للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[منطقة الخليج بين خطرين]

د. عبد العزيز مصطفى كامل

كانت حرب لبنان الأخيرة ــ وبغضّ النظر عن التقدير الأخير لحساب النصر والهزيمة فيها ــ نموذجاً آخر من نماذج صراع العصر الحديث الدائر بين الغرب وإيران، أو بين الفرس والروم المعاصرين على الأراضي الواقعة شمال جزيرة العرب (العراق والشام) ، وقد سُبق هذا بثلاثة حروب على ضفاف الخليج، لم يكن ظل التنافس بين الطرفين فيها غائباً، أما هذه الجزيرة نفسها، فهي في رأيي الساحة الرئيسة لطموحات وأطماع النّدَّيْن التاريخيين.

إن هذه الجزيرة العربية بما فيها من نُظُم متنوعة وحكومات مختلفة؛ تضم شعوباً شبه متجانسة في ثقافتها ولغتها وعقيدتها وتقاليدها. وفي عصر تتضاعف فيه العداوة ضد العرب كعنصر، والسُنة كمذهب؛ فإن العداوة العنصرية والمذهبية تركزت على جزيرة العرب، باعتبارها المصدر الأول والدائم للأمرين معاً، سواء كان ذلك من الأمريكيين أو الإيرانيين أو غيرهم ممن لف لفهم.

لا مناص من المصارحة في هذا الأمر، مهما كانت تلك المصارحة صعبة أو محرجة أو مخيفة.

القضية باختصار، هي أن هناك دين حق واحداً لا ثاني له، يمثله مذهب صواب واحد، لا عديل له ... هو الإسلام على مذهب أهل السنة والجماعة، وهذا الدين وفق ذلك المذهب، قد تداعت عليه الأمم بأديانها الباطلة ومذاهبها الضالة في أنحاء الأرض، مصداقاً لقول النبي الخاتم المعصوم -صلى الله عليه وسلم-: «يوشك أن تتداعى عليكم الأمم، كما تتداعى الأكلةُ إلى قصعتها» (١) ، وقد كان قدر جزيرة العرب التي تنزلت فيها رسالة الإسلام وخرج منها نوره إلى الآفاق على يد الصحابة الكرام، أن تظل بؤرة الرصد، ومركز التآمر من كل طواغيت العالم، باعتبارها رمز بقاء وصفاء دين الإسلام، وفيها أقدس مقدسات المسلمين في العالم؛ حيث قبلة صلاتهم، ومثوى نبيهم الكريم ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ ومهوى أفئدة المؤمنين في كل زمان ومكان. وقد أثبتت أحداث وتفاعلات العقود والسنوات الأخيرة في العالم الإسلامي؛ أن أكثر من نهضوا لتنشيط مواجهة المعتدين على أوطان المسلمين، كانوا من أبناء تلك الجزيرة، ومعتنقي هذا المذهب الواضح في ولائه وبرائه؛ فمن أفغانستان إلى الشيشان إلى البوسنة إلى الصومال ... وأخيراً العراق، كانت طلائع الذائدين عن الدين من العرب السُنة، من أبناء الجزيرة أو ممن تأثروا بهم، وكانت أموال الأثرياء منهم تمد حركات الكفاح بما تحتاجه من أنواع الإعداد والإمداد دون أن يكون لـ (ثورة المستضعفين) في إيران أي إسهام في ذلك إلا لحساباتها الخاصة.

وقبل هذا وبعده؛ فإن الدعوة القائمة على المذهب السُني الصحيح، الخارجة من جزيرة العرب، وبخاصة السعودية والكويت واليمن، كانت تمد شعوب العالم الإسلامي بروافد بعث تجديدي وتأصيلي عميق، وهو ما أنشأ قطاعاً كبيراً في أغلب الشعوب الإسلامية، يدين بذلك التوجه السُني التأصيلي التجديدي، الناهض للتغيير، والمناهض للهيمنة.

