للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

المسلمون والعالم

تأملات في «هروب النخب»

من الدول الإسلامية إلى الغرب

طلعت رميح [*]

تبدو القضية «فنية» .. لكنها «سياسية» .. ومؤشر لـ «الصراع

الحضاري» .. وجوهرها «عقدي» !

هل من سبيل للخروج من هذه الدائرة الجهنمية: الأمة تبذل «بعض»

جهودها.. مالها وعلمها؛ لتربية «النخب» ، والغرب يهيئ لهذه «النخب»

فرص الإبداع والإتقان فتهرب إليه؛ لتظل الأوضاع على حالها.. تتخلف الأمة،

ويتقدم الغرب تقنياً مستخدماً نُخَبَ الأمة ضمن صراعه الحضاري والعقائدي والعنفي

ضد الأمة، ومن يفعل غير ذلك يواجه بالحرب، والحصار التقني (التكنولوجي)

والاقتصادي.. والقتل؟!

على خلفية المواقف الراهنة الطاردة من قِبَل المجتمعات الغربية للطلاب

والمهاجرين العرب والمسلمين؛ شهدت الآونة الأخيرة اهتماماً من الباحثين

والدارسين وفي بعض الأحيان من قبل بعض المسؤولين بقضية «هروب النخب»

من العالم العربي والإسلامي إلى الغرب، فظهرت العديد من المقالات والأبحاث

والدراسات والتصريحات، وأعلنت الكثير من الإحصاءات حول التكلفة المالية التي

تتكبدها المجتمعات العربية والإسلامية في تعليم هذه النخب داخل البلاد العربية..

في مدارسها وجامعاتها، وخلال تلقيها الدرجات الأعلى من التعليم في الأكاديميات

الغربية، وكذلك حول عدد الذين يعودون إلى أوطانهم، وحول أعداد الباحثين

العرب بصفة عامة، وميزانيات البحث العلمي في الدول العربية والإسلامية مقارنة

بالدول الغربية.. إلخ، كما تناولت هذه الدراسات أوضاع هؤلاء «الهاربين»

بعد أن يصبحوا مواطنين حاملين للجنسيات الغربية، وما يعانونه من مشكلات

تتعلق بالعقيدة والهوية الحضارية، وما يتعرضون له من مشكلات اضطهاد ديني

وعرقي، وما يتوفر لهم في الغرب بالمقابل من فرص للنبوغ.. إلخ.

والملاحظ أن الأغلبية من هذه الدراسات نظرت إلى الأمر من زاوية فنية أو

مالية، كما ركزت في بحثها للظاهرة بوصفها ظاهرة تتعلق بالعلماء في المجالات

العلمية أو التطبيقية؛ أي بوصفها ظاهرة تستنزف العقول في مجال التقنية، وتهدر

المال العربي والإسلامي، وباعتبارها في أفضل الأحوال ظاهرة تشير إلى عدم

توفير المال للبحث العلمي في بلداننا، ولعدم توافر الحريات الأكاديمية للباحثين

والعلماء لدينا.. إلخ.

وفي هذه المقالة سأحاول تقديم رؤية لهذه الظاهرة بالغة الأهمية بأبعادها

الشاملة، وأطرح رؤية وفهماً آخر لها؛ بوصفها ظاهرة سياسية وحضارية وعقدية؛

سواء في أسبابها أو في نتائجها، أو في طريقة التصدي الناجح لها.

وسوف أبدأ بضبط المصطلح؛ أي ما هو التعبير الصحيح الذي يجب أن

نطلقه على هذه الظاهرة؟ ثم أوضح حجم الظاهرة وتأثيرها، وجوانب تناولها،

والفهم الغربي لها، وكيف يجب أن نفهمها؟ وأخيراً.. كيف نواجهها؟

وأركز في هذه المقالة على دراسة ظاهرة هروب «النخب» التي تنال

تعليمها في المجتمعات العربية والإسلامية، وتنفق عليها هذه المجتمعات مالها ثم لا

تعود، دون التركيز على دور المهاجرين الذين استقروا في المجتمعات الغربية،

وكيف تتفاعل معهم الأمة ليكونوا أنصاراً لدينهم وقضايا أمتهم داخل المجتمعات

الغربية لا العكس.

* ضبط المصطلح:

كثير من العناوين التي يجري تحتها مناقشة وبحث ظاهرة ذهاب مواطنين

عرب ومسلمين للدراسة في الدول الغربية، بعد أن تنفق عليهم الأمة والمجتمعات

من مالها عليهم لتعليمهم قبل إيفادهم إلى الغرب وأثناء إيفادهم، لتعلُّم التقنية والعلم

الحديث في مختلف الفروع، لكنهم بدلاً من العودة إلى بلادهم لتطوير المجالات التي

ذهبوا لتعلُّم آخر المنجزات العلمية والتقنية فيها؛ يستقرون هناك ويصبح الغرب هو

موطنهم! وهذه الظاهرة يطلق عليها مصطلح «هجرة العقول» ، وهناك من

يعنون أبحاثه ومقالاته بـ «سرقة العقول» أو «استنزاف العقول» ..

