للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الافتتاحية

[من فقه المرحلة القادمة]

أثارت أحداث الحادي عشر من سبتمبر الماضي وما تبعها من تداعيات كثيراً

من الأسئلة التي ما زالت في حاجة إلى الإجابة عنها، وكشفت عن كثير من

الأزمات العالمية والإقليمية، كما كشفت عن كثير من جوانب القوة التي تملكها

الصحوة الإسلامية بمختلف قنواتها وداوئرها، كما أنها أظهرت أيضاً كثيراً من

الأدواء والمشكلات في أوساطها، ثم تلاحقت أحداث الاجتياح اليهودي البشع

للأراضي الفلسطينية في ظل كئيب من الصمت العالمي والعجز العربي لتكشف

مزيداً من الأزمات المزمنة! وإن من دلائل الفقه والرشد استيعاب الأزمة وتوظيف

دروسها لإعادة الكرَّة والانطلاق من جديد لإحياء الأمة وبنائها بنفسية عزيزة وثَّابة

لا يصيبها الخور أو الضعف.. نعم! ربما تطغى ظلال الانكسار على النفس الكليلة،

وتنطفئ شعلة الحيوية فيها، ويقذفها اليأس إلى آخر الصفوف، وتنسحب من

ساحة العطاء، وتتوقف في منتصف الطريق منهكة القوى. وربما ترى أن أحاديث

النصر وبشارات التمكين لا حقيقة لها في هذا الجيل، وأن الأمة هلكت [١] ؛ فتؤثر

العزلة والهروب إلى الوراء..! !

ولكن المؤمن الصادق الواثق بنصر الله وقوته يظل مرفوع الرأس عالي الهمة،

شامخاً بدينه وعقيدته لا يضره من خذله ولا من خالفه، مهتدياً بقول الحق - جل

وعلا -: [وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ] (آل عمران:

١٣٩) ؛ ولهذا نهض الصحابة - رضي الله عنهم - بكل صدق بعد انكسارهم بادئ

الأمر في غزوة أحد متحاملين على جراحهم مقبلين على الله تعالى بكليتهم، يحدوهم

قول الله - تعالى -: [وَلاَ تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ القَوْمِ إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ

يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً]

(النساء: ١٠٤) .

إن الصحوة الإسلامية في حاجة ماسة إلى إعادة ترتيب أوراقها من جديد،

ودراستها بعمق، دراسة تتلاءم مع المتغيرات المتسارعة التي طغت على الساحة

السياسية والفكرية، ومدركة للمعطيات والإمكانات المتاحة، ومكتشفة لمكامن القوة

والتأثير، خاصة أن الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاءها أخذوا عهداً على أنفسهم

بالقضاء على الحركات الإسلامية الجهادية منها خاصة ولهذا تواطأ الغرب والشرق

على تمهيد الطريق لليهود من أجل ضرب الانتفاضة الفلسطينية وتصفية رجال

الجهاد بكل صلف وجبروت وطغيان، والأيام القادمة حبلى بكثير من الهجمات

الضارية التي ينبغي أن نقدر لها قدرها! !

ونحسب أن من أهم أولويات المرحلة القادمة:

* أولاً: إحياء الإيمان في نفوس الناس وترسيخه في قلوبهم:

فالإيمان الراسخ يعطي الإنسان قوة عظيمة تثبته على الحق، وتعصمه من

نزغات الأهواء، وشبهات الأعداء، ومكائد المنافقين. قال الله - تعالى -:

[يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ

الظَّالِمِينَ] (إبراهيم: ٢٧) . وقال - تعالى -: [إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا

الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ] (يونس: ٩) .

ولن ترتفع هذه الأمة ويعلو شأنها إلا بترسيخ التوحيد والإيمان الخالص بالله

تعالى، إيماناً يشرق نوره في القلوب، ويظهر أثره في الجوارح، ويصبح عقيدة

راسخة في النفس رسوخ الجبال الرواسي. ويتطلب ذلك تربية جادة، وحرصاً

صادقاً من الدعاة والمصلحين على البناء الحي المعطاء، وجعله من أولى أولويات

الصحوة الإسلامية ومحاضنها التربوية؛ فهذه هي ثمرة الدعوة وحقيقة الرسالة.

قال الله - تعالى -: [لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى المُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ

يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ

مُّبِينٍ] (آل عمران: ١٦٤) .

ويحزن المرء حزناً شديداً حينما يرى أن التربية الهشة الهزيلة هي التي يكثر

انتشارها في كثير من المحاضن الدعوية المعاصرة، وأن طاقات الأمة تُستهلك في

أمور تُذهب حلاوة الإيمان وتُضعف جذوره. وكيف نتطلع إلى النصر وتغيير واقع

الأمة بنفوس كليلة لم تذق طعم الإيمان على حقيقته، ولم تتفيأ ظلاله الكريمه اليانعة؟!