- الخطر الصهيو صليبي:

لقد بدا لأعداء الأمة واضحاً أن الإسلام السُني، هو التمثيل الصادق للدين الذي طالما نازلوه وواجهوه، وفعلوا المستحيل من أجل إقصائه عن الحياة، ولما أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية حرباً عالمية على ما أسمته الإرهاب، لم تكن تقصد من تحداها على أرضها فقط، بل عمت بذلك حَمَلةَ المنهج السُني في كل العالم، في حملة شاملة لا تقتصر على الجانب الأمني فحسب؛ بل تعدت ذلك إلى الجانب العلمي والجانب التعليمي والجانب الاقتصادي، وحتى الجانب الإغاثي والخيري، وما ذلك إلا لما بدا من أن دائرة الممانعة والمقاومة لكل مشاريع التآمر والهيمنة، تتكثف وتتركز في الكيانات السُنية، بدءاً من قضية فلسطين، وانتهاءً بقضية العراق، ولهذا استعانت عليهم في حربها العالمية، بكل أعدائهم ومخالفيهم، ولو كانوا من أهل القبلة أو المنسوبين إليها، كما أظهرت ذلك تقارير معهد (راند) عن (الإسلام المدني الديمقراطي) ، وتقرير (قلوب وعقول ودولارات) حيث جاءت الدعوة صريحة للاستعانة بالتصوف والتشيع في هذه الحرب المعلنة. وبالرغم من عالمية تلك الحرب الأمريكية على الإسلام السُني بدعوى الإرهاب، فإن هناك وضعاً خاصاً للجزيرة العربية ـ وبخاصة السعودية ـ لم يعد خافياً على أحد، وبخاصة بعد أن خرجت إلى العلن التصريحات التي تعبر عن مواقف المحافظين اليهود الجدد في أمريكا، وبالتحديد عبارتهم الشهيرة «العراق هدف تكتيكي، والسعودية هدف استراتيجي، ومصر هي الجائزة» .

ولأن الإدارة الأمريكية الحالية هي إدارة صهيونية، نصفها من الصهاينة اليهود، والنصف الثاني من الصهاينة النصارى، فقد كان من الطبيعي أن تخرج الحملات المكثفة من (الولايات المتحدة الصهيونية) ضد الإسلام في الجزيرة العربية، وبخاصة على المملكة السعودية، لا كنظام فحسب، بل كشعب وثقافة وعقيدة، وقد وصل الأمر إلى أن قدَّم السيناتور الجمهوري الأمريكي (أرلن سبكتر) المعروف بدفاعه عن اليهود؛ مشروع قانون يحمل اسم (قانون محاسبة السعودية) على غرار المشروع الذي أقره الكونجرس الأمريكي قبل ذلك بعنوان (قانون محاسبة سورية) ، ويدعو قانون (سبكتر) إلى فرض عقوبات سياسية وعسكرية على السعودية «ما لم تتوقف عن دعمها للمنظمات الإرهابية كحماس والجهاد الإسلامي» ، ويدعو المشروع إلى إيقاف كل أنواع التبرعات إلى خارج المملكة، ويطالب بتقديم تقرير نصف سنوي للإدارة الأمريكية عن مستوى سير التعاون في الحرب العالمية على الإرهاب.

وفي سبتمبر ٢٠٠٣م، تقدم النائب الديمقراطي (أنتوني وينر) المحسوب ضمن أهم خمسين شخصية يهودية في أمريكا، بمشروع قانون آخر، بإدراج اسم السعودية ضمن قائمة الدول الراعية للإرهاب، ولكن الكونجرس لم يوافق على مشروع القرار لفجاجته، على الرغم من موافقة ١٩١ نائباً عليه.

ويبدو أن هذه الحملة (على مستوى القمة) تجيء بين الحين والآخر، لتغطي على الحملات على المستوى الأفقي الواسع، الذي يشمل التعليم والدعوة والعمل الخيري وما يسمى بـ (قضايا حقوق الإنسان) . والمتتبع لهذه الحملات المسعورة منذ بدأت، يُعييه الرصد والمتابعة، لكنها تدل في النهاية على شيء واحد، وهو: أن هناك تربصاً بالسُنة وأهلها ومنهجها ونشاطها ورموزها في العالم بشكل عام، وفي السعودية بوجه خاص؛ حيث عدها الكثير من الصهاينة الأمريكيين (نواة الشر) ، وقد روَّج لذلك (ريتشارد بيرل) اليهودي الصهيوني الأمريكي، مهندس عملية غزو العراق، وقد صدر لهذا الرمز البارز في المحافظين اليهود الجدد كتاب بعنوان (نهاية شر) بالاشتراك مع (ديفيد فروم) من المحافظين الجدد دعا فيه (بيرل) إلى إضافة السعودية إلى دول (محور الشر) ، وكرر ذلك في لقاء له مع محطة (سي إن إن) الأمريكية في ١١/١/٢٠٠٤م، وبلغ تبجح ذلك الشخص النافذ في طاقم الإدارة الأمريكية إلى أن طالب في اجتماع لمجلس سياسات الدفاع الذي كان يرأسه بتنفيذ خطة (تقسيم السعودية) بفصل المنطقة الشرقية الغنية بالنفط، وتسليمها لإدارة موالية للأمريكان.