فماذا نقول على وجه الدقة؟ وهل يطرح كل مصطلح فهماً مختلفاً؟ إن قضية

هذا المصطلح لا أطرحها هنا على أنها دراسة لغوية؛ فلذلك مجال علمي آخر،

لكنها محاولة للإجابة عن سؤال جوهري هو: أيّ هذه المصطلحات تقدم الدلالة

الصحيحة عن مضمون هذه الظاهرة؟ ولنبدأ بمصطلح «هجرة العقول» ؛ حيث

نرى أنه مصطلح يحمل معنى إيجابياً في الرؤية الشرعية، ويضفي جلالاً على

ظاهرة سلبية بل ومدمرة، فقد استخدم هذا المصطلح للتعبير عن انتقال خاتم الأنبياء

صلى الله عليه وسلم بنفسه وبالدعوة من مكة إلى المدينة المنورة، وكذلك الهجرة

في سنوات الدعوة الأولى إلى الحبشة، «وهي شرعة شرعها المولى جل وعلا،

وجعلها جهاداً ومجاهدة واجتهاداً لتغيير الواقع المهاجر منه، وتحقيق الهدف،

وتجاوز حالة الضعف والرقود، والاستنقاع الحضاري، والركون إلى الذين

ظلموا ... هي حركة إيجابية قاصدة، وخطة محكمة، وعمل محكوم بنية واضحة

الأهداف، وهي أشبه ما تكون بتحرف لقتال أو تحيز لفئة للخروج من حال الذل..

والناظر في الهجرة بكل أبعادها الشرعية وتطبيقاتها العملية، وعبر القرون؛

يبصر أنها ليست ظاهرة سلبية هروبية انسحابية» [١] .

ونضيف أن الهجرة هنا هي هجرة بلا عودة، على ضد الهجرة النبوية

وهجرة الأولين إلى الحبشة، كما أن مصطلح «الهجرة» تعبير يلغي الطابع

الفردي والشخصي وربما الأناني لهذه الظاهرة.

أما مصطلح «سرقة العقول» أو «استنزاف العقول» ؛ فهو في شقه الأول

(سرقة) يركز على دور السارق دون «شمول وتوصيف» دور المجتمعات

العربية والإسلامية الطاردة، هذا في شقه الأول. أما في شقه الثاني (العقول) ؛

فهو ينزع الأمر من محتواه، فالأمر ليس مجرد «عقول» وفقط، والتعبير بـ

«العقول» يستشف منه التركيز على الجانب العقلي العلمي والتقني والتطبيقي

دون الجانب العقدي والحضاري والسياسي والاقتصادي والفكري للنخب..

منابعها وأصولها وتخصصاتها أو دورها الشامل في مجتمعاتها.

وفي ضوء ما سبق؛ فإننا نرى أن مصطلح «هروب النُّخب» هو أفضل

المصطلحات في التعبير عن الظاهرة من زاوية توسيعه لمفهوم الظاهرة؛ فهو لا

يقصرها على العقول العلمية، بل يوسع المفهوم ليشمل النخب من جميع

التخصصات، وهو لا ينطبق عليه ما سبق الإشارة إليه في مصطلح «الهجرة»

الذي يضفي سمواً لفكرة الهروب.

وتعبير «هروب النُّخب» يقدم الوصف الصحيح للظاهرة، فهو في شقه

الأول (هروب) يوصِّف حالة من يتعلمون في بلادهم ويذهبون إلى بلاد الغرب

لنيل مزيد من العلم، من خلال إنفاق مجتمعاتهم العربية والإسلامية عليهم بهدف أن

يعودوا ليطوروا المجالات التي تخصصوا فيها، لكنهم يتركون بلادهم ومجاهدتها

في مواجهة خصومها أو أعدائها، ويهربون ليطوروا مجتمعات الخصوم

الحضاريين؛ بما ينعكس على أمتهم بالضعف، وبطبيعة الحال على الخصوم بالقوة

في الصراع ضد أمتهم.

و «الهروب» هنا يشمل الهروب من مواجهة واقع الأمة في داخلها؛ أي

الهروب من العمل على تغييره؛ ذلك أن الهروب يعني استمرار الظاهرة نفسها،

واستمرار الأسباب نفسها دون مواجهتها؛ حيث يلجأ الهارب إلى الأسلوب الفردي

ليحل مشكلته هو ولو على حساب مصالح الأمة.

وهو في شقه الثاني (النخب) يوسع مفهوم هؤلاء الهاربين من تأدية ما عليهم

من واجبات تجاه بلادهم؛ فلا يقصرها على العقول العلمية وإنما يوسعها لتشمل كل

تخصصات الهاربين.

ويبقى التساؤل عن الدور الغربي في القضية، وفي تقديرنا أن الولاء لعقيدة

الأمة ومصالحها كفيل بعدم تلبية «الطلب» أو الاستجابة للمغريات الغربية؛ سواء

في شقها العلمي، أو في مجال الحريات الأكاديمية، أو في جانبها المالي.

* زاوية التناول:

وكما تتعدد المصطلحات.. تتعدد وتختلف أوجه تناول هذه الظاهرة وزواياه

.. فهناك من ينظر إليها من زاوية استنزافها المالي للميزانيات العربية المخصصة

للتعليم.. وهناك من ينظر إليها من زاوية ضآلة ما توفره الحكومات العربية من

مخصصات مالية للبحث العلمي؛ مقارنة بما تخصصه الدول الغربية.. وهناك من

ينظر إليها من زاوية سيطرة البيروقراطية والفساد على عملية البحث العلمي في

الدول العربية والإسلامية؛ مقارنة بما يجري في الغرب من إعطاء كل الصلاحيات

والحريات لخدمة البحث العلمي.. إلخ.