* ثانياً: إحياء الوعي في الأمة:

كشفت الأحداث أزمة عريضة في الفهم، وتجلَّت آيات هذه الأزمة في قراءة

الأحداث بقواعد مضطربة غير متزنة، وبأبجديات سطحية لا تتجاوز النظر إلى

التطبيل الإعلامي الذي يدير آلته المضللة أعداء الأمة، كما تجلَّت في الخلط

العريض الذي برز في معظم الدوائر العامة والخاصة، سواء ذلك في التوصيف

للواقع الذي يعيشه العالم ومعرفة أبعاده، أو في التكييف الشرعي للأحداث المتعاقبة،

أو في تحديد ردود الأفعال وبناء المواقف الواجب اتخاذها.

ورأينا وقوع كثير من الصالحين في طرفي الإفراط والتفريط:

فالفريق الأول: غلب عليه التشنج والانفعال، واستسلم لدواعي الغضب، ولم

يلجمه بلجام الشرع والعقل، ولم يقدر المصالح والمفاسد بميزان الشريعة وقواعدها

المحكمة، وربَّما غلَّب النظر إلى بعض المصالح والمفاسد القريبة العاجلة، وقصَّر

في دراسة المصالح والمفاسد البعيدة الآجلة.

والفريق الثاني: غلبت عليه الانهزامية والضعف، واستسلم لأهواء الأقوياء،

وللضغوط الإعلامية والفكرية التي علا صوتها، وراح يُفسّر النصوص الشرعية

بعقلية المنكسر الضعيف، حتى أتى على بعض الثوابت الشرعية المجمع عليها.

لقد درجت الآلة الإعلامية الغربية بكل قنواتها وأشكالها وخاصة في الأحداث

الأخيرة على تزييف الوعي وإثارة اللبس وإشاعة الشبهات بكل خبث ودهاء،

ووقف كثير من الناس حيارى أمام ذلك الطوفان الجارف من التحريف والتزييف..

ولقد آن الأوان لأن ننهض بجد لاستنقاذ العقول وإحياء البصيرة وإعادة الوعي

تحقيقاً لقول الله - تعالى -: [قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ

اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ] (يوسف: ١٠٨) .

وقوله -عز وجل -: [وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المُجْرِمِينَ]

(الأنعام: ٥٥) ، وقوله: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ] (النساء: ٧١) .

انظر مثلاً إلى الهمجية اليهودية في الأراضي الفلسطينية كيف يصورها

الإعلام العربي؛ فكثير منهم يفسر هذه الأحداث بناء على تطرف شخصي من

(شارون) ، وربما ازداد الأفق قليلاً عند بعضهم فعده تطرفاً من حزب الليكود،

وهذه قضية يرسخها العلمانيون من بني جلدتنا من أجل تبرئة حزب العمل وغيره

من الأحزاب الديمقراطية المعتدلة بزعمهم، وتسويغ دعوات السلام التي يبشرون

بها، مع أن وزير الدفاع (بنيامين إليعازر) الذي يباشر بنفسه أعمال الإبادة

الوحشية من أبرز قادة حزب العمل، ووزير الخارجية العمالي (شمعون بيريز)

هو الذي ينافح عن هذه الوحشية في المحافل الدولية ويدافع عنها؛ فهم جميعاً من

صناع الحرب والخيانة.

ثم انظر أيضاً إلى التفسير العلماني للعلاقات الأمريكية اليهودية؛ فهي

بزعمهم علاقات اقتصادية ومصالح سياسية فحسب أملتها ظروف المرحلة، مع

تغييبهم المتعمد للبعد الديني العميق الذي يرسخ العلاقة بين اليهود والصهاينة

الإنجيليين! !

أوَ ليس عجيباً أن يبقى كثير منا أسرى لحملات التضليل وتغييب الوعي

بسذاجة مفرطة؟ !

أَوََ ليس عجيباً أن نبقى نفكر بطريقة بدائية خارج نطاق الواقع الذي نعيشه

على الرغم من الأعاصير والرياح العاتية التي تحاول أن تقتلع كثيراً من

خصوصياتنا وثوابتنا العقدية والفكرية..؟ !

أَوَ ليس عجيباً أن تفتقر كثير من فصائل الصحوة الإسلامية إلى مراكز

متخصصة للدراسات الاستراتيجية والمستقبلية، ومراكز الأبحاث السياسية التي

تعين في استكشاف مكامن القوة والضعف، وترصد خطوات المكر والكيد،

وتستشرف آفاق المستقبل برؤية علمية ناضجة؟ !

إنَّ إحياء الوعي الشرعي والفكري والسياسي يتطلب رؤية شاملة محددة

الأهداف، واستقراء دقيقاً للمعطيات المتاحة، والعقبات المحتملة، ومن ثم تُرسم

خطط بعيدة المدى تخاطب شتى شرائح المجتمع الفكرية والاجتماعية. ولا بد أن

ندرك أن الصحوة الإسلامية مقبلة على مرحلة حرجة شديدة التعقيد، فيجب علينا

أن نتجاوز العشوائية والاجتهادات المرتجلة؛ لنتخذ المنهج العلمي أساساً في هذا

السبيل. يصف المفكر الاستراتيجي الدكتور حامد ربيع حالة الغيبوبة التي نعاني

منها بقوله: (نحن قد مضى علينا وقت لم نقتصر فيه على عدم القدرة على التوقع،

بل وأضحينا نتهرب من رؤية الواقع، بل ونصل في بعض الأحيان إلى الكذب

على أنفسنا والتضليل في حقيقة ذلك الواقع. نريد الحقيقة كما هي دون أي مغالطة

ودون تغليف الحقيقة بما يجردها من مضمونها الواقعي) .