ومؤخراً كتب الصحفي الأمريكي (جون ليهمان) عضو الكونجرس والمسؤول في لجنة التحقيقات الخاصة بأحداث ١١ سبتمبر ووزير البحرية السابق في إدارة ريجان، مقالاً بتاريخ ٣١ أغسطس ٢٠٠٦م في (الواشنطن يوست) بعنوان (لن ننتصر في هذه الحرب) دعا فيه إلى ضرورة تغيير الخطط والسياسات في مواجهة تنامي المد الإسلامي، سُنياً كان أو شيعياً، وجاء في مقاله:

«إن النظام الثوري في إيران، لا يبدي أي تحفظ في التباهي بسياسته التي تسعى لامتلاك القدرة النووية، كما أنه سمح لحزب الله، بضرب إسرائيل، وفي الصومال استطاع الجهاديون أن يسيطروا على السلطة هناك، وفي باكستان يزداد الإسلاميون قوة، وحكومات مثل مصر والأردن وأندونيسيا والجزائر وماليزيا أصبحت تحت ضغط الإسلاميين ... فكل هذه الدول ترى أننا لن نقوم بأي عمل عسكري طالما أننا ما زلنا في مستنقع العراق» ، ثم قال في إشارة ماكرة إلى ضرورة التصدي للشيعة والسُنة معاً: «إن نشر مبادئ الجهاد على أسس من العقيدة الإسلامية، وعملية تجنيد الأنصار، من أندونيسيا حتى الشرق الأوسط؛ ما زالت تسير بدعم النظام السعودي والنظام الإيراني، وحتى داخل أمريكا، فإن نحو ٨٠% من المساجد والمدارس الإسلامية، تميل بشدة إلى الفكر الوهابي، وهي تعتمد إلى حد كبير على التمويل السعودي. وبعد ٥ سنوات من أحداث سبتمبر، لم يكن هناك عمل واضح لإضعاف المصادر الأصلية للجهاديين، وهو ما يجعلنا نجيب بـ (لا) على سؤال رامسفيلد: (هل قتلُ الإرهابيين واعتقالهم أسرع من تكاثرهم وتأثيرهم؟) » .

الشاهد في هذا، أن هناك تربصاً مشتركاً، بكل من عرب الجزيرة وفرس إيران معاً، مما يثير التخوف من محاولات الإيقاع بينهما في صدامات طائفية على المستوى الإقليمي، مثلما هو حادث على المستوى المحلي في العراق.

- الخطر الإيراني الفارسي:

النظرة الإيرانية الفارسية الشيعية إلى العرب السُنة، لا تقل شناءة وشناعة عن النظرة الصهيو صليبية الرومية المعاصرة. فأدبيات القوم القديمة والجديدة، تعج بالمواقف والأقوال التي تنبئ عن حقدٍ وحسد خارج عن حدود المعقول، ومهما تستر البعض على هذه الحقيقة أو تجاهلها؛ فإن ذلك لن يغير من الواقع شيئاً. فالعرب في نظر الشريحة الكبرى من الإيرانيين الفرس، عنصر منحط، لا يستحق السيادة أو الريادة، حتى على المستوى الديني، وليست مصادفة أن حوزات قم الشيعية في إيران، استلبت المرجعية الدينية من الشيعة العرب، حتى في بلادهم، فأصبحت مرجعياتهم مرجعيات إيرانية فارسية، وما مثال إحلال السيستاني الإيراني في العراق واستبدال حسين فضل الله العربي في لبنان منا ببعيد. ومثل هذا الازدراء للعرب ـ حتى ولو كانوا شيعة ـ لا شك أنه سيتضاعف مع العرب السُنة. فمن الحقائق التي يعمى عنها أو يتعامى دعاة (تناسي الخلاف) مع الشيعة، أنَّ حكم أهل السُنة عند أولئك الروافض؛ أنهم جميعاً كفار، تحل منهم الأعراض والدماء والأموال (١) ، وهذا يشمل أولئك الذين يستميتون في الدفاع عنهم، وكيف لا يكون ذلك كذلك، والشيعة يُكفِّرون سلف أهل السُنة، بدءاً من عموم الصحابة، ومروراً بالتابعين وتابعيهم، وحتى عصرنا الحاضر، وأتحدى أي مجادل ينافح عن أولئك التكفيريين (٢) أن يثبت أن أي مرجع ديني أو سياسي شيعي، فارسي أو عربي، يحكم بـ (إسلام) أبي بكر وعمر وعائشة وحفصة فضلاً عن الترضي عنهم ـ رضوان الله عليهم جميعاً ـ فكيف بغيرهم من عامة أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-، خلا من يسميهم هؤلاء الضُّلاَّل بـ «شيعة علي» رضي الله عنه وأرضاه.