وكلها وغيرها زوايا للنظر في حد ذاتها صحيحة لكن أياً منها لا يصلح لتقديم

تفسير شامل للظاهرة وكيفية مواجهتها، ويصح القول أيضاً: إنها لا تصلح في

مجموعها للإحاطة بالظاهرة وفهمها حتى لو جمعناها بعضها مع بعض؛ ذلك أنها

تنطلق في التعامل في مجملها مع هذه الظاهرة من زوايا فنية «مالية أو تقنية» ،

والأمر نفسه عند الذين ينظرون إليها من زاوية عدم توفر الحرية الأكاديمية في

الدول العربية والإسلامية مقارنة بالغرب، حتى عندما طوروا فكرتهم باتجاه رؤية

سياسية بناء على أنها خطر على الأمة ظلوا يحاصرون نظرتهم بفهم فني يتحدث

عن الجانب التقني وتأثيراته؛ حيث لم يروا جميعاً أن لهذه القضية هوية عقدية؛

سواء في أسبابها المتعلقة بدور الحكومات، أو حالة الأفراد الهاربين، أو في جانبها

المتعلق بالمجتمعات الطاردة والسارقة أو المستقبلة.. ومن ثم لم يطرحوا لا في

أسبابها ولا في طرق علاجها البعد الأهم.

وهدفي في هذه المقالة إدراك البعد الحقيقي لظاهرة «هروب النخب» ؛

بوصفها قضية ذات هوية حضارية، وذات بعد عقائدي.. ولا حل لها إلا في هذا

الإطار، ومن خلال هذا الفهم.

* بدهيات غائبة:

ولإدراك هذا الفهم وعلى سبيل التقديم أطرح ثلاثة أسئلة قد تبدو بدهية.. أو

حتى سخيفة بعض الشيء.. ومع ذلك فهي أسئلة جوهرية؛ ذلك أن أحد أشكال

المعرفة في مرحلة إعادة البعث الحضاري، أو إعادة بناء المعرفة بعد مراحل من

عمليات الطمس والتشويه المتعمد، وما يبنى عليه ويتراكم لتصبح مسلماته الخاطئة

بدهيات في نظر البعض هو أن تبدأ بإعادة النظر فيما أصبح بدهيات بحكم

استمراره لمدة طويلة لا بحكم أنه صحيح، وأن نقابله بما هو بدهي حقيقي لكنه لم

يعد كذلك.

السؤال الأول: ما هي دول العالم الثالث؟

والسؤال الثاني: هل لقضية هروب أو سرقة العقول أو استنزافها هوية

حضارية، أو أنها مجرد قضية فنية مالية أو تقنية؟

والسؤال الثالث: هل يقتصر دور العقول المهاجرة بالمعنى الواسع للتعبير

على مجرد الهجرة من دولها، وسرقة الأموال التي أنفقتها المجتمعات العربية

والإسلامية وغيرها في إعدادها، أو حتى على مجرد تحويلهم إلى سفراء للحضارة

الغربية لمن يعود منهم، أو أن لهم دوراً أخطر في المشاركة في الحرب من الناحية

العملية شاؤوا أم أبوا على الحضارة العربية والإسلامية والعقيدة؟

- في الإجابة عن السؤال الأول: فإن الرد دون تفكير هو أن دول العالم

الثالث تتركز في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية.

لكن هذا السؤال البديهي.. سؤال بالغ الأهمية؛ ذلك أن معرفة هذه الدول

تحديداً يطرح الفكرة الجوهرية في قضية سرقة عقول النخب؛ فدول العالم الثالث

في غالبيتها الكاسحة ليست إلا الدول الإسلامية؛ حيث إن كل الدول العربية

والإسلامية دون استثناء هي من دول العالم الثالث، علماً أن بعض الدول الأخرى

هذه ليست إلا دولاً إسلامية تم تغيير هويتها العقدية عبر صراع مرير.

وإذا كان قد آن الأوان للتحول من فكرة «العالم الثالث» أو «العالم

المتخلف» و «الدول الفقيرة» ، إلى فكرة الدول الإسلامية ودول أخرى، أو من

المصطلح السياسي والاقتصادي إلى المصطلح الحضاري والعقائدي الذي يخوض

الغرب معاركه على أساسه منذ قرون؛ فإن ما يهمنا هو أن قضية سرقة العقول

واستنزافها لها بعد آخر خلاف البعد المالي أو الفني؛ حيث تطرح جوهر الصراع

السابق والراهن في العالم.. الحرب ضد العرب والمسلمين.. الحرب ضد الإسلام

ومجتمعاته وحضارته، وهي حرب ليست طارئة أو مستحدثة؛ وإنما هي حرب

عميقة الجذور في العقائد والتاريخ والجغرافيا، وما أظهرها الآن بصورة سافرة هو

اضطرار الغرب للجهر بأبعادها الحقيقية تحت ضغط الصحوة الإسلامية العالمية..

