

ما حدث بسبب التغريب يمكن أن نشبهه بنوع من الانفصال الشبكي بين الشعوب والنخب الحاكمة، فأصبحت الشعوب بمعزل حقيقي عن عملية النهضة، ولم تستطع النخبة السياسية أو الفكرية بحكم محدوديتها أن تنجز عملية النهضة.

إن الشعوب كانت وما زالت تحمل الوجدان الإسلامي، كانت وما زالت معبأة بالتراث ومفعمة بالعقيدة، ولا يمكن القضاء على هذا الوجدان أو طريقة التفكير بسهولة؛ ولذا فإن فرض مشروع نهضوي غير قائم على وجدان الجماهير وعقيدتها وحسِّها الثقافي وتراثها التاريخي يجعل تلك الجماهير لا تفهم هذا المشروع ولا تتحمَّس له، أو ترفضه وتعاديه، أو يحدث لها نوع من ازدواج الشخصية أو انفصامها، وبذلك يعود إلى سلسلة من الأخطاء والخطايا تجعل مشروع النهضة في مهب الريح. وإذا كانت النخبة المغتربة جادة في محاولة تحقيق نهضة على أساس تغريبي فإن رفض الجماهير لهذا المشروع النهضوي التغريبي أو عدم حماسها له يجعل تلك النخبة تحاول أن تجبر الجماهير على الانخراط والحماس في هذا المشروع. وبما أن التركيبة الثقافية والوجدانية للجماهير لا تستجيب للتحريض الإعلامي النخبوي بهذا الصدد؛ فإن النخبة الحاكمة تجد نفسها لاجئة في النهاية إلى قمع الجماهير والاستبداد بها وإجبارها ـ قهراً ـ على الانخراط في هذا المشروع؛ وبالطبع تبدأ المسألة من هذه الزاوية وتنتهي إلى أن يصبح الاستبداد والقهر سِمَةً أساسية للحكم التغريبي؛ بحيث يصبح للاستبداد لبنته الخاصة والذاتية حتى يصرف النظر عن مشروع النهضة التغريبي، أي أن التغريب يخلق الاستبداد خلقاً.

- في مسألة الحصول على التقنية:

من الأشياء التي يتشدق بها دعاة مشروع النهضة التغريبي، أنهم يستهدفون الحصول على العلوم الطبيعية أو التقنية من خلال مشروعهم التغريبي المرتبط بالمنهج التغريبي في النهضة، والمنفتح على الحضارة الأوروبية التي أنجزت تقدماً علمياً باهراً.

وينبغي هنا أن نضع الكثير من النقاط فوق الكثير من الحروف في هذه القضية الخطيرة.

ينبغي أن نعرف أن العلوم الطبيعية تنقسم إلى قسمين: قسم خاص بالحقائق العلمية والمكتشفات العلمية، وقسم خاص بتوجيه هذه العلوم في اتجاه معين، أي لإنتاج سلعة ضرورية أو كمالية مثلاً، للقضاء على مرض أو لنشر مرض، أي لإنتاج أدوات تسعد الإنسان وتساهم في راحته، أو لإنتاج أسلحة الدمار الشامل، لإصلاح البيئة والمحافظة عليها أو لتخريبها وتلويثها.

أي أن هناك شِقاً علمياً وشِقاً قيمياً. والشق العلمي تراثٌ إنساني يجب الاستفادة منه وليس تراثاً أوروبياً، ولكن الشق القيمي للمسألة ـ أي توجيه العلوم في اتجاه معين ـ تراثٌ حضاري أي خاص بتوجه وقيم كل حضارة. والحضارة الإسلامية مثلاً عندما كانت متقدمة علمياً كانت توجه هذه العلوم لإسعاد الإنسان وتلبية حاجات كل البشر، بل كانت تسعى سعياً لنشر العلوم ولا تحجبها عن الآخرين؛ لأن حبس العلم جريمة في الشريعة الإسلامية الغراء. أما الحضارة الغربية فإنها عندما تقدمت علمياً استخدمت منجزات العلم في تحقيق أكبر قدر ممكن من النهب وقهر الشعوب الأخرى وظلمها، بل إنها أيضاً حجبت هذا العلم عن الشعوب الأخرى، بل أصدرت القوانين التي تجرم محاولة حصول الآخرين على تلك العلوم، مثل: قضية الدكتور المهندس عبد القادر حلمي مثلاً، بل وتغتال العلماء في البلاد الأخرى حتى لا تحدث نهضة علمية فيها، كاغتيال الدكتور يحيى المشد مثلاً.

إذاً فالعلم كحقائق ومعرفة تراثٌ إنساني ساهمت فيه كل الحضارات والمجتمعات، بل إن النهضة العلمية الأوروبية الحديثة استفادت من العلوم والمعارف الإسلامية في تحقيق تقدمها المعاصر، ومن ثَمَّ فإن الحصول على العلوم واكتسابها ليس قاصراً على المشروع النهضوي التغريبي، بل العكس هو الصحيح؛ فالحصول على العلم هدف أي مشروع نهضوي إسلامي، أما الشق القيمي في العلوم، أي الشق المرتبط بكيفية استخدام هذه العلوم، فهذا أمر مرفوض.

والعجب هنا، أن مشروع النهضة التغريبي لم ينجح حتى في الحصول على هذه العلوم لسبب بسيط هو أن الحضارة الغربية ترفض إعطاء العلوم للآخرين عن طيب خاطر، وما دام المشروع النهضوي التغريبي مشروعاً غير تصادمي مع الحضارة الغربية أي أنه متعاون ومهادن لها؛ فهو لن يحصل على هذه العلوم، بل الصحيح أن المشروع الإسلامي للنهضة هو القادر على الحصول عليها؛ لأنه سينتزعها انتزاعاً، ثم يستطيع أن يهضمها حضارياً، أي أن بإمكانه أن يوجهها التوجيه المتفق مع قيمه الحضارية وللمصلحة الإنسانية.


(*) رئيس تحرير مجلة المختار الإسلامي.