إن جزيرة العرب، هي (وطن الإسلام) كما وصفها الشيخ محمد رشيد رضا ـ رحمه الله ـ وهي وطن قائم على سُنة النبي -صلى الله عليه وسلم- وسُنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعده، وهو ما كان يعدُّه الروافض القدامى «إسلاماً ناصبياً» ، وما يعده الروافض الجدد «إسلاماً وهَّابياً» . والجزيرة أيضاً هي أرض العرب التي اقترن وصفها بالعروبة قبل الإسلام وبعده. وهذا وذاك، هو ما جعل الشيعة الفرس يعدونها محط العداوة الأول، لدرجة أن أبرز شعارات الثورة الخمينية في أيامها الأولى، كان: (تحرير الحرمين الشريفين من الوهابيين) وقد شهدت سنوات الحرب العراقية الإيرانية محاولات عديدة للإفساد في الحرمين في مواسم الحج باسم هذه الدعوة كما هو معروف.

الحقد على العرب عنصرياً، وعلى السُنة مذهبياً، وصل بالقوم إلى حد الافتراء بأن المهدي الذي سيبُعث في آخر الزمان، سيُعِملُ سيفَ القتل في العرب حتى يبيدهم (٣) ، بل إنه ـ في زعمهم الحقود ـ سوف ينتقم من سادة الإسلام من قريش، وعلى رأسهم أبو بكر وعمر (٤) ، بل يعتقدون ـ قاتل الله عصبيتهم ـ بأن ذلك المهدي، سيهدم الحرمين الشريفين عندما يخرج، ويعيدهما إلى حجميهما اللذين كانا عليه في عهد النبوة (٥) ، وما ذاك إلا اعتقاداً منهم بأن كل التوسعات التي حدثت في عهود الخلفاء (غير الشرعيين كما يعتقد الشيعة) من غير الأئمة الاثني عشر، هي توسعات باطلة؛ والمعترف به فقط في أرض الحرمين، هو (مراقد أهل البيت) وقبورهم التي يريد هؤلاء (إحياء العبادة) فيها، حتى إن مرجعهم الديني الكبير (محمد رضا الشيرازي) بدأ منذ مدة، تدشين ما سماه: (دعوة عالمية لإعادة تشييد مراقد أئمة البيت في المدينة المنورة) وقد دعا من خلال موقعه على الإنترنت (مؤسسة الشيرازي العالمية) إلى عقد مؤتمر عالمي للدعوة إلى إحياء قبور الأئمة المعصومين في البقيع. وهم يقصدون بالأئمة هنا أربعة على وجه التحديد؛ وهم: (الحسن الزكي، وعلي زين العابدين، والإمام الباقر، وجعفر الصادق) ، أما غيرهم من أئمة الخلفاء وكبار الصحابة، فكل من يعرف عقائد الشيعة؛ يوقن بأنهم سيتبنون الدعوة إلى نبش قبورهم وإخراج رفاتهم من البقيع!

وقد اعتبر شيرازيٌّ إيرانيٌّ آخرُ من المرجعيات الكبرى، وهو (صادق الحسيني الشيرازي) عدمَ السماح بإعادة تشييد هذه القبور حرباً على الله ورسوله، ودعا في موقعه أيضاً إلى تكثيف النشاط من أجل تحقيق هذه الغاية. وأيضاً دعا مقتدى الصدر، زعيم التيار الشيعي الصدري في العراق إلى تنظيم حملة عالمية لجمع تواقيع تطالب الحكومة السعودية بإعادة بناء مقابر آل البيت في البقيع على نفقة الحوزات العلمية الشيعية، وقد نقل الموقع الشيعي (يا حسين!) العديد من فتاوى كبار المرجعيات الشيعية عن وجوب العمل لإعادة بناء الأضرحة في البقيع، منها فتوى المرجع الإيراني في العراق (علي السيستاني) التي أفتى فيها بجواز صرف الواجبات المالية الشرعية من أجل إعادة بناء قبور الأئمة في البقيع، وقال: «يلزم السعي في حال التمكن لإعادة بناء قبور أئمة البقيع» . ونقل الموقع فتوى المرجع الديني الكبير في مدينة قم (كاظم الحائري) بلزوم السعي لبناء تلك المقابر، وقال: «إنها من شعائر الدين» !!

