للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

دراسات تربوية

[تأملات في معاني كلمات الأذان]

بقلم: د. محمد عز الدين توفيق

ليس: المقصود من هذا المقال تفصيل أحكام الأذان وبيان شروطه وسننه

وآدابه، فذلك مذكور في مواضعه من كتب الحديث والفقه، ولكنه نظرات في

كلماته الجامعة، وتأملات في معانيه الكبيرة، بقصد الوقوف على الحقائق الدينية

التي تقررها تلك الكلمات، وتسعى إلى ترسيخها في نفوس المسلمين، بل في

نفوس الناس كافة.

مَنْ منا لم يسمع الأذان؟ ومن منا لم تطرق كلماته المتميزة أذنيه؟ إن كلمات

الأذان بحمد الله (تعالى) تتردد في كل بلد مسلم، وترتفع كل يوم خمس مرات من

آلاف المآذن والمساجد المنتشرة في المدن والقرى، بحيث يمكن القول: إن عدد

المرات التي يسمع فيها المسلم الأذان في حياته يفوق أي كلمات أخرى تتكرر على

سمعه.

الأذان هو ذلك النداء الذي يعرفه كل مسلم، ويحفظ كلماته منذ طفولته وصباه، فهو شعار من شعائر الدين المشهورة، لكن هذه الشهرة التي يتمتع بها الأذان بين

المسلمين لا تعني بالضرورة أن المعاني والحقائق التي ينادي بها معروفة لكل الناس، فشهرة الكلمات تقابلها غربة المعاني والمضامين.

إن معظم المسلمين يعرفون الأذان بوصفه أداة تجمعهم على الصلوات في

المساجد، وقد يعرف بعضهم المعنى اللغوي لكلماته وألفاظه، ولكنهم يتفاوتون في

معرفة المعاني الشرعية التي تحملها تلك الكلمات؛ مما يجعل لهذا الموضوع أهمية

كبيرة، لأنه يحاول إحياء هذه المعاني والإشارة إلى هذه الحقائق حتى إذا سمع

المسلم الأذان حضرت في قلبه وذكرها في نفسه، وهي حقائق لا يجوز أن تغيب

عنه، فيتولى الأذان تذكيره بها بصفة مستمرة.

وقد شُرع الأذان في السنة الأولى بعد الهجرة، بينما فرضت الصلاة قبلها بعدة

شهور في ليلة الإسراء والمعراج، ويبدو أن تشريع الأذان تأخر إلى ما بعد الهجرة؛ لأنه لم يكن للمسلمين بمكة مسجد يجتمعون للصلاة فيه، فلما هاجروا إلى المدينة

وبنوا المسجد احتاجوا إلى أداة تجمعهم في وقت واحد لإقامة الصلوات المكتوبة في

جماعة.

وكانت الأدوات التي يُدْعَى الناس بها إلى الصلوات والطقوس الدينية هي:

النفخ في البوق كما عند اليهود، والضرب على الناقوس كما عند النصارى،

وإشعال النار كما عند المجوس، فأبدل الله هذه الأمة بذلك كله: كلمات الأذان،

والملاحظ أن الفرق بين هذه الطرق الثلاث وبين رفع الأذان هو أن هذا الأخير

كلماته مركبة في جمل لها معنى يرددها إنسان ويرفع بها صوته؛ فيفهمها من له

معرفة باللغة العربية أو من تُرجمت له معانيها ونقلت إليه باللغة التي يتكلمها، بينما

النفخ في البوق أو الضرب على الناقوس لا ينشىء كلاماً له معنى، وإنما يحدث

أصواتاً صماء غاية ما تدل عليه هو الهدف الديني الذي وضعت له، لكنها لا تحمل

إلى السامع معاني أخرى عبر الصوت الذي يصل إلى مسامعه، وهذا الذي ذكرناه

عن النفخ في البوق والضرب على الجرس ينطبق على إشعال النيران أيضاً.

فلا يمكن أن يكون العدول عن هذه الطرق الثلاث إلى كلمات الأذان لمجرد

مخالفة المشركين وأهل الكتاب، ومع أن القصد إلى مخالفتهم واضح في تشريع

الأذان؛ لأنه شعار من شعائر الدين، لكن القصد إلى المخالفة والتميز لا يمنع من

إثبات قصد آخر، هو: تركيز معاني الإسلام وحقائقه الكبرى في كلمات هذا الأذان

ليؤدي مهمة مزدوجة، ويجتمع للمسلمين في أداتهم ما لم يجتمع لمن قبلهم.

