للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

في إشراقة آية

نسوا الله فأنساهم أنفسهم

بقلم: عبد الكريم بكار

يقول الله جل وعلا: [وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ

الفَاسِقُونَ] [الحشر: ١٩] .

هذه آية جليلة الشأن في كتاب الله تعالى وهي تضع أيدينا على حقيقة كبرى

من حقائق هذا الوجود، وتمنحنا استبصاراً بشأننا العام، لا يليق بنا أن نتجاوزه

دون أن يملأ حياتنا بمعنى جديد!

ولعلنا في الصفحات التالية نقتبس من نور هذه الآية:

١- إن نسيان الله تعالى يكون على مستويين: مستوى ضعف صلة المسلم به، وتبلد أحاسيسه ومشاعره نحو خالقه جل وعلا ومستوى الإعراض عن هديه

واستدبار منهجه.

وفي إطار المستوى الأول نجد أن لدينا الكثير الكثير من النصوص التي تحث

المسلم على أن يكون كثير الذكر والمراقبة لله تعالى حتى يصل إلى مرحلة الحب له

وفرح الوعي به، والاستئناس بذكره، وقد قال سبحانه: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا

اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً] [الأحزاب: ٤١-٤٢] وقال:

[وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ] [العنكبوت: ٤٥] .

وفي الحديث الصحيح: (مثل الذي يذكر ربه ولا يذكره كمثل الحي والميت) [١] ولو رجعنا إلى ما حثت عليه النصوص من الذكر، مما يسمى بعمل اليوم

والليلة لوجدنا أن الالتزام بذلك يجعل المسلم لا يكاد ينفك عن تسبيح وتحميد وتهليل

واستغفار وتضرع ودعاء، ما دام مستيقظاً. إن كثرة ذكر لله تعالى تولّد لدى المسلم

الحياءَ منه وحبه، وتنشّطه للسعي في مرضاته، كما تملأ قلبه بالطمأنينة والأمان

والسعادة؛ لينعم بكل ذلك في أجواء الحياة المادية الصاخبة.

إن الفكر يرسم المسار، ويرشد إلى الطريق الأصلح للحركة والعمل، لكنه لا

يكون أبداً منبعاً للطاقة والعزيمة والإرادة الصلبة، وإن الصلة بالله تعالى والتي هي

لباب كل عبادة هي التي تمدنا بكل ذلك، وإن المعاناة التي يشعر بها المسلم اليوم

من جراء الانفصال بين قيمه وسلوكه، لم تتجذر في حياة كثير من المسلمين إلا

بسبب ما يشعرون به من العجز عن الارتفاع إلى أفق المنهج الذي يؤمنون به؛

وذلك العجز لم يترسخ، ويتأصل إلا بسبب نضوب ينابيع المشاعر الإيمانية في

داخلنا!

إن تيار الشهوات والمغريات الذي يجتاج كل ما يجده أمامه اليوم، لا يقاوم إلا

بتيار روحي فياض، يعب منه المسلمون ما يسمو بهم عن أوحال الملذات والمتع

الدنيوية، ويعوضهم عن نشوتها. ولذا فإن (أدب الوقت) يقتضي من المربين

والعلماء الناصحين وأهل الفضل، التوجيهَ إلى إثراء حياة الشباب والناشئة بالأعمال

الروحية وعلى رأسها الذكر حتى لا يقعوا في مصيدة النسيان واللهو والإعراض عن

الله تعالى.

إن مما صار شائعاً أن ترى بعض العاملين في حقل الدعوة، وقد شُغلوا

بضروب من أعمال الخير، لكن الجانب الروحي لديهم صار ذابلاً، وأقرب إلى

الجفاف بسبب إفراغ طاقاتهم في السعي إلى تحقيق أهداف عامة، كنفع الناس،

أو الدعوة إلى الله تعالى دون أن يستحضروا النية، ودون أن يطبعوا على ذلك اسم

الله تعالى ودون أن يعطروه بشذى من الصلة به، والإحساس العميق بالامتثال لأمره.

وكانت نتيجة ذلك أن فقدت تلك الأنشطة نكهتها وتأثيرها، وقصّرت عن بلوغ

أهدافها، بل صار تسرب حظوظ النفس إليها أمراً قريباً ووارداً. إن البنية العميقة

للثقافة الإسلامية متمحورة على نحو أساسي حول تعظيم الله ومرضاته، وإن المسلم

إذا فقد قوة الشعور بالارتباط بذلك، لن يسعى في إعمار الأرض، وإذا فعل ذلك

فإن عمله لن يكون له أدنى تميز، وسيخبط، ويرتع كما يفعل غيره!