ماذا سيكون حال المدينة المنورة بالتوحيد وبرسول التوحيد -صلى الله عليه وسلم- لو وصل هؤلاء إلى (حال التمكن) الذي يتحدثون عنه؟ بل ماذا سيكون حال الحرم الشريف والكعبة المشرفة؛ عند قوم يرون استحباب التوجه إلى قبور الأئمة في الصلاة بدلاً من القبلة؟!

إن الاختلافات الاعتقادية في الغالب الأعم تتحول إلى خلافات سياسية، وتلك الخلافات السياسية قد تتحول إلى مواجهات وأزمات، وربما صدامات، وهذا ما لا يريد أن يفهمه أصحاب مدرسة (التحليل اللاعقدي للأحداث) .

- أزمة الخليج الرابعة: هل تتطور إلى حرب رابعة؟

عندما اندلعت حرب الخليج الأولى بين إيران والعراق، كان للأمريكيين دور بارز في إشعالها واستمرارها لمدة ثماني سنوات، لتصبح أطول حروب القرن العشرين، وأولى الحروب بين العرب والإيرانيين الفرس في العصر الحاضر بدفع من الروم، وقد أراد الغرب من تلك الحرب، أن يُضرَب الإيرانيون بأيدي العرب وأرواحهم وأسلحتهم، التي أُنفقت عليها مئات المليارات من أموالهم!

وانتهت الحرب بلا منتصر ولا مهزوم، بل بطرفين خاسرين قد استُنزفا بسيول من الدماء والأموال، فقلَّت قدرة إيران على (تصدير الثورة) المهددِة لمصالح الغرب في الخليج، وقلَّت قدرة دول الخليج على (استغلال الثروة) في التفرغ للاستقرار والتقدم، وهو ما يهدد مصالح الغرب في الخليج أيضاً، ولكن الذي كثر وزاد، هو الأحقاد بين الطرفين العرب والإيرانيين.

ولم تكد دول الخليج تتعافى من آثار الحرب؛ ولم يلبث العراق أن خرج من دوامة تلك الحرب؛ حتى أُغري الطرفان (دول الخليج والعراق) بأزمة ثانية، تحولت إلى حرب ثانية في العراق، بسبب غزو صدام حسين للكويت، وهي الحرب التي قضت على محاولات التعافي والنهوض في كل من دول الخليج والعراق، وانتقلت الأحقاد بين العرب والفرس، إلى أحقاد بين العرب والعرب بفعل التآمر الصهيو صليبي، لينفرط عقد العرب من يومها في انشغال دائم بخطر صدام، بعد الانشغال بخطر الخميني. لكن أحداً لم ينتبه إلى خطر أمريكا؛ إلا قليلاً، سواء في حرب الخليج الأولى، أو حرب الخليج الثانية، حتى جاءت حرب الخليج الثالثة التي أيقظت النيام، ونبهت العوام، إلى أن أمريكا وحلفاءها هم أُسُّ البلاء ومعدن العداء لأمة الإسلام.

وتجيء هذه الـ (أمريكا) اليوم، ليشعل يهودها وصليبيوها أُوار أزمة رابعة يراد بها هذه المرة أن تعاد الحرب جذعة بين العرب والفرس، استغلالاً لأحقاد الشيعة الفرس على العرب، وعدم قدرة العرب على مداراة الشيعة من الفرس وغيرهم، ولتكون تلك الحرب قضاء على ما تبقى من قوى الطرفين الذين لا يكاد يجمعهما اليوم إلا بعض الصور الشكلية من الدين.

إننا بصدد مواجهة يترجح أن تتفاعل بين أمريكا وإيران، ويُتوقع أن تكون فصولها في مواقع متعددة من بلدان العرب، وقد وقعت منها الآن مواجهتان، إحداهما على أرض العراق، والأخرى على أرض لبنان في الشام، لكن الأخطر هو ما يتعلق بجزيرة العرب من فصول المواجهة القادمة؛ فالنِدَّان التاريخيان يشتركان في مواقف متشابهة من العرب عامة، وعرب الجزيرة خاصة:

٣ كل من إيران والصهيو أمريكان يشتركان في بغض العرب عنصرياً.