إننا نلاحظ لدعم هذا المعنى الأمور الآتية:

أولاً: الأذان كلمات مختارة ومرتبة بعناية، وهذا الاختيار والترتيب مقصود

لأمر يتجاوز مجرد الإعلام بدخول وقت الصلاة.

ثانياً: السنة في الأذان أن يجهر به المؤذن، ويمد الصوت بألفاظه حتى يصل

إلى أطول مسافة وأكبر عدد من الناس.

ثالثاً: تكراره مع دخول وقت كل صلاة وعددها في اليوم خمس، فيتكرر

خمس مرات في كل يوم صبحاً وظهراً وعصراً ومغرباً وعشاءً.

رابعاً: النهي عن خلط أي كلمات أخرى به سواء في أوله أو في آخره حتى ...

تتميز كلماته عن غيرها من الكلام الذي قد يزيده الناس، وقد حفظت كلمات الأذان

بالتواتر على مر العصور، تبدأ بكلمة (الله أكبر) ، وتنتهي بـ (لا إله إلا الله) .

خامساً: ليس كل من يسمع الأذان بالضرورة من المصلين، بل ليس كل من

يسمع الأذان مسلم، فلا شك أن للأذان رسالة إلى هؤلاء.

سادساً: اختيار المؤذن الأندى صوتاً، فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال

للصحابي الذي رأى في منامه من يعلمه الأذان: «قم فلقنه بلالاً فإنه أندى صوتاً

منك» [١] . والصوت الندي هو: الصوت القوي الواضح الجميل الذي تجتمع في

صاحبه الموهبة والدربة، فلا يكون الصوت حسناً بالأذان إلا إذا كان النطق به وفق

قواعد اللغة العربية ومخارج حروفها، وهذا بالتأكيد من أجل أن يفهم الناس عن

المؤذن ما يقول، فإذا كان الصوت منفّراً أثر في هذه الغاية وأضعفها.

سابعاً: الترغيب في المؤذن الذي لا يأخذ على أذانه أجراً وتفضيله على الذي

يأخذ؛ ليمتزج إخلاص قلبه مع كلمات لسانه، ولذلك أثره في نفس السامع.

سبب مشروعية الأذان:

لقد كان سبب مشروعية الأذان رؤيا رآها الصحابي الجليل عبد الله بن زيد بن

عبد ربه، قال: «لما أمر رسول الله بالناقوس لِيَضْرب به الناس في الجمع

للصلاة وفي رواية: وهو كاره لموافقته للنصارى طاف بي وأنا نائم رجل يحمل

ناقوساً في يده، فقلت له: يا عبد الله أتبيع الناقوس؟ قال: ما تصنع به؟ قال:

فقلت ندعو به إلى الصلاة؟ قال: أفلا أدلك على ما هو خير من ذلك؟ قال: فقلت

بلى، قال: تقول: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا

الله ... [٢] ، فلما أصبحت أتيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأخبرته بما

رأيت، فقال: إنها لرؤيا حق إن شاء الله، فقم مع بلال فألق عليه ما رأيت فليؤذن

به، فإنه أندى صوتاً منك، قال: فقمت مع بلال فجعلت ألقيه عليه ويؤذن به، قال: فسمع بذلك عمر وهو في بيته فخرج يجر رداءه يقول: والذي بعثك بالحق لقد

رأيت مثل الذي رأى، قال: فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: فلله الحمد» .

لم يكن الأذان إذن اقتراحاً من بعض الصحابة أو اتفاقاً بينهم، وإنما كان رؤيا

رآها أحدهم، وقال عنها النبي -صلى الله عليه وسلم-: إنها رؤيا حق.

ما يقوله المسلم عقب الأذان عنوان فهمه معناه:

ومما يؤكد أيضاً أن الأذان يتجاوز في مقاصده مجرد الإعلام بدخول وقت

الصلاة إلى ما يقوله المسلم عندما يسمعه، فقد ندب الإسلام المسلم إذا سمع المؤذن

أن يقول مثل ما يقول ووعده على ذلك بالجنة [٣] ، وهذا يقتضي أن يُقْبِل على

الأذان فكلما سمع منه جملة رددها بلسانه، فتتاح لقلبه فرصتان لتدبر معناها:

الأولى: عندما يسمعها، والثانية: عندما يقولها، ومعلوم أن الإسلام إذا أمر المسلم

أن ينصت إلى كلام أو يردده فإنه يقصد استماع القلب لا استماع الأذن فحسب.

