للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

بأقلامهن

[الأطروحات الدعوية الموجهة للمرأة المسلمة]

وقفة.. ودعوة للمراجعة!

فاطمة بنت عبد الله البطاح

تظهر من حين لآخر بعض الأطروحات الدعوية الموجهة للمرأة المسلمة.. ما

بين مسموعة أو مقروءة.

ولا يسعنا حقيقة إلاّ أن نستبشر بها؛ فهي دلالة لوعي حضاري يؤمن

بضرورة إنماء وعي المرأة وتشكيل فكرها والحفاظ على هويتها وانتمائها! كما لا

يسعنا أيضاً أن نتجاوز عن بعض العثرات المنهجية التي من شأنها أن تقلل من

فاعلية هذه الأطروحات وحجم تأثيرها!

ومن هنا انبثقت فكرة هذه المقالة التي لا ترقى عن كونها إضاءات عابرة

أرجو أن يُكتب لها النفع! وإلا فإن مسؤولية البحث الجاد والمعالجة الرصينة تبقى

معلقة على أعناق الدعاة، ومختبئة في أغماد أقلام ذوي الفكر والرأي! وإنّا لهم

جميعاً لمنتظرات! !

١ - مثالية الحلول:

المراقب لأطروحاتنا الإسلامية الموجهة للمرأة المسلمة سيضع يده على

إشكالية الحلول المثالية الجاهزة التي تُعرض إزاء جملة من قضايا المرأة.

ولو تأملنا في دوافع هذه الحلول المثالية فلن نجدها إلاّ هروباً ذكياً تتكئ عليه

أطروحاتنا لتبتعد عن أجواء القضية وتعقيداتها! ولتعيش تحت وهم تأدية الدور

وإبراء الذمة! خصوصاً أن الحل المثالي يُريح صاحبه من مسؤوليات وتبعات

النظر والتأمل والاجتهاد! ويُؤَمِّن له الراحة والدعة؛ إذ لن تجد من يُعارض

مشروعية الحل المثالي؛ فهو متفَقٌ على صحته! ومتفق أيضاً على جاهزيته

للعرض حتى عند رجل الشارع البسيط الذي لن يجد أدنى صعوبة تذكر في تقديم

قائمة طويلة لحلول مثالية.

أوَ ما ترون أطروحاتنا الدعوية تعرض قرار المرأة في بيتها باعتباره معالجة

مثالية مغرقة في الحيطة والحذر للتخلص من بعض المزالق التي قد تعترض المرأة

عند خروجها!

ويبدو أن هذه الأطروحات لم تنتبه بعدُ إلى أن هذا الحل سيبقى حلاً مؤقتاً لا

يملك القدرة على مقاومة ومنازلة تطورات الحاضر والمستقبل التي يفترض أن

نواجهها ونقتحمها متزودين بثوابت الماضي وقيمه الراسخة! !

وإلاّ فستظل جملةٌ من قضايا المرأة المعاصرة ومشاكلها معلّقةً إلى حين تنزل

الأطروحات الإسلامية من برجها العاجي.. وتلامس جذور القضايا، وتستقرئ

أبعادها؛ حتى لا تفقد ثقة المتلقين بأهليتها لتقديم معالجات اجتهادية ملائمة تساهم في

تغيير شيءٍ من ملامح حاضر المرأة المعاصرة، وفي دفعها خطوةً إلى الأمام، وفي

بناء مستقبلها وتشكيل فكرها ووعيها!

ولن يكون ذاك إلا إذا تخلصت هذه الأطروحات من هروبها التقليدي المثالي

الذي قلَّل من إمكانية بلورة رؤية إسلامية شاملة وواقعية لكل أزمات المرأة

المعاصرة وقضاياها الشائكة!

٢ - الاصطدام مع نفسية المرأة وطبيعتها:

يفترض في الطرح الدعوي الموجه للمرأة المسلمة أن يهتم بالاعتبارات

النفسية والفطرية للمرأة والتي هي من الثبات بما لا يجادل فيها إنسان!

إلاّ أن واقعنا الدعوي ما يزال يُعاني من ضمور الإحساس بتأثير هذه

الاعتبارات على تلقي المرأة وتفاعلها، وكذلك إنماء أو إهدار طاقات النهوض لديها!

فالمرأة مثلاً ما تزال تُطالَب بالتعامل العقلاني مع قضية التعدد وفق نظرة

الرجل ومشاعره واحتياجاته هو، لا وفق نظرة نسائية تتوافق مع أنوثة المرأة

وطبيعتها!

وربما سمعت أو قرأت طرحاً دعوياً يُطالب المرأة بأن تتصدر بعاطفتها

وعقلها طابور المؤيدين للتعدد! ! دون مراعاة إنسانية لمشاعر المرأة التي لا تُلام

عليها شرعاً ولا عقلاً؛ فهي مشاعر طبيعية غير مستنكرة!

ما أشد حاجتنا للطرح النابة لقضايا المرأة الذي يراعى فيه نفسية المرأة كما

كان يفعل.

ليس مقبولاً أن يترك الدعاة الحديث عن مشروعية التعدد أو ذكر ما له من

منافع وفوائد بحجة عدم الاصطدام مع المرأة!

كما أنه ليس من موضوعية الطرح أن يكرر الدعاة ثناء عائشة رضي الله

عنها على سودة بنت زمعة رضي الله عنها مستدلين به على أن المأمول من المرأة

أن تتعامل مع التعدد بصورة عقلانية مجردة من العاطفة! بينما يغضون الطرف

عن مواقف حياتية كثيرة نقلتها كتب السير والسنن مارست فيها أرجح نساء

المؤمنين عقلاً وفهماً! مارست ضرباً من ضروب الاعتراض العاطفي لمجرد ذكر

الرسول عليه السلام لزوجته الأولى ورفيقة الدرب الدعويّ الأول خديجة بنت خويلد

رضي الله عنها.