٣ كلاهما يشتركان في عداء أهل السُنة دينياً ومذهبياً.

٣ كل من الطرفين يطمعان في مقدرات العالم الإسلامي عامة والعربي خاصة، والخليجي بوجه أخص.

٣ كِلا الطرفين يحتلان أراضي عربية ويطمحان إلى المزيد.

٣ لكل من الطرفين أذناب وأتباع من العرب المغفلين أو المنافقين الذين يعملون لحسابيهما، ويمكن استعمالهم في حروب الوكالة وقت الحاجة.

٣ ولكل من الطرفين: الإيراني الفارسي، والغربي الأمريكي الرومي، مشروع هيمنة كبرى تعتمد حساباته على أوطان العرب ولا تستبعد جزيرة العرب، فلإيران مشروعها الفارسي الرامي لإعادة الإمبراطورية الفارسية، أو (إيران الكبرى) الممتدة من البحرين إلى لبنان، مروراً بإمارات الخليج والعراق وسورية. والولايات المتحدة لها مشروعها (الإنجلو ساكسوني) الهادف إلى إنشاء إمبراطورية القرن الأمريكي الجديد، انطلاقاً من الشرق الأوسط الجديد.

ولكن الطرفين اللدودين يختلفان اختلافاً مصيرياً في أمور أخرى؛ فالولايات المتحدة ومن معها من دول الغرب والكيان الصهيوني، لا يمكنهم السماح تحت أي ظرف بأن تصبح إيران قوة إقليمية، فضلاً عن أن تكون نووية، ما دامت تحت سلطة حكم دينية، وهم لن يسمحوا لها بأن تنشئ زعامة ثورية للعالم الإسلامي، تستغلها لتنفيذ أَجِنْداتها المصلحية والمذهبية، ولن يفسحوا لإيران الطريق للتوسع شرقاً أو غرباً أو جنوباً أو شمالاً، حيث مناطق المصالح الحيوية لأمريكا والغرب، ولن يسمحوا أيضاً للشيعة عامة، والإيرانيين خاصة أن يمثلوا خطراً ـ ولو مستقبلياً ـ على أمن دولة اليهود، عندما تتضارب مصالح كل من (إسرائيل) وإيران، مثلما حدث في لبنان.

وفي الوقت نفسه لن تسمح إيران لأمريكا بالكعكة كلها فيما تسميه (الخليج الفارسي) .

إن للشيعة في إيران وفي خارج إيران؛ أجنداتهم الخاصة والضيقة، والتي لا تتعدى حدود حاملي الاعتقاد الإمامي الإثني عشري الرافضي، لكن هذا لا يمنع من تلاقي مصالحهم في أحيان كثيرة مع غيرهم، وخاصة إذا كانت على حساب أهل السُنة أو (العامة) كما يقولون؛ فعندها ـ وكما دلت حقائق التاريخ الماضي والمعاصر ـ يمكن أن يتحول قادتهم إلى عسس وعسكر تحت إمرة أعداء الإسلام الظاهرين والباطنين، لأجل تنفيس شيء من الأحقاد التاريخية التي يتوارثونها جيلاً عن جيل ضد أهل السُنة. والأجِنْدة الشيعية الفارسية الخاصة بكل توافقاتها أو تناقضاتها مع الأجندات الأخرى لأعداء الأمة؛ ظلت منذ تفجر الثورة الرافضية مفتقرة إلى قفزة عالية، تكفل لها الاستقلال والاستمرار، مهما تلاقت أو تناقضت مع الأجندات الأخرى. وقد كانت هذه القفزة العالية، هي دخول إيران (الإثني عشرية) إلى الموقع الحادي عشر من بين أعضاء النادي النووي الدولي ... وهنا قال الأمريكيون والأوروبيون والإسرائيليون: إلا هذا!! فالأجندة الشيعية المستقلة إذا كانت قوية ونووية، فإنها توشك أن تثور أو تجور على الأجندات الأخرى الطامحة دونما أي اعتبار لمصالح الآخرين، وهذا ما يفسر إصرار تلك الأطراف الثلاثة (أمريكا وأوروبا وإسرائيل) على التأكيد علناً بأنهم لن يسمحوا لإيران بحيازة السلاح النووي، حتى ولو أدى ذلك إلى المواجهة.