ما يهمنا هو أن سرقة العقول من مجتمعاتنا الإسلامية هي أحد أشكال فرض التخلف

التقني والفكري والعلمي، والتي تبدأ من سرقة العقول ولا تنتهي بقتل العلماء الذين

رفضوا الرشوى العلمية والاجتماعية من الغرب، وقرروا البقاء داخل نسيج أمتهم

يجاهدون لتطوير مقدراتها، بل هي ظاهرة تمتد إلى إبادة مجتمعات كاملة لإبقائها

في طور التخلف، وضمن منظومة الضعف والاستكانة.

- وفي الإجابة عن السؤال الثاني: إذا كنا أشرنا إلى أن قضية سرقة العقول

ليست قضية فنية مالية أو تقنية فحسب؛ فإن السؤال الأهم الآن هو: ما الذي يجعل

حكومات عربية وإسلامية لا تهتم باستنزاف نخبها وميزانياتها بصفة دائمة؟ وهل

يكفي لتفسير ذلك: الحديث عن الفساد أو الضعف الإداري أو قلة المال؟ ولإدراك

ذلك نسأل: لو كان هناك تحد حضاري وتحد عقدي تؤمن به هذه الدول.. هل كان

الحال سيكون كذلك؟ والأمر نفسه على مستوى الأفراد: لو كان العالم الفرد مؤمناً

بعقيدته، ويدرك أنه يذهب لأعداء دينه وأمته ليقويهم ويضعف أمته بالمقابل؛ فهل

كان في هذه الحالة سيذهب أيضاً؟ .. هل كان المال سيغريه؟ أو هل كان إثبات

الذات وإجراء الأبحاث سيجعله يترك صفوف أمته؟ وهل كان سيسهل خداعه تحت

أقاويل مثل أن تطوير العلم إنما هو للبشرية جمعاء، وأن التكنولوجيا بلا هوية ولا

دين.. إلخ؟

وبطريقة أخرى: ما الذي جعل بلداً مثل باكستان تصل لصنع القنبلة النووية

دون أن تقوم على ذلك دول عربية أخرى؟ وما الذي يجعل إنساناً يفجر جسده فداءً

لدينه وأمته، ولا يجعل عالماً يبقى ليجاهد من أجل علمه في أمته؟

- وفي الإجابة عن السؤال الثالث: وهو عن دور هذه العقول في خدمة

المخططات الغربية الصهيونية والصليبية؛ فإن قصر فكرة هجرة النخب على

النخب في مجال العلوم التطبيقية وهمٌ وتضليل؛ إذ إن الهجرة شاملة لنخب

المفكرين وعلماء الاقتصاد واللغة.. إلخ، وكذلك فإن قصر فكرة سرقة أو هجرة أو

هروب النخب على مغادرة المجتمعات العربية والإسلامية فهمٌ خاطئ؛ حيث هناك

من يقومون بالأبحاث الفكرية والثقافية واستطلاعات الرأي.. إلخ وهم داخل

مجتمعاتهم الأبحاث المشتركة؛ بما يخدم خطط الأعداء في السيطرة على المنطقة

العربية والإسلامية وحرب عقيدتها وتراثها، مثلهم في ذلك مثل من يسعى بماله إلى

دول الغرب يدعم اقتصادها ليصير أقوى وأشد قدرة على مواجهة الأمة؛ وهو ما

يزال يعيش داخل جسد الأمة يستنزف مالها ويهربه إلى الخارج..

القضية في أصلها ليست فقط الهروب أو البقاء؛ بقدر ما هي قضية الولاء

والارتباط بعقيدة الأمة، ومصالحها وهمومها، وأمنها الوطني والقومي والإسلامي.

* حجم ظاهرة الهروب وتكلفتها المالية:

حجم الظاهرة بالغ الخطر.. الأرقام متكاثره ومرعبة.. من الناحية العددية

تشير الدراسات والأبحاث إلى أن حجم من يعودون من البعثات الحكومية السورية ٥

% فقط، ففي عام ١٩٩٨م بلغ عدد الموفدين السوريين للخارج من جامعة دمشق

وحدها ٣٣٢ طالباً، عاد منهم لسوريا بعد انتهاء دراستهم ١٨ طالباً فقط!

وإذا كان هذا نموذجاً للدارسين الذين لم يعودوا؛ فالمثال الآخر من العراق لمن

عادوا إلى بلدهم واضطروا بعد ذلك للمغادرة تحت ضغط الحصار والقصف والقتل،

فقد غادر العراق بين عامي ١٩٩١ و ١٩٩٨م أكثر من ٧٣٥٠ عالماً تلقفتهم دول

أوروبية وكندا وأمريكا، منهم ٦٧% أساتذة، و ٢٣% كانوا يعملون في مراكز

بحثية في العراق، وكان قد درس منهم ٨٣% في جامعات أوروبية لكنهم عادوا إلى

بلادهم، والباقون كانوا درسوا في جامعات أوروبا الشرقية أو في الدول العربية

وعادوا أيضاً، ثم اضطروا للمغادرة أو الهروب من بلادهم مرة أخرى خلال

سنوات الحصار والقصف والقتل من قِبَل أعداء الأمة.

وفي حالة مصر فقد هاجر ٤٥٠ ألف مصري من حملة المؤهلات العليا من

الماجستير والدكتوراه - برز منهم ٦٠٠ في تخصصات نادرة جداً - كما بلغ عدد

المهاجرين إلى الخارج منها وحدها ٣ ملايين و ٤١٨ ألفاً.