ففي صحيح مسلم عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: (اسْتأذنتْ هالة

بنتُ خويلد - أختُ خديجة - على رسول الله صلى الله عليه وسلم فَعَرفَ استئذانَ

خديجة فارْتاح لذلك. فقال: (اللهُمَّ! هالة بنت خويلد) فَغِرتُ فقلتُ: وما تذكرُ من ...

عجوز من عجائزِ قُريشٍ، حمراءَ الشِّدْقين هلكتْ في الدَّهْر فأبدَلك الله خيراً منها) .

كم تحاصرك الدهشة وأنت تتأمل قارئاً اعتراض عائشة الذي لم يكن تلميحاً

نسائياً تستفز فيه زوجة مشاعر زوجها وحسب!

بيد أنه تصريح يبدو لك منه حجم الاندفاع القوي الذي حرم المرأة حتى رهافة

حسها، ورقة لفظها تلك اللحظة!

ولو كانت هذه الكلمات: (عجوز، هلكت، خيراً منها) قيلت عن امرأة حية

يغدو إليها الرسول صلى الله عليه وسلم ويروح، بحيث تشتد وطأة الغيرة بين

المرأتين لتبددت دهشتك! لكن أن تتفوه أم المؤمنين بهذه الكلمات عن امرأة ماتت!

والميت كما تعي عائشة أشد حرمةً من الحي! فإنّ هذا يشير إلى أنها لمست من

الطرف الآخر ليناً وسماحة ورحابة أفق وفهم بعيد وعميق لنفسية المرأة وفطرتها!

ممّا قد يشعرك بحجم الأمن العاطفي الذي كانت عائشة رضي الله عنها تعيش في

ظلاله في بيت الدعوة والعلم والنبوة!

ما أشد حاجتنا لطرح دعوي نابه يؤمن بأن الإفراط في الحديث عن التعدد بلا

حاجة قد يحرم المرأة شيئاً من أمنها النفسي الذي نحتاجه كثيراً لبناء قاعدة الاستقرار

الأسري في مجتمعاتنا الإسلامية!

٣- تضخيم دور المرأة:

تضطلع المرأة المسلمة بدور كبير داخل الأسرة، وليس في وسعنا إلاّ أن

نعترف بعظم المسؤوليات التي تتحملها المرأة حيناً.. وتُطَالَب بها أحياناً أخرى!

إلاّ أن الملاحظ على أُطروحاتنا الدعوية الإسلامية تضخيم دور المرأة بصورة

تقذف في ذهن المتلقي شعوراً بأنّ المرأة عنصر مسؤول مسؤولية مباشرة عن نشوء

أيّ مشكلة أُسرية!

(فتأخر الأبناء دراسياً وأخلاقياً، والأزمة المادية، وهروب الرجل المتكرر

من المنزل، و....) عقبات كثيرة تعترض استقرار الأسرة، ويشترك في تكوينها

أطراف وعناصر مختلفة منها: الرجل، المرأة، والمجتمع أيضاً! ومع هذا ما

نزال في أطروحاتنا نشير بأصبع الاتهام للمرأة وحدها! ممّا يعين الطرف الآخر

على التنصل من أدوار خصصت له؛ ويفترض ألاّ يقوم بها أحدٌ غيره!

كما أنّ هذا التضخيم يفقد المرأة المتلقية قدراً من ارتياحها النفسي، وقدراً من

ثقتها بموضوعية الطرح ومصداقية مضامينه.

ليس من الموضوعية في شيء أن ترتفع أصوات بين الحين والآخر تطالب

المرأة المسلمة بأن تكون في أسرتها مربية، ودودة، صابرة، متنازلة،....) !

دون أدنى إشارة منصفة لحالات استثنائية كثيرة يترفع فيها رب الأسرة عن تأدية

أدنى حق من حقوق زوجته عليه!

ولو استفسرت المرأة فلن يكون الرد إلاّ تذكيرًا مجرداً بالصبر والمصابرة!

وبـ (ألاّ تذوق غمضاً حتى يرضى) ! ممّا يشعرك بحجم المسافة الكيفية التي

تفصل واقع المرأة المعاصرة وواقع مثيلتها في صدر الإسلام؛ إذ لو كان المجتمع

النبويّ يحاصر المرأة في زاوية (المسؤول عن استقرار الأسرة أو انهيار بنيانها) ؛

لما امتلكتْ خولة رضي الله عنها قدراً كافياً من الجرأة في تقديم شكواها في زوجها

إلى نبي الرحمة عليه الصلاة السلام!

ولولا ضرورة الإيمان بمدى حاجة المرأة لمنهج دعوي موضوعي يُنصفها

ويدع تحميلها ما لا تحتمل؛ لما أعطى القرآن خولة حقها فنزلت في شأنها آيات

تتلى إلى يوم القيامة: قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله

{المجادلة: ١} .

وثمةَ حقيقة لا يسعنا تجاوزها أو إغفالها وهي ضرورة منح المرأة قدراً من

الثقة بالذات والقدرات عن طريق الإشارة إلى جوانب مضيئة في حياتها وفكرها

وسلوكها وهذا مع ما فيه من منافع لا تخفى؛ فقد يكون مدخلاً لبقاً يلزم الدعاة

بالحديث عن المنكرات أو السلبيات التي تنتشر بين النساء ويريدون علاجها! !