ولا مجال للحديث هنا عن «تمثيلية» بين الطرفين أو بعضهما فيما يتعلق بالملف النووي، ولا مجال لكلام أيضاً عن «عمالة» إيران أو الشيعة لأمريكا أو إسرائيل؛ فعمالة هؤلاء هي لشيء واحد، وواحد فقط، هو الشيعة والتشيع؛ فما يصب في (مصلحة النظام) الشيعي فهو حلال وواجب، وإن كان أنواعاً من الخيانة وأصنافاً من الجريمة، وما يتعارض مع مصلحة النظام الشيعي فهو إجرام حرام، ولو كان من أركان الدين أو مسلَّمات العقل.

- احتمالات الأزمة:

قد تكون المواجهة بين إيران والتحالف الغربي صِداماً عسكرياً، يفضي إلى تدمير القدرات النووية الإيرانية، وقد تكون سلسلة من المواجهات والضغوطات السياسية والاقتصادية التي تقود إلى صفقة لتأجيل أو تجميد البرنامج النووي الإيراني في الجانب المتعلق بتخصيب اليورانيوم. وقد تحدث المفاجأة قبل التمكن من هذين الخيارين، بإعلان إيران أنها نجحت بالفعل في إنتاج السلاح النووي، بعد أن تكون قد أحسنت إدارة معركة الوقت خلال ما تبقى من زمن لإنتاج سلاحها، وهو ـ كما يقول الخبراء ـ: يتراوح بين عام ونصف أو عامين.

لكن من غير المطروح في الاحتمالات أن يتنازل الإيرانيون عن برنامجهم النووي (على الطريقة الليبية) ، أو تغفل أو تتغافل عنهم أمريكا (كما حدث مع كوريا الشمالية) ؛ لكن المهم في كل ذلك، أن أسوأ السيناريوهات هي أقربها خطراً على جزيرة العرب، سواء كان ذلك عن طريق الحرب، أو عن طريق الصفقة، أو عن طريق النجاح في إنتاج أول قنبلة نووية رافضية في وسط انكشاف عربي سُني غير مسبوق، وذلك على ما يلي:

أولاً: سيناريو المواجهة العسكرية:

احتمال المواجهة العسكرية بين أمريكا وإيران، أو دولة اليهود وإيران ليس مستبعداً رغم أخطاره على الجميع؛ لأن الخطر سيكون أكبر في حال تملك إيران للسلاح النووي. وإذا لم تجد أمريكا مفراً من خيار الحرب ـ على خطورته البالغة على المنطقة كلها والعالم ـ فإن الخبراء يؤكدون أن المواجهة العسكرية لا بد أن تكون جوية وقوية وخاطفة، وقد تفوض أمريكا (إسرائيل) في ذلك؛ لتتلافى عدداً من المضار. وقد كشف تقرير نشرته صحيفة (نيويورك) الأمريكية في منتصف مارس ٢٠٠٦م، للكاتب (سيمور هيرش) ؛ أن إدارة بوش تدرس بجدية تنفيذ خطة جرى إعدادها بالفعل، لشن هجوم على المفاعلات النووية الإيرانية، وأن هذا الهجوم نفسه قد يكون نووياً، وقد يتوازى مع الإعلان عن خروج الأمريكيين الاضطراري من العراق، وهو ما سيعده العالم هزيمة أمريكية أمام القوى السنية المجاهدة على أرض الرافدين، حيث سيكون من مسوغات الضربة العسكرية ضد إيران؛ استعادة شيء من الهيبة الأمريكية العسكرية المهدرة على تراب العراق، بالإضافة إلى الهدف الأصلي من تلك الضربة ـ في حال الاضطرار إليها ـ وهو إنهاء حالة القلق المزمن التي تنتاب دولة اليهود من وجود نووي على مقربة منها.

لكن احتمال المواجهة العسكرية سيخلِّف أثراً، ربما يكون هو الأخطر على دول الجوار العربي، وهو أن إيران ستقلب ظهر المجن لهذه الدول، بدعوى ضلوعها في الترتيب لضربها، سواء كانت هذه الدعوى حقيقية أو مزيفة، وهنا قد تكون أول صواريخ الانتقام الإيراني موجهة إلى بعض البلدان الخليجية، كما صرح بذلك الزعيم الشيعي أحمدي نجاد، في تهديده لأمير قطر، كما نشرت ذلك صحيفة الشرق الأوسط في (٨/٥/٢٠٠٦م) ، وعندها لن تجد دول الخليج مناصاً من الاستجارة من جارتها، إلا بدولة الجَوْرِ العالمي (أمريكا) ؛ حيث لن يضيِّع الأمريكان تلك الفرصة النادرة الجديدة، لتسويق صفقات بمئات المليارات من الدولارات على التسلح الخليجي ضد العدو الجديد: إيران، وهذا قد بدأ من الآن.