وعن مصر أيضاً فقد غادرها ١٠ آلاف مبرمج إلى الدول الغربية خلال

السنوات الماضية، ٣ آلاف منهم ذهبوا إلى أوروبا في الوقت الذي يعاني فيه

السوق المصري من نقص المبرمجين؛ حيث السوق هناك بحاجة إلى ما بين ٣٢ -

٣٥ ألف مبرمج كمبيوتر.

وتشير الإحصاءات الإجمالية إلى أن ٧٥% من العاملين في الشركات العالمية

في مجال تنمية البرامج العربية هم من العقول العربية العاملة في برامج الكمبيوتر.

وثمة إحصاءات أخرى تقول إن المصانع الكبرى في فرنسا وألمانيا تضم

٨٠% من أصحاب المهارات الفنية من أبناء شمال إفريقيا، ومن الأتراك الأكراد،

ومصر، ولبنان - تشير منظمة الهجرة العالمية إلى أن إفريقيا تفقد سنوياً ٨٠ ألف

عالم وخبير في جميع المجالات -، وهناك تقارير تفيد أن ٨% من مجموع القوة

العاملة العربية هاجرت، وأن ٢٠% من مجموع الأطباء هم الآن خارج المنطقة،

وأن ١٥% من خريجي الأقسام العلمية استسلموا للهجرة الدائمة، وأن ٣٠% من

الطلاب بقوا حيث هم، وأن ٢٧ ألف عربي يحملون درجة الدكتوراه غادروا بلدانهم

إلى أوروبا وأمريكا، وأن هذا الرقم وصل إلى ٣٢ ألفاً في عام ٢٠٠٠م. وأن

هناك ٤١٠٢ عالم مسلم في مختلف علوم المعرفة في مراكز أبحاث غربية مهمة.

ومن الناحية المالية نشير إلى أن مصر تتكلف ١٠٠ ألف دولار لإعداد الفرد

الواحد من الهاربين، وأن المبعوث للحصول على الدكتوراه في الطب الإكلينيكي

يكلف الدولة ٧٥٠ ألف جنيه؛ أي ثلاثة أرباع مليون جنيه، وأن مصر خسرت ٥٠

مليار دولار بسبب عمليات الهروب هذه؛ أي أن الغرب وعن طريق استقبال

المهاجرين حصل من مصر على أكثر من ديونها له البالغة حالياً نحو ٢٧ مليار

دولار! وتشير الدراسات والأرقام أن الدول العربية تخسر سنوياً ١.٥ مليار دولار

نتيجة هجرة حملة الشهادات العليا (الخسارة العربية حتى الآن ٢٠٠ مليار دولار) !!

* أطراف الظاهرة وتأثيراتها:

ثمة ثلاثة أطراف تساهم في حدوث هذه الظاهرة:

الطرف الأول: هو الدول الطاردة.

الطرف الثاني: هو الدول المحفزة والسارقة.

والطرف الثالث: هو الفرد الهارب.

غير أن الجانب الأهم هو: لماذا الطاردة طاردة؟ ولماذا المحفزة والمستقبلة

تبذل كل منها جهدها، وتصل إلى حد استخدام القوة المسلحة والقتل في تحقيق ذلك؟

ولماذا الهارب الفرد على هذه الدرجة من العلاقة مع أمته من ناحية، ومع الدول

الخصم من ناحية أخرى؟

- في جانب الدول الطاردة؛ فإن الأسباب التي تتناولها المقالات والأبحاث

متعددة ومتنوعة ومختلفة؛ منها:

١ - أن هناك ضعفاً في ميزانيات البحث العلمي: حيث تشير الإحصاءات

إلى أن ميزانيات البحث العلمي العربي لا تتعدى ٠.١٦٦٦ % من الناتج القومي،

بينما النسبة في الغرب ٣.٥ % من الناتج القومي، وأن الدول العربية تنفق دولاراً

واحداً على الفرد في البحث العلمي، بينما تنفق الولايات المتحدة ٧٠٠ دولار على

الفرد، وفي الدول الأوروبية ٦٠٠ دولار.. إلخ. وتشير الإحصاءات إلى أنه بينما

تنفق الدول العربية على التسليح التقنية الجاهزة - ٦٠ مليار دولار؛ فإنها لا تنفق

على الجامعات أكثر من ٦٠ مليون دولار!

٢ - وقد انعكس ذلك على عدد المراكز البحثية وعدد الباحثين؛ حيث تشير

الإحصاءات إلى أن عدد مراكز البحث العربي لا تزيد عن ٦٠٠ مركز، وأن عدد

الباحثين العرب لا يزيد عددهم عن ١٩ ألفاً، بينما عدد الباحثين في فرنسا وحدها

٣١ ألفاً يعملون في ١٥٠٠ مركز بحثي.. وبينما كل مليون عربي يقابلهم ٣١٨

باحثاً علمياً؛ فإن النسبة في أوروبا تصل إلى ٤٥٠٠ باحث لكل مليون شخص؛

أي أكثر من ١٥ ضعفاً.

