للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

المنتدى

[الماء في القرآن]

علي سالم بازرعة

تحدث القرآن عن الماء في ٦٣ موضعاً منها قوله تعالى: [وَجَعَلْنَا مِنَ المَاءِ

كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ] (الأنبياء: ٣٠) ، وقوله تعالى: [وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ

دَابَّةٍ مِّن مَّاءٍ] (النور: ٤٥) .

إن الحقيقة القرآنية المعجزة التي يعرضها القرآن عن الماء هي أن الله جعل

حياة جميع الكائنات الحية على سطح الأرض مرتبطة بوجود الماء. قال الله تعالى:

[وَجَعَلْنَا مِنَ المَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ] (الأنبياء: ٣٠) ، فإذا تأملنا في الإنسان

الذي كرمه الله نجد أن متوسط نسبة وجود الماء في جسم الإنسان نحو ٦٥% من

وزنه، وفي عالم النبات تتفاوت هذه النسب فتصل من ٧٠% إلى ٩٠% من وزنه

ماءاً، والماء أحد مكونات البوتوبلازم (المادة الحية في الخلية) ، وعليه فالماء

يحدد بقاء النبات نفسه ووجوده.

فالماء الذي أنزله الله من السماء هو أغلى وأثمن مادة على وجه الأرض، له

من الصفات العجيبة والخواص الفريدة ما جعله يتبوأ مكانة رفيعة، ومن هذه

الخصائص ارتفاع درجة غليانه التي هي ١٠٠ درجة مئوية؛ فلو كانت درجة

غليانه أقل من الصفر مثلاً لجفت البحار والأنهار واختفت الحياة، ومن خواصه

زيادة حجمه عند تجمده عكس معظم المواد، ولذا نجد أن قطعة الثلج تطفو فوق

السطح فتكون كغطاء عازل للطبقات السفلى فلا تتجمد، وتحتفظ المياه أدناه بدرجة

حرارة كافية لحياة الكائنات البحرية وهي أغلب كائنات الحياة، فلا عجب إذا قلنا:

«إن الحياة ظاهرة مائية» ومن خواصه أيضاً التي ينفرد بها عن غيره قدرته

كسائل مذيب لكثير من المواد؛ فهو المذيب الأعظم.

يرجع العلماء سر هذه الخواص المدهشة للماء للرابطة القوية بين ذرة

الأوكسجين وذرتي الهيدروجين في جزئي الماء (H٢O) .

إن الماء هو من المواد التي توجد بالطبيعة بصورها الثلاث: الصلبة والسائلة

والغازية ينتقل بينها في دورة ثابتة تعرف بالدورة الهيدرولوجية، وللرياح دور

أساس في هذه الدورة كما قال تعالى: [وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ

رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ المَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ

الثَّمَرَاتِ] (الأعراف: ٥٧) .

إن الإشارات العلمية الكثيرة في المواضع التي صرّح القرآن فيها عن الماء

ومطابقتها للواقع العلمي المعاصر تدل على الإعجاز العلمي للقرآن الكريم، وأن

الحقائق المذكورة في القرآن هي حقائق نهائية مطلقة وليست نسبية كما هو علم

البشر.

إن الماء جعله الله عز وجل وسيلة للثواب والعقاب في الدنيا والآخرة؛ ففي

الجنة يقول تعالى: [مَثَلُ الجَنَّةِ الَتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاءٍ غَيْرِ

آسِنٍ ... ] (محمد: ١٥) ، وفي المقابل في النار [ ... كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ

وَسُقُوا مَاءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ] (محمد: ١٥) .

وفي الدنيا عن الثواب يقول تعالى: [وَأَن لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ

لأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقاً] (الجن: ١٦) ، أما العقاب فعن قوم نوح قال تعالى:

[فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى المَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ

قُدِرَ] (القمر: ١١-١٢) .

إن المسطحات المائية على كوكب الأرض من محيطات وبحيرات وغيرها

والتي تغطي أكثر من ثلثي مساحة الأرض هي التي ميزت كوكب الأرض عن باقي

كواكب المجموعة الشمسية بلونه الأزرق المميز وبوجود الحياة عليه.

لقد أصبحت قضية الماء في عالم اليوم قضية للصراع من جانب الحكومات؛

لأنها سلعة اقتصادية يزيد الطلب عليها، بل يخشى أن تصبح المياه سبب حروب

المستقبل. إن التدبر في الآيات القرآنية التي ذكر فيها لفظ الماء وما جاء ذكره عنها

في السنة النبوية مثل قول المصطفى عليه الصلاة والسلام: «لا يبولن أحدكم في

الماء الراكد، ثم يتوضأ منه» وهو يشير إلى قضية التلوث التي أصبحت مصدر

رعب في عالمنا المعاصر. إن التدبر والتأمل فيما ذكر أعلاه يزيد المؤمن إيماناً

وعلماً. نسأل الله أن يبارك لنا في القرآن والسنة، وأن ينفعنا بما فيهما من الآيات

والحكمة.