٢- هناك مستوى آخر من نسيان الله جل شأنه يتمثل في تخطيط شؤون الحياة

بعيداً عن الاهتداء بكلماته، والتقيد بالقيود التي فرضها على حركة عباده. وهذا في

الحقيقة هو النسيان الأكبر.

وعند تقليب النظر في واقع أمة الإسلام اليوم نجد أن نسبة محدودة من

المنسوبين لهذه الأمة تلتزم على نحو كلي بفعل الواجبات، وترك المحرمات. وبما

أن الإحصاء حول أي شيء ليس مرغوباً فيه، فإننا لا نعرف، ولا نحزر الاتجاه

الذي تسير فيه تلك النسبة المحدودة من الملتزمين: هل هو النمو، أو هو الانكماش

والانحسار؛ لكن من الواضح أن العديد من القيم والأخلاق الإسلامية العتيدة بدأ يفقد

التأثير في ضبط السلوك، وتكوين المواقف؛ لأسباب عديدة، ليس هنا موضع

ذكرها. وحين تسمع لكلام كثير من ذوي النفوذ والثقافة في الساحات الإسلامية لا

تجد في أحاديثهم وخطابهم العام ما يدل في الشكل أو في الروح على أنهم على شيء

من ذكر الله والدار الآخرة، أو أنهم متأثرون بشيء من منهجيات هذا الدين وأدبياته، على الرغم من أنهم يُذكرون في عداد المسلمين!

وإن مما يلاحظ في هذا السياق أن تطوراً مريعاً قد اجتاح لغة الخطاب لدينا

خلال السنوات العشر الماضية، فقد كانت لدينا قيم موضوعية ثابتة، على من

يستحق الثناء أن يتخلق بها، وقد كان الناس يقولون: فلان طيب (ابن حلال)

خلوق، صالح، مستقيم، تقي، متواضع.. أما اليوم فإن ألفاظ المديح تتمحور

حول عدد من المزايا الشخصية المرتكزة على مهارات معينة، وعلى علاقات

اجتماعية واسعة، هي أشبه بما على (مندوبي المبيعات) أن يتقنوه! وصار يقال:

فلان ناجح، شاطر، اجتماعي (دبلوماسي) حَرِك، مَرِن، أثبت ذاته، وحقق

وجوده.

وفي اعتقادي أن مثل هذا التطور سوف يجعل المجتمع يموج باللصوص

والمرتشين والمحتالين ما دام النجاح، لا الفلاح، هو المنظم الخفي للتراتيبية

الاجتماعية! وقد نعد هذا من أسوأ ما شاهدناه من أشكال التطور الأخلاقي

والاجتماعي والتربوي، وسوف تكون له آثار بعيدة المدى في البنية الأساسية

للشخصية المسلمة على مدى عقود عديدة قادمة!

٣- إن الآية الكريمة صريحة في أن نسيان الله تعالى كان سبباً مباشراً في

جعل المرء ينسى نفسه، وكأن الذي يضيّع نفسه في عاجلها وآجلها، يضيّع الدنيا

فتلفه المشكلات من كل صوب، ويضيع الآخرة بخسران النجاة والفوز بالجنة.

إن نسيان النفس ليس على درجة واحدة، وإن الضرر الذي سيلحق الناس

سيكون بالتالي متفاوتاً، وعلى مقدار النسيان والتضييع لأمر الله تعالى سيكون

التضييع للنفس والدنيا والآخرة.

إن خسران الآخرة للذين ينسون الله، واضح المعالم، ويستوي في معرفته

العامة لدينا والخاصة، لكن التضييع لأمر الدنيا هو الذي يحتاج إلى نوع من البيان، ولعلنا نجلوه في النقطتين التاليتين:

- إن عصر المعلومات الذي يظلنا الآن سيكون والله أعلم أقصر العصور

الحضارية، وسوف يعقبه عصر آخر، هو عصر (الفلسفة) وبحث المسائل الكلية،

وستطرح الأسئلة الكبرى: من أين جئنا، ولماذا نحن هنا، وإلى أين المصير، ما

حدود الطبيعة البشرية، وما ماهية الخير والشر..؟ وإنما نقول ذلك؛ لأن قراءة

التعاقبات التاريخية، تنبئنا أنه حين تصل حالة مّا إلى حدود متقدمة، تبزغ من

الطبيعة البشرية حالة مضادة لها؛ فحين تشتد العقلانية أو التقنيّة في أمة، فإن

أشواقاً تنبعث لكسرها، فينبثق من العقلانيّ العاطفيّ، ومن التقنيّ الفلسفيّ والفكريّ، إنه أحد مظاهر سُنّة التوازن التي بثها الخالق جل وعلا في هذا الكون!