٣ - التعامل مع البحث العلمي بمنطق الوظائف الإدارية؛ حيث تشير

الإحصاءات إلى ١% فقط من ميزانيات الجامعات العربية يتوجه إلى البحث العلمي،

وفي المقابل فإن أمريكا تتجه ٤٠% من ميزانيات الجامعات فيها إلى البحث

العلمي.

٤ - عدم توفر الحريات الأكاديمية والسياسية، ودخول المحسوبية والرشوة

في عمليات تعيين الباحثين، وتدني أجور العلماء والفنيين العرب، في حين يجري

إغداق الأموال بسفه غير محدود على الفنانين والمطربين.. إلخ!

٥ - عدم التصدي للمشكلات الإدارية والفنية؛ حتى إن بعض الجامعات

العربية ترفض معادلة درجات علمية صادرة في الغرب بالدرجات العلمية الصادرة

منها.

- وفي جانب الدول المحفزة للهجرة والمستقبلة:

١ - هناك الإغراء التقني الذي توفره الشركات العالمية لهؤلاء الخريجين؛

حيث توجد أحدث المعامل والإمكانيات الهائلة للإنفاق على الأبحاث.

٢ - وهناك الرواتب المجزية دون شرط أو تمييز.. (المبرمج يحصل على

متوسط ٦٠٠ ألف دولار سنوياً) .

٣ - وهناك التقدير والاحترام لمؤهلات وقدرات العلماء، وليس المثل الأعلى

هو الراقصات والمغنيين.

- وفي جانب الأفراد الهاربين:

١ - هناك الرغبة في نيل العلم وتحقيق الأبحاث العلمية، ونيل الدرجات

العلمية التي تلقى اعترافاً دولياً.

٢ - وهناك الرغبة في رفع المستوى الاجتماعي والحياة في مجتمعات تقدر

أبحاثهم وعلمهم، وتجزيهم مالياً.

٣ - وهناك اليأس من عملية إصلاح الجهاز الإداري في مجال البحث العلمي

في الدول العربية والإسلامية، واليأس من إمكانية تحقيق حريات البحث العلمي في

إطار إهدار الحريات السياسية في المجتمع.

٤ - الانبهار الحضاري بالغرب، وإنجازاته، وفرص الحياة فيه.

٥ - وهناك افتقاد المناعة في التعامل مع الخصوم والأعداء الحضاريين

والعقائديين.

* كيف نفهم القضية؟

تلك هي خريطة الظاهرة: الطارد، والجاذب، والمطرود (المنجذب أو

الهارب) .

غير أن الجانب الأهم هو تناول الظاهرة من زاوية أسباب المرض لا

أعراض المرض، فكل ما أشير إليه سابقاً في الدول الطاردة هو أعراض لمرض،

وكذا الأمر نفسه بالنسبة للدول الجاذبة؛ حيث ما ذكرناه هو المظهر وليس الجوهر،

والسؤال هو: لماذا دولنا طاردة؟ أو لِمَ تستمر خسارتها لنخب مجتمعاتها دون أن

تحرك ساكناً؟ وبالنسبة للعلماء الهاربين فالسؤال هو: لِمَ فضل العلماء والباحثون

بل والسياسيون الهاربون فكرة الحل الفردي؟ ولِمَ فقدوا مناعتهم في التعامل مع

الأعداء والخصوم؟ وفي الوقت نفسه وعلى الجانب الآخر السؤال هو: لماذا

يتعامل الغرب مع أي دولة عربية وإسلامية تبدأ العمل في مشروع نهضوي يكفل

توفير ظروف أفضل للتنمية والبحث العلمي بإجراءات الحصار التقني والاقتصادي

والسياسي، ويصل الأمر إلى قصف المنشآت العلمية واغتيال العلماء؟

إن هوية القضية وجوهرها لا يمكن فهمه من خلال الجوانب الفنية التي تساق

من قبل الكتابات التي ترى الأمر في جوهره مالياً أو تقنياً، أو حتى يتعلق بخطورة

الظاهرة على جوانب التطوير والتنمية، وإنما من فهم جوهر الظاهرة، وجوهرها

أنها قضية سياسية وحضارية وعقدية، قضية صراع ممتد ومتعدد المجالات.

إن النموذج الذي سقناه حول وضع العلماء العراقيين أكثر القضايا التي تجسد

هذه القضية، فهي من ناحية ترتبط بدولة لم ترفع شعارات عقائدية للتنمية والتطوير

التقني، وإنما فقط رفعت شعارات وطنية وقومية، ومع ذلك ووجهت بالعدوان

العسكري والحصار التقني، حتى وصل الأمر إلى اعتبار الدواء سلعاً مزدوجة

الاستخدام، والإجبار على وقف كل مشروعات التطوير التقني التي لم تدمر في

الحرب، وتسليم كل المعلومات عنها؛ حيث يجري المفتشون الدوليين في كل أنحاء

العراق للبحث عن معمل هنا أو هناك.

وكذلك فإنها تطرح حال النخب الهاربة؛ حيث ظل الغرب يضغط بكل

الوسائل والطرق حتى هرب العلماء، ومن لم يهرب منهم فهو الآن في حكم الأسير

وفق قرار مجلس الأمن الأخير؛ فكل عالم قابل للاستجواب مع توفير الحماية له

لكي يخون بلده بالإكراه. بل إن قضية العراق تطرح كذلك مسألة تصفية العلماء

وأشهرهم يحيى المشد، وهي تطرح قضية تهيئة الظروف المناسبة لعمل العلماء،

بل حماية العلماء أمنياً وعسكرياً.