إن توقف اللسان عن الاستمرار في الكلام الذي كان يقوله وانصرافه إلى

متابعة كلمات الأذان من غير أن يسابق المؤذن بها، ومن غير أن يتأخر عنه،

دليل آخر يؤكد أن الأذان للإعلام بدخول الوقت، وهو أيضاً تذكير بحقائق معينة

لابد أن الناس مسلمهم وكافرهم بحاجة إلى التذكير بها.

فإذا فرغ المؤذن من أذانه يسن للسامع أن يقول بعد الصلاة على رسول الله:

«اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة، آت محمداً الوسيلة والفضيلة،

وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته» .

عن عبد الله بن عمرو، أنه سمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول:

«إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا عليّ؛ فإنه من صلى علي صلاة

صلى الله عليه بها عشراً، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي

إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل الله لي الوسيلة حلت له

الشفاعة» [٣] .

وإذا تأملنا هذا الدعاء الذي يقال بعد الأذان، نجد فيه «اللهم رب هذه الدعوة

التامة والصلاة القائمة» فيكون الأذان تلخيصاً لدعوة الإسلام، ثم إعلاماً بدخول

وقت الصلاة.

فإذا أجاب المسلم المؤذن وحضر إلى الصلاة، فقد صدّق بالحق وامتثل للأمر

فجمع شَرطي الفلاح.

وإنما كان الأذان تلخيصاً لدعوة الإسلام؛ لأنه متضمن للشهادتين، والإسلام

كله قام على أساسين عظيمين: أن يُعبد الله وحده، وتلك شهادة «أن لا إله إلا

الله» ، وأن يُعبد بما جاء به رسوله -صلى الله عليه وسلم- وتلك شهادة «أن ... محمداً رسول الله» ، فالإسلام بناء يقوم على أركان خمسة أولها الشهادتان.

وكما في الأذان: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، ففيه:

حي على الصلاة، حي على الفلاح، والصلاة من أولها إلى آخرها تصديق عملي

بالشهادتين؛ ففيها يقول المسلم في الفاتحة [إياك نعبد وإياك نستعين] وتلك شهادة

«أن لا إله إلا الله» ، وفيها يقول: [اهدنا الصراط المستقيم] ، وتلك شهادة

«أن محمداً رسول الله» .

أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله:

لقد كان الإسلام في بدايته كلمة يقولها الرجل فيصير مسلماً أو يعرض عنها

فيكون كافراً، ولا يمكن لكلمة أن تكون فيصلاً بين الإسلام والكفر إلا إذا كان

الإسلام نفسه مجموعاً في هذه الكلمة، وما سينزل فيما بعد من أحكام تفصيلاً لما

أجمل فيها.

لقد كانت البداية التي بدأت بها الدعوة إلى الإسلام وهي «قولوا لا إله إلا الله

تفلحوا» دليلاً على ما لهاتين الشهادتين من معنى كبير وخطير، يترتب على العلم

به والعمل بمقتضاه فلاح الدنيا والآخرة.

والسؤال الذي يعد مدخلاً هنا هو: ماذا فهم العرب عندما خوطبوا بهذه الكلمة

ودُعوا إليها؟ وهل كان الرفض الذي واجهوا به هذه الكلمة لمجرد التلفظ بجملتين،

أم لما يترتب على ذلك النطق من التزامات علمية وعملية؟

لقد كان المتلفظ بالشهادتين في عصر الرسالة يعرف أنه يجتاز عالماً بأكمله

ويدخل إلى عالم جديد، يجتاز عالم الجاهلية بمبادئه وأخلاقه وعاداته ويَعْبر إلى

عالم الإسلام.

إن الرجل العربي أيام البعثة كان يفهم من مدلولات لغته ولذلك حضرت في

ذهنه كل المعاني التي يستعمل لها لفظ (الإله) عندما قيل له: «قل لا إله إلا الله»

وكان على بينة من أمره أيضاً.