* ثالثاً: رصُّ الصفوف:

أكدت الأحداث الأخيرة أن جسم الصحوة الإسلامية يعاني من تمزقات محزنة،

وخلافات حزبية مفرقة أنهكت الأمة وأدخلتها في مفازة مقفرة من التنابذ والتهارش،

وأشغلتها بالتدافع وبالقيل والقال، وبالصراعات الجدلية العقيمة التي تستنزف

الجهود وتقتل الطاقات.

ولعلنا لا نجافي الحقيقة إذا قلنا: إن من أشد أدواء الصحوة الإسلامية تأثيراً

داء التفرق والتنازع، ولن يجد أعداء الأمة داءً يخترقون به الصفوف، ويحطمون

به قوتها، أفضل عندهم من هذا الداء، وصدق المولى الحق: [وَأَطِيعُوا اللَّهَ

وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ]

(الأنفال: ٤٦) .

إن المرحلة القادمة ليست مجالاً لتحقيق منجزات أو مكاسب حزبية محدودة،

وليست وقتاً للتفاخر وتلميع الذات على حساب الأمة؛ وإنما هي مرحلة أحوج ما

نكون فيها إلى الفقه العميق بضرورة التآلف، ورصِّ الصفوف، وتجاوز الخلافات

الاجتهادية بفقه وحلم. وصَدَق الرافعي إذ يقول: (أضيع الأمم أمة يختلف أبناؤها؛

فكيف بمن يختلفون في كيف يختلفون!) .

ونذكِّر هنا بالدور الريادي للعلماء الربانيين والدعاة المخلصين؛ فالأمانة في

أعناقهم عظيمة.. عظيمة؛ فهم أقدر الناس على إيجاد المناخ الملائم الذي يزيل

ضغائن النفوس، ويملؤها بإذن الله - تعالى - بالتجرد والإقبال على الله - تعالى -،

ويدفعها إلى المبادرات المحمودة التي تعقد القلوب بعضها ببعض بعلم ومحبة

ورحمة. قال الله - تعالى -: [إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفاًّ كَأَنَّهُم

بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ] (الصف: ٤) .

* رابعاً: توظيف الطاقات:

تملك الصحوة الإسلامية بحمد الله - تعالى - طاقات متعددة هائلة في شتى

المجالات الفكرية والشرائح الاجتماعية، لكنها مع الأسف الشديد لم تحسن استثمار

تلك الطاقات، ولا توظيفها توظيفاً مناسباً، وصدقت في حقها القاعدة الإدارية (٢٠/

٨٠) التي تقول بأن ٢٠% من الطاقات فقط هي التي تنجز ٨٠% من الإنجازات،

وهذا يعني: أن نسبة كبيرة جداً من الطاقات الموجودة تعد طاقات معطلة غلبت

عليها البطالة، ولم تستوعبها الصحوة الإسلامية..! !

ونستطيع من حيث الجملة أن نقسم هذه الطاقات المعطلة أربعة أقسام:

الأول: طاقات عاملة دون طاقاتها الإبداعية، فلم تنجز إلا القليل الذي لا

يتناسب مع قدراتها وملكاتها.

الثاني: طاقات عاملة، لكنها لم تدرّب ولم تصقل قدراتها الفكرية والعملية؛

فتوقفت عند حد معين لا تقوى على تجاوزه.

الثالث: طاقات مستهلكة في الأعمال المفضولة دون الفاضلة، فحجبها ذلك

عن الترقي في درجات العطاء والنفع للأمة.

الرابع: طاقات مهملة، أهملها المربون، وتركت بدون رعاية أو استثمار،

فأصابها الوهن، وتردَّت مع مرور الوقت، فاستسلمت لدواعي العجز والكسل،

وتآكلت شيئاً فشيئاً حتى أصبحت أثراً بعد عين..!

إنَّ من التحديات الكبيرة التي تواجه قادة الرأي وأولي النهى: إيجاد المحاضن

التربوية والمجالات العلمية المتعددة التي يمكن من خلالها استيعاب شتى الطاقات،

وتنمية ملكاتها الإبداعية المنتجة؛ فالمرحلة القادمة مرحلة عزيمة وجد، والزمن

زمن الأقوياء، ولا مكان فيه للعجزة البطَّالين..! !


(١) عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا قال الرجل: هلك الناس؛ فهو أهلكهم) أخرجه: مسلم، في كتاب البر والصلة، رقم ٤٧٥٥) .