إن الفكرة الجوهرية هي أن التطوير العلمي والبحثي فى جميع المجالات

معركة بكل معنى كلمة المعركة، وهنا قد يسأل سائل: ألم تكن الجهود الغربية

مركزة في حالة العراق على مجال تطوير التقنية العسكرية؟

وعلى الرغم من أن العالم الغربي كله يمتلك هذه التقنية، وأن المقارنة بين

الموقف الغربي من العراق ومن كوريا شاهد على عمق العداء للعالمين العربي

والإسلامي، وعلى الرغم من أن الموقف الغربي المتفاوت في التعامل مع تجربتي

التفجير النووي لكل من باكستان والهند إلا أن بعض الناس لا يدرك الحجم الهائل

للتداخل بين مجالات التقنية المدنية والعسكرية؛ حيث لا يمكنك إطلاق مجرد قمر

للاتصالات وللبث التليفزيوني دون امتلاك صواريخ الدفع، بل إن التقنية العسكرية

هي قاطرة التقنية المدنية كما هو الحال في ملايين الاختراعات، فالإنترنت مثلاً

ابتكر وبدأ العمل به في الأغراض العسكرية ثم توسع ليشمل مجال التقنية المدنية؛

أي أن الحصار للعالم العربي والإسلامي حصار تقني شامل.

إن جوهر القضية هو فكرة الصراع لمنع العالم الإسلامي من امتلاك التقنيات

الحديثة، أو في تطوير مجتمعاتها سياسياً وإدارياً، وفي القلب منها مسألة سرقة أو

استنزاف العقول، وفي القلب منها استخذاء النظم العربية والإسلامية في المواجهة،

وفي القلب منها لجوء العلماء والباحثين إلى الهرب من أوطانهم.

* وكيف يفهمها الغرب؟

يفهم الغرب القضية على أنها إعادة لإنتاج التخلف في العالمين العربي

والإسلامي، فهو يستقطب النخب العلمية والفكرية والسياسية التي بإمكانها تطوير

هذه المجتمعات على جميع المستويات من وجهة نظره.

ويفهمها على أن هذه النخب هي القادرة على تقديم رؤية دقيقة للمجتمعات

العربية والإسلامية؛ بدءاً من فهم هذه المجتمعات لغزوها فكرياً وسياسياً واقتصادياً،

أو حتى لفهم أذواقها في السلع؛ أي كتعزيز للمشروع الاستعماري.

ويفهمها على أنها وسيلة توفر المليارات وتدر ملايين الدولارات سنوياً

للخزانات الغربية، وتنتهي نتائجها بالإجمال لصالح الاقتصاد الغربي؛ حيث يربي

العرب والمسلمون النخب التي لديهم في الجامعات الغربية، ويدفعون مقابل ذلك

المليارات، ثم يقوم الغرب بتوظيف هذه الكفايات لصالح الاقتصاد والمجهود

الحربي والسياسي والثقافي الغربي، وينظر إلى القلة الذين يعودون الى أوطانهم

على أنهم سفراء جيدون لنمط الحياة الغربي في الشرق العربي والإسلامي. ومن ثم

فإن الغرب يدرك المضمون الحضاري الشامل لهذه الظاهرة، على ضد الفهم التقني

والمحدود في معظم الكتابات العربية والإسلامية.

ومن جراء هذا الوعي بأهمية تلك الظاهرة؛ تكفي الإشارة هنا إلى أن

الولايات المتحدة رفعت عدد من تمنحهم بطاقة الإقامة (جرين كارد) من ٩٠ ألفاً

للمتخرجين في مجالات التقنية العالية في عام ١٩٩٨م إلى ١٥٠ ألفاً في عام ١٩٩٩م،

و٢١٠ في عام ٢٠٠٠م، لقد فتحت أمريكا بصدور قانون الهجرة عام ١٩٦٥م

كل الأبواب وبكامل إمكاناتها لعناصر التفوق في العالم لتصب في مصلحتها؛ الأمر

الذي أدى إلى تضاعف قوتها العلمية والبحثية ومن ثم قوتها الاقتصادية والعسكرية..

لقد كان القانون الجديد للهجرة من أذكى القوانين؛ إذ استند إلى إكساب الجنسية

على أساس المهارات وإتقانها، ومن جراء هذا الوعي يرفض كثير من الكتاب

الغربيين العمليات العنصرية التي تجري ضد طلاب العلم العرب والمسلمين في

الغرب حالياً من منطق الصراع الحضاري.

* مؤشرات إيجابية:

ثمة مؤشرات إيجابية في هذه القضية، وللأسف من الطرف (الجاذب) دون

أن تكون من الطرف (الطارد) حتى الآن، لكنها ربما تكون نصف خطوة ولو

على الأقل من باب ألا يجد العلماء العرب المسلمين أن ليس أمامهم سوى أن يعودوا

إلى أمتهم ومجتمعاتهم للدفاع عن علمهم ومكانتهم داخل مجتمعاتهم.. أن يعودوا

ليجاهدوا ويثابروا من أجل دفع الحكومات إلى الرشد، وتحقيق المصلحة العامة

للأمة بدلاً من استسهال الهجرة والهروب والحلول الفردية.