وإن أخطر ما يصاب به هذا الركن الاعتقادي هو: أن يبقى في الناس لفظه

ويضيع معناه أو جزء منه، فيتشوه الباقي وتختلف الأمة فيه، وهذا ما حصل

بالفعل عندما ابتعد المسلمون عن اللغة العربية وابتعدوا عن الكتاب والسنة،

فصاروا ينطقون الشهادتين ويرددونهما في الأذان والإقامة والتشهد وغيرها، وهم

على جهل بمعناها الصحيح؛ فيشهدون دون أن يتبينوا على أي شيء يشهدون؟

إن الشهادتين ثلاثة أقسام: الأول: فعل «أشهد» ، الثاني «لا إله إلا

الله» ، والثالث: «محمد رسول الله» .

أولاً: أشهد:

هذا الفعل يأتي في اللغة بمعانٍ ثلاثة أولها: أرى وأشاهد، ومنه قوله (تعالى) : [يَشْهَدُهُ المُقَرَّبُونَ] [المطففين: ٢١] .

الثاني: الشهادة، وهي القول بما تعلم ومنه قوله (تعالى) : [وَأََشْهِدُوا ذَوَيْ

عَدْلٍ مِّنكُمْ] [الطلاق: ٢] . وثالثها: الحلف، ومنه الحديث: «على مثل الشمس

فاشهد أو ذر» [٤] .

فيكون معنى «أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله» ، أنني شاهدت

بقلبي، وشهدت بلساني، وأيقنت يقين الحالف أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول

الله.

ثانياً: لا إله إلا الله:

لقد كان العرب يعتقدون أن آلهتهم التي يشركونها مع الله (تعالى) أو من دونه

تحميهم وتنصرهم وتجيرهم وتقضي حاجاتهم؛ ولذلك عبدوها دون أن ينكروا وجود

الله (تعالى) ، أو ينكروا أنه الخالق والرازق، فلم يكن نزاع النبي -صلى الله عليه

وسلم- معهم حول وجود الله (تعالى) وربوبيته، وإنما كان حول التسليم بالوحدانية

والألوهية لله وحده.

إن المشركين العرب الذين خوطبوا بـ «لا إله إلا الله» كانوا يعتقدون أن

آلهتهم المزعومة لها قداسة وبها استحقت العبادة، فالقرآن الكريم عَمَدَ إلى هذا

الاعتقاد الأصلي فأبطله؛ ليبطل به كل شرك موجود أو متوقع، فبين بياناً حاسماً:

أنه لا سلطة لأحد في الكون مع الله (عز وجل) ، ووضع خطّاً فاصلاً بين الألوهية

والعبودية، وأنزل كلاّ منزلته.

إن «لا إله إلا الله» تعني أن كل ما كان يصف به العرب آلهتهم من صفات

الألوهية لله وحده، فهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله.

لقد قال القرآن الكريم لهؤلاء المشركين: إن مَنْ خلق الكون ويملك السلطة فيه

هو الإله المستحق للعبادة، فهذا الأمر غير قابل للتجزئة، إذ لا يكون الخلق في يد

إله، والرزق في يد آخر، والحكم في يد ثالث.

ثالثاً: محمد رسول الله:

هذا الشطر الثاني من الشهادتين يعني ثلاثة أمور: الأول، أن محمداً رسول

الله حقّاً، فهو من جهة ليس إلها، وليست فيه أي صفة من صفات الألوهية، ومن

جهة ثانية: ليس كذاباً ولاساحِراً ولاكاهناً ولامجنوناً ولاسامر ا، فالذي يشترك فيه

مع الناس هو البشرية، والذي يتميز به عنهم هو الوحي والنبوة، كما قال (سبحانه) : [قُلْ إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إلَيَّ] [فصلت: ٦] .

وقد قامت على صدق نبوته دلائل كثيرة: فمنها صفاته، ومنها معجزاته،

ومنها نبوءاته، ومنها البشارات به في الكتب السابقة، ومنها ثمرات دعوته في

الأرض ... إلا أن أعظم آية تشهد له بالنبوة هي القرآن الكريم، قال الله (تعالى) :

[تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ العَالَمِينَ] [الحاقة: ٤٣] .

الرسول في اللغة هو المبعوث، وإضافته إلى الله يعني أنه مبعوث الله إلى

الناس، فالرسول رجل بعثه الله ليبلغ الناس، وأيده بالآيات الدالة على صدقه.

أما المعنى الثاني لشهادة أن محمداً رسول الله فهو: أن ما أخبر به من أمور

الغيب حق يجب تصديقه فيه، وهذا الغيب يشمل الإيمان بالله وملائكته وكتبه

ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره.