ستكون حرب الخليج الرابعة ـ في حال وقوعها ـ حرب أمريكا الرابعة في الألفية الثالثة، بعد حروب أفغانستان والعراق ولبنان، إلا إذا استهدفت سورية قبلها، وستكون حرب إيران فرصة لأمريكا لأنْ تعلن عن بداية النهاية لحكم الآيات في طهران. إلا أن أمريكا لن تفوِّت أيضاً فرصة تكرار عملية ضرب إيران بالعرب، وضرب العرب بإيران، كما حدث في حرب الخليج الأولى، مع فارق كبير هذه المرة، هو أنه لا يوجد ظهير عربي قوي في المنطقة يتولى الدفاع المباشر عن جزيرة العرب، بعد سقوط البوابة الشرقية للأمة العربية (العراق) ! فاللهم رحماك!

أمريكا وحلفاؤها من أعداء العرب والمسلمين، يعلمون جيداً مدى العداوة الفارسية الشيعية للعرب السُنة، وقد عرفوا كيف يوظفون ذلك جيداً في العراق، حينما مكنوا الشيعة العراقيين من الاستفادة من إمكانيات الشيعة الإيرانيين لينفردوا بحكم العراق دون السُنة العرب، ليكونوا تحت ذلة شرطة وجيش الروافض، وهو ما أفضى إلى ما نراه من صراع أهلي بين فئات الشعب العراقي.

الخوف كل الخوف، أن يعمل الأمريكيون وحلفاؤهم، على تكبير صورة ما يحدث في العراق، ليشمل العديد من دول الخليج، حتى ينشغل عرب الجزيرة بفتن النزاعات الطائفية عن أية برامج إنمائية، أو تطلعات استقرار إقليمية، أو حتى جهود خيرية أو إغاثية، من شأنها أن تمثل مصارف نفع لمجتمعات الخليج وما حولها من عوائد الثراء النفطي، ولا بد أن تؤخذ تلك المخاوف مأخذ الجد، في ضوء قول الله ـ تعالى ـ عن الأمريكان وأمثالهم من أعداء المسلمين: {مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ} [البقرة: ١٠٥] .. فهم لا يريدون أن يبقى لهذه الأمة بقية {مِّنْ خَيْرٍ} في ثرواتها، ولا أمنها، ولا تقدمها واستقرارها: {حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم} [البقرة: ١٠٩] .

وسواء كان (هذا الخير) نفطاً أو غيره، على ضفاف الخليج، أو بطون أرض العراق، أو في أعماق بحر قزوين، أو حتى في إيران نفسها؛ فإن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين، لا يريدون على أية حال أن تستفيد الأمة منه بشيء ذي بال. فبترول إيران نفسه، هدف تضع أمريكا عينها عليه على المدى المتوسط أو البعيد، ليضاف بترول الخليج إلى بترول العراق، إلى بترول بحر قزوين القريب من أفغانستان، وربما بترول السودان، ليكتمل بذلك الاستيلاء على جميع منابع الثروة النفطية للأمة الإسلامية. وإذا ما تمكن الأمريكيون من إسقاط الحكومة الدينية في إيران عن طريق سيناريوهات ما يسمى بـ (الفوضى الخلاقة) ؛ فإن الوصول إلى بترول إيران لن يكون بعيداً، في ظل حكومة علمانية إيرانية جديدة. ومعلوم أن هناك خططاً في دوائر الاستخبارات الأمريكية حول ما يسمى بمشروع (تحرير إيران) ، وهو ما يمكن أن يكون الجزء المكمل لسيناريو ما بعد الضربة العسكرية للمفاعلات النووية الإيرانية في حال حدوثها. وقد نشر (وليام كريستول) أبرز رموز المحافظين اليهود الجدد، بل زعيمهم الكبير، ورئيس مشروع (القرن الأمريكي الجديد) مقالاً في مجلة (ويكلي ستاندارد) في شهر مارس ٢٠٠٤م بعنوان (نهاية البداية) قال فيه: «إن معركة تحرير العراق، كانت كبرى المعارك من أجل مستقبل الشرق الأوسط، وإن المعركة الكبرى التالية، هي معركة (تحرير إيران) ؛ لأن إيران أكبر عقبة في طريق إعادة تشكيل الشرق الأوسط الكبير» ، وقال: «