ولذا فإن الهمجيّين وسوقة السوقة وحدهم، هم الذين لا يتشوّفون إلى معرفة

مصيرهم النهائي، وإلى معرفة الغايات الكبرى للوجود!

حين تصير البشرية إلى هذه المرحلة، سيكتشف الذين نسوا الله، أنهم لا

يملكون أي جواب جازم، أو مُقْنع على الأسئلة الكبرى المثارة بإلحاح، بل سيجد

الغرب على نحو خاص أنه قد أحرق كل سفن العودة إلى (الوحي) الذي يُعد المصدر

الوحيد الذي يجيب على تلك الأسئلة.

وقد كان (أينشتاين) يقول: (إن حضارتنا تملك معدات كاملة، ولكنها تفقد

الإحساس بالأهداف الكبرى) ! .

إن كل إصلاح لشؤون البيئة والاقتصاد، وإن أي نوع من المحافظة على

منجزات البشرية، سيقتضي من اليوم فصاعداً تقدماً ملحوظاً على صعيد (الإنسان)

وما لم يحدث هذا التقدم، فإن كل شيء سيكون في مهب الريح! !

والملاحظ بقوة أن الحضارة الحديثة بصبغتها المادية، قد نقلت مجال السيطرة

من الإنسان إلى الأشياء، حيث أضعفت إرادة البشر، وأحاطتها بكل ما يخل

بتوازنها، وهذا يعني أن الحضارة الغربية ببنيتها الحاضرة ليست مؤهلة للنهوض

بالإنسان.

إذا كنا نعتقد أن الطبيعة البشرية واحدة، فهذا يعني أن غايات وجودها يجب

أن تكون واحدة، وهذا هو منطوق الوحي، وهذا ما لا يبصره الإنسان العلماني

اليوم! !

لن تكون الأسئلة المثارة أصيلة إلا إذا كان لها أجوبة موجودة عند جهة مّا

وهذه الجهة لن تكون أبداً الإنسان، فمن تكون إذن؟ ؟

إن العقل البشري خلقه الله تعالى ليكون في الأصل عقلاً عملياً، وهو في

عمله يشبه (الحاسوب) ، وهو كالحاسوب لا يستطيع إدخال تحسينات جوهرية على

المدخلات التي يُغذى بها، وسيكون الأمر مضحكاً إذا عمدنا إلى تشغيل العقل

البشري وتحسين طروحاته وعمله بشيء من منتجاته التي تولى تنظيمها الفلاسفة،

وهم الذين لم يفلحوا في الاتفاق على أي شيء! ! . إن كل شيء اليوم يتقدم إلا

الإنسان فإنه في تدهور مستمر، وإن مما يثير الفَزَع أنه على مدار التاريخ كان

التقدم المادي والعمراني مشفوعاً بانخفاض في وتائر التدين والسمات الإنسانية

الأصيلة، مما يدل على أن الإنسان لا يستطيع أن يوازن بين مطالبه الروحية

والجسدية، دون عون من خالقه.

ولكن المؤسف مرة أخرى أننا لا نريد أن نعترف بذلك؛ لأن ذلك يقتضي منا

تغييراً هائلاً، نحن غير مستعدين الآن لدفع تكاليفه!

إن نسيان الله تعالى قد أفسد النسيج الإنساني كله، وحين يفسد النسيج العام،

فلن يكون ثمة فائدة تذكر من وراء التعليم والتدريب والتربية، وكيف يمكن إصلاح

خبز أو كعك أو فطير فسد طحينه؟ !

إن ضعف الإنسان على مدار التاريخ كان من عوامل استمرار بقائه، أما اليوم

فقد اجتمع له القوة الغاشمة مع الطيش الشديد، وهذا ما سيسبب الكوارث ما لم

يحدث انعطاف كبير في اتجاه الرشد والهداية والتدين المبصر الأصيل.

ب - إن المهمة الأساسية للرسل عليهم السلام أن يبصّروا الناس بما يجب

عليهم تجاه خالقهم، وأن يذكّروهم الدار الآخرة ومطالب الفوز فيها: [رَفِيعُ

الدَّرَجَاتِ ذُو العَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ] [غافر: ١٥] .