وتصديقه في دعوى النبوة والرسالة يفضي إلى التسليم له بهذا العلم الذي أخبر

به؛ لأنه ليس من عنده، بل من عند الله (تعالى) عالم الغيب والشهادة.

والمعنى الثالث: أن ما أمر به من أمور الشرع عدل وخير يجب اتباعه فيه،

وقد أمر بشرع فيه صلاح الأفراد والأسر والمجتمعات، فاتباعه فيه بغير قيد ولا

شرط من تمام الشهادة له بالنبوة والرسالة.

هذه المعاني الثلاثة مترابطة؛ فالطاعة تتفرع عن المحبة، والمحبة تتفرع

عن المعرفة؛ إذ لا يمكن أن تطيع شخصاً لا تعرفه أو تتبع شخصاً لا تحبه.

إن «لا إله إلا الله محمد رسول الله» اختيار في الحياة، يحدد التصور الذي

يعيش به المرء والسلوك الذي يتصرف به، والنطق بهما يعني تحولاً على المستوى

الفكري والواقعي، فبهما يتحدد مصدر التلقي، وبهما تتحدد الغاية والهدف، وتلك

الربانية: ربانية المصدر وربانية الغاية، فيعيش العبد بعلم الله (تعالى) المنزل

يصوغ تصوراته كما يصوغ تصرفاته.

حي على الصلاة، حي على الفلاح:

وهاتان الجملتان تعقبان الشهادتين في الأذان، وذكر الصلاة عقب الشهادتين

يوافق الترتيب الذي رتبت به أركان الإسلام في الأحاديث التي عدّدَتْها.

وحيث إن الإنسان مجبول على تقديم العاجلة على الآجلة، وتفضيل النقد على

النسيئة، وبما أن الدنيا عَرَض حاضر، والآخرة وعد صادق، فالدنيا يراها

والآخرة يسمع عنها، فالذي يحدث غالباً هو انشغال الإنسان بما يرى عما يسمع،

والإقبال على العرض الحاضر والغفلة عن الوعد الصادق، فيأتي في الأذان «حي

على الصلاة، حي على الفلاح» لينادي على الناس في أسواقهم يبيعون ويشترون، أو في أعمالهم يصنعون ويعملون، أو في بيوتهم يأكلون ويشربون، أن يوازنوا

في حياتهم بين الدنيا والآخرة، كما أمرهم الله، قال (تعالى) : [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا

إذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا البَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إن

كُنتُمْ تَعْلَمُونَ] [الجمعة: ٩] . وقال (سبحانه) : [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ

أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ]

[المنافقون: ٩] . وقال عز وجل: [فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإقَامِ الصَلاةِ وَإيتَاءِ الزَّكَاةِ] [النور: ٣٦، ٣٧] .

فقد أثنى عليهم، ليس لكونهم تفرغوا للصلاة ولازموا المساجد لا يبرحونها،

بل لكونهم أصحاب تجارات وأعمال لا تلهيهم عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء

الزكاة.

إن نداء المؤذن: «حي على الصلاة، حي على الفلاح» على رأس وقت

كل صلاة إعلان عن وسطية الإسلام وجمعه بين الدين والدنيا، فالمسلم في عبادة

قبل الحضور إلى المسجد، وهو في عبادة عندما يحضر بعد سماع الأذان، وهو في

عبادة عندما ينصرف بعد الصلاة إلى أشغاله وأعماله.

وإن مما يحبب الناس في دين الله أن يعرفوا وسطيته هذه، وأن الاستعداد

للموت والتزين للقاء الله ليس مشروطاً بهجر الدنيا ورميها جانباً، بل لكل وقت

عمله، والحياة مجموعة من الأولويات، تبرز كل أولوية في وقتها المناسب.

ثم إن النداء بـ «حي علي الصلاة، حي على الفلاح» إيذان بانطلاق جولة

جديدة من معركة الإنسان مع الشيطان، فهذا العدو سيسعى جهده ليصده عن ذكر الله

وعن الصلاة وإجابة النداء والذهاب إلى المسجد معناه كسب هذه الجولة الجديدة

وتحقيق الانتصار فيها، فالأذان يصل إلى الجميع، ولكن الناس يختلفون: فمنهم

منتصر ومنهم منهزم، فواحد يسمعه فيدع ما كان فيه ويجيب النداء، وآخر يصلي

في بيته في الوقت، وثالث يؤخرها عن وقتها، ورابع يتركها ولا يصليها، وبهذا

يستخرج الأذان ما في القلوب من إيمان، أو كفر ونفاق، ويكشف لكل عبد درجة

إيمانه؛ فإن الإيمان يعرف عند الطاعات [قَدْ أَفْلَحَ المُؤْمِنُونَ الَذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ

خاشعون] [المؤمنون: ١] [وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ] [المؤمنون: ٩] .