المؤشرات الإيجابية قادمة من هناك من الطرف الآخر أي من قبل المجتمعات

الغربية نفسها حيث تجري عمليات التضييق على الطلاب والعلماء العرب؛ حتى

عاد الآلاف منهم، بل إن المستقرين لم يعد أمامهم فرصة لاستمرار الحياة في

المجتمعات الغربية كما كان الحال في السابق.

والسؤال الأهم الآن ليس هو التشهير بالمجتمعات الغربية باعتبارها مجتمعات

طاردة، ولكن السؤال هو: كيف ستتعامل الحكومات والمجتمعات الغربية مع هذه

الكفايات العائدة؟

وهذا هو السؤال نفسه الذي يجب أن يطرح بصدد رأس المال العربي

والإسلامي النازح من الغرب؛ إذ لا يكفي أن نتشفى في هؤلاء الذين تركوا أوطانهم

ولم يقدروا أن المال مال الله، فباتوا اليوم مهددين بمصادرة أموالهم.. السؤال هو:

ماذا سنفعل معهم؟ ماذا سنفعل مع العقول العائدة؟ هل تذهب للدواوين الحكومية أو

أن هناك إمكانيات خلاَّقة للاستفادة من علمهم ويكفي ما ضاع؟

إن أهمية ذلك تأتي أيضاً من أن طموح الدراسة في الجامعات الغربية،

والانبهار بالحضارة الغربية؛ قد بدأ يتبخر في أذهان الشباب العربي والإسلامي،

وبات الآلاف منهم يفكرون في العودة، عاد على سبيل المثال ٢٤ طالباً من بين ٦٢

طالباً من دولة الإمارات كانوا التحقوا حديثاً بجامعة ولاية كاليفورنيا؛ بسبب

الممارسات العنصرية ضدهم، وحملات القبض والتفتيش والتحقيق والاحتجاز

والتنصت، وفحص البيانات الشخصية، وحتى القتل.

ويبقى أن أهم مؤشر إيجابي صادر من الأمة حتى الآن هو ما تقوم به

المنظمات الجهادية في فلسطين الآن من تطوير تقنية خاصة تجابه بها التقنية

العسكرية الغربية المتقدمة.

* المستقبل وكسر الدائرة الجهنمية:

لقد كانت معظم الدول والمجتمعات الإسلامية وما تزال مربوطة وتدور في

دورة جهنمية محكمة من الخارج ومن الداخل: فى الداخل تحكم هذه المجتمعات

بحكومات وأنظمة سياسية لا تنمي الهوية والعقيدة، ولا تملك مشاريع تنموية حقيقية

تمثل تحدياً عقدياً وحضارياً في مواجهة الغرب، وهو ما يجعل المواطنين لا

يتربون على مفهوم الارتباط بعقيدتهم وأمتهم وتراثهم وشعوبهم وأوطانهم، ولا

يتربون على تكريس كل جهدهم العلمي والفكري والسياسي لنصرة الإسلام

والمسلمين. حكومات وأنظمة لا توفر لهم الحد الأدنى من الحرية الأكاديمية

والميزانيات للبحث العلمي في جميع المجالات؛ مما يزيد في سيادة مناخ النزعات

والحلول الفردية، ويوفر المسوّغات للهجرة والهروب ليصبحوا لقمة سائغة للغرب،

وبعد إقامة رأس جسر في جامعة في أوروبا أو أمريكا؛ يكون محطاً لرحال

مهاجرين آخرين من الأقارب والزملاء في المهنة وأبناء البلد الواحد؛ يصبح ما

يراه الطالب الدارس في الغرب من استقرار غيره وبحبوحة عيشه أمراً يفقده

المناعة والرفض. ومن الخارج تكتمل الدورة الجهنمية؛ حيث تساند أمريكا

والغرب بعض أنظمة الحكم هذه التي ترتبط بمصالحهم؛ حيث لا تملك مشروعاً

عقدياً أو حضارياً أو مشروعاً متحدياً. أما من يرتكب منها «خطأ» التطوير

والتحديث تحت أي شعارات قومية أو وطنية أو إسلامية؛ فإنه يواجه بالحرب

والحصار السياسي والتقني والاقتصادي، ثم بالعدوان العسكري، فتقصف منشآته

العسكرية والاقتصادية والمدنية، ويهدد بالسقوط.

وبعد أحداث سبتمبر أصبحت المعادلة أكثر تعقيداً؛ فالجديد فيها أن الغرب

أصبح يخوض المعركة ضد الأمة بشكل سافر وتحت شعارات عقائدية؛ أي ضد

الإسلام والمسلمين، ولم يعد يفتح أبوابه على مصراعيه للمهاجرين العرب

والمسلمين؛ ومن ثم فإن السؤال الآن هو ليس في جانب توفير المال والحريات

الأكاديمية.. إلخ، ولكن السؤال هو: هل يمكن أن تكون هناك مجتمعات ودول

تؤسس للعقيدة، والمواجهة، وحماية العلماء؟


(*) رئيس تحرير صحيفة الشعب القاهرية.
(١) عمر عبيد حسنة، البعد الحضاري لهجرة الكفاءات، كتاب الأمة، العدد ٨٩.