ومهمة المصلحين إذا ما أرادوا الاستجابة لدعوتهم أن يُنضحوا من التعاليم

الإسلامية ما يمزجونه بالخيال الخصب والخبرة البشرية والملاحظات الذكية، من

أجل توفير الظروف التي تجعل الناس أقرب إلى الالتزام. وإن هذه الدنيا دار

ابتلاء، ولذا فإن علينا دائماً أن نختار ما يصلح أحوالنا، وإن لكل عصر اختياراته

واجتهاداته. والمشكلة أن الفضائل والقيم والنظم لا تتفق بعضها مع بعض اتفاقاً كلياً، بل إن إقامة كثير منها قد يتطلب التضحية ببعضها الآخر: إذا اخترنا الحرية

الفردية، فقد يقتضي ذلك التضحية بشكل تنظيمي نحن في أمس الحاجة إليه، وإذا

اخترنا العدالة، فقد نُرغَم على التضحية بالرحمة، وإذا اخترنا المساواة، فقد

نضحي بقدر معين من الحرية الفردية..

ومن وجه آخر هل يصح أن نعذب أطفالاً كي ننتزع منهم معلومات عن خونة

أو مجرمين خطرين؟ وهل للمرء أن يقاوم حاكماً ظالماً، ولو أدى ذلك إلى مقتل

والديه أو أطفاله؟ ؟

كل هذا لا يستطيع العقل أن يعطي أجوبة واضحة وقاطعة عنه. وننتهي من

هذا إلى أن كل مجتمع يحتاج إلى مقدار مّا من تلك الفضائل والنظم، كي يجعل

حياته متوازنة ومتسقة، فكيف يتم تحديد ذلك المقدار؟

إن المنهج الرباني لا يحدد لنا على نحو دقيق القدر المطلوب من التماثل

الاجتماعي، ولا القدر المطلوب من الحرية الفردية، أو العدل أو الرحمة.. لكنه

يضيق دوائر الاختيار، ومساحات البحث والاجتهاد؛ والفارق بين المهتدي بنور

الله والمحروم منه كالفارق بين من يبحث عن إبرة في صحراء، ومن يبحث عنها

في غرفة. على الجميع أن يبحث، ولكن حظوظ العثور على المطلوب متفاوتة

تفاوتاً عظيماً، كما أن إمكانات الوقوع في الخطأ، هي الأخرى متفاوتة كذلك.

إن العقل بطبيعة تركيبه لا يستطيع أن يعمل في أي مجال: فلسفي أو تنظيمي

أو تقني إلا إذا أُسعف بإطار توجيهي يهيئ له مقدمات، وبعض المدخلات

الضرورية، وإن المنهج الرباني عقيدةً وشريعةً هو الذي يوفر ذلك الإطار.

في مجال التربية الاجتماعية مثلاً نجد أن الشريعة الغراء حددت لنا محاور

أساسية، يجب أن ترتكز عليها أنشطتنا التربوية، وهي ما سماه أهل الأصل

بالكليات أو الضرورات الخمس، وهي حفظ الدين والنفس والعقل والعرض والمال، وقد تكفّل الفقه الإسلامي بتوفير الأحكام والأدبيات التي ترسم حدود الحركة

التربوية في ظل هذه المحاور الخمسة، كما وضحت المرتبية التي يجب اتباعها

عند ضرورة التضحية ببعضها لحفظ الآخر، على ما هو واضح في كتب الأصول

والفقه؛ فالشأن التربوي لدينا على علاته أفضل مما هو موجود لدى دول كثيرة

متقدمة عمرانياً؛ وذلك بسبب وجود هذا الإطار التوجيهي، وهذا كله مع أن أكثر

الشعوب الإسلامية تعاني من أوضاع معيشية قاسية، والجرائم بأنواعها لدينا أقل،

والتماسك الأسري والاجتماعي أفضل.

إن محنة العقل الذي نسي الله لم يحن أوانها بعدُ، ولكن إذا وصل النمو

الاقتصادي إلى حدوده القصوى، وانتشرت البطالة، وعم ضنك العيش، فسوف

يرى كل المعرضين عن دين الله أن الليبرالية والرأسمالية ليست أفضل ما أنتجه

العقل البشري، وأن الخلاص يتطلب مراجعة جذرية، من أجل العودة إلى سبيل

الرشاد.

الإنجازات الحضارية وسعادة الأفراد، ووحدة الكيان الحضاري، كل ذلك

سيكون على حافة الهاوية إذا لم يضئ كل منعطفات الطريق شعاع من الغاية الكبرى، وإذا لم تتلفع جميعاً بهدي من هدي الله؛ والله غالب على أمره.


(١) أخرجه البخاري.