والناس عندما يسمعون «حي على الصلاة حي على الفلاح» تحضرهم

صور مختلفة لهذه الصلاة التي يُدْعَون إليها، فكل واحد تحضره صورة معينة قد

تكون موافقة لصورتها في دين الله، وقد يكون بين الصورتين تباعد وتنافر.

والصلاة في دين الإسلام هي الركن الثاني الذي لا يصح إسلام المسلم إلا بها، وهي توبة متجددة، وطهارة ظاهرة وباطنة وقوة روحية وبدنية ومناجاة بين العبد

وربه، وهي كفارة للذنوب، وتذكرة بلقاء الله يوم القيامة، وشرط من شروط النجاة

والفلاح في ذلك اليوم.

فمن وافقت صورة الصلاة في نفسه صورتها في دين الله، فإنه يُعَظّمُ قدرها

ولايسهو عن وقتها: [فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * الَذِينَ هُمْ عَن صَلاتِهِمْ سَاهُونَ]

[الماعون: ٤، ٥] .

الله أكبر الله أكبر:

هذا النداء الذي افتتح به الأذان واختتم به، فيه تكبير الله (عز وجل) ، فهو

(سبحانه) [عَالِمُ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الكَبِيرُ المُتَعَالِ] [الرعد: ٩] وحيث إن الصلاة

دعوة منه (سبحانه) ينقلها المؤذن عبر الأذان؛ ناسب افتتاحها بالتكبير ليعلم الناس

أن الله (تعالى) أكبر من كل شيء يَصدّهم عن دعوته، أو يشغلهم عن إجابة ندائه

[يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ المَلِكِ القُدُّوسِ العَزِيزِ الحَكِيمِ]

[الجمعة: ١] .

الأذان معانٍ ومواقف:

وكما يشدنا الأذان إلى كلماته، يشدنا إلى تاريخه، فتاريخه هو تاريخ الإسلام

في الأرض، وهو تاريخ التوحيد في صراعه مع الشرك.

لما فتح رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مكة، وطهر البيت من الأصنام

التي فيه وفيما حوله، دعا مؤذنه بلالاً، وأمره أن يصعد على الكعبة ويؤذن،

فارتقى (رضي الله عنه) ، ورفع صوته بالأذان، فكان هذا الأذان أبلغ رسالة

لقريش تخبرها بمواصفات العهد الجديد.

ولقد قال أحد المشركين وهو يسمع الأذان ويرى بلالاً يجهر به فوق الكعبة:

«أما وجد محمد غير هذا الغراب الأسود مؤذناً؟» وقال آخر: «الحمد لله الذي

قبض أبي قبل أن يرى هذا اليوم» فكانت كلمات هذين المشركين تلخيصاً لما

دافعت عنه قريش مدة عشرين عاماً، ولكن الحق إذا جاء زهق الباطل، ولقد كانت

تلك الأصنام قبل قليل آلهة تعبد، أما الآن فالله أكبر ولا إله إلا الله.

وارتبط الأذان في فترة النبوة باسم بلال وإن كان لرسول الله مؤذنون آخرون، ولما توفي النبي -صلى الله عليه وسلم- امتنع بلال عن الأذان ولحق بالشام

مجاهداً ومرابطاً في سبيل الله، فلما فتح المسلمون مدينة دمشق وذهب عمر (رضي

الله عنه) يزورها، توسل رؤساء القوم إلى بلال وكان حاضراً أن يؤذن فأذن إكراماً

لمقدم أمير المؤمنين، فما رؤي أحد إلا وهو يبكي؛ لأن صوته الذي انقطع عنهم

أكثر من اثني عشر عاماً ذكرهم بأيام عزيزة عندما كان يؤمهم سيد الخلق (عليه

الصلاة والسلام) ، فقد كان المسلمون إذا فتحوا بلداً بنوا به المساجد، ورفعوا فيها

الأذان، وأقاموا فيها الصلاة، وجلسوا بها لتعليم العلم.

وصار سماع الأذان في قرية علامة على إسلام أهلها؛ فإذا سمعه المسلمون

كفّوا عنها، وميزوها عن غيرها من القرى الكافرة، وكان لصيحة (الله أكبر) وهي

من كلمات الأذان هيبتها عبر التاريخ الإسلامي، فقد كانت تزلزل قلوب الأعداء،

وتلقي الرعب في قلوب الكفار، فهي كلمة الثبات وكلمة النصر، فإذا غزا

المسلمون قالوا: «الله أكبر» ، وإذا فتح الله عليهم ونصرهم أذنوا فقالوا: «الله

أكبر» .

ولقد استغل التتار أيام هجومهم على بلاد الإسلام دور الأذان في جمع

المسلمين عند ساعة المحنة، فكانوا إذا خربوا مدينة من مدن الإسلام يرفعون الآذان

في بعض مآذنها بعد يوم أو يومين، فكل من كان مختبئاً يخرج معتقداً أن العدو زال

عن المدينة، فكانوا يغرون بهم ويقتلونهم، وبقي الأذان والمئذنة رمزين في صراع

المسلمين وأعدائهم، وكانت أحقاد اليهود والنصارى والمشركين تتجه أول ما تتجه

إلى المآذن والمؤذنين، وكلنا يتابع ما يفعله الصرب في البوسنة وما يفعله الصهاينة

في فلسطين والهندوس في الهند والروس في الشيشان، ومايفعله غيرهم في بلاد

مختلفة من العالم، مما يبين أن الأذان والمئذنة رمز لأمة، وشعار لدين، فهما

مستهدفان كما يستهدف اللواء في المعارك والحروب.

الأذان والدعوة إلى الإسلام:

الأذان كلمات لا إكراه فيها، بل فيها دعوة إلى الإيمان بالحق والعمل بمقتضاه، ولعل إدراك الغرب النصراني أن الأذان سينتصر على الناقوس سببٌ في أنهم

لايزالون يمنعون رفعه في المساجد الموجودة ببلادهم، ولكن عندما تكون أغلبية

السكان بهذه البلاد مسلمين سيرفع الأذان فوق المساجد، ولبلوغ هذه الغاية فإن

هؤلاء السكان بحاجة إلى من يشرح لهم كلمات الأذان، ومن يترجم لهم ما يقوله

المؤذن، فالأذان ليس للمسلمين وحدهم ولكنه نداء عالمي كما أن الإسلام دعوة

عالمية.

إن عدداً من السياح الأجانب عندما زار بلاد المسلمين تساءلوا عندما سمعوا

الأذان عما يقوله هؤلاء المؤذنون، ودفعهم ذلك إلى التساؤل عن الإسلام.

خاتمة:

إن من أسوء ما يبتلى به المسلمون، أن تجرد شعائر دينهم من معناها،

وتفرغ رموز دينهم من دلالتها، فتتحول إلى رسوم وأسماء، والواجب أن نقول ذلك

بقوة لتبقى لهذه الرموز دلالتها، تستعيد ما كان لها من معنى يوم شرعت أول مرة،

وهذا يفرض علينا إحياء طريقة السلف في تلقين أحكام الدين حتى لا تقصر على

جانب واحد، فإذا تناولنا أحكام الأذان على سبيل المثال لا نقتصر على بيان ألفاظه

والأدعية التي تكون بعده ومايشترط في المؤذن، بل نجمع إلى ذلك ما ذكرناه في

هذا الموضوع، ونفعل مثل هذا في دراسة الصلاة والزكاة والحج والصيام.. وسائر

شعائر الإسلام.


(١) رواه الترمذي وأحمد وأبو داود وابن ماجه وابن خزيمة، وقال الترمذي: حسن صحيح وانظر: صحيح سنن أبي داود، ج١ ص٩٨ ح٤٦٩، وصحيح ابن ماجه، ج١ ص١١٨ ح٧٠٦.
(٢) وفي الحديث: أنه علمه في الرؤيا ألفاظ الإقامة أيضاً.
(٣) مسلم: كتاب الصلاة، باب استحباب القول مثل قول المؤذن ج١ ص ٢٨٨.
(٤) أخرجه الحاكم في المستدرك (ج٤ ص ٩٨) عن ابن عباس بلفظ: لا تشهد إلا على ما يضيء لك كضياء الشمس ولكن تعقبه الذهبي، وضعفه الألباني في إرواء الغليل (ج٨ ص٢٨٢)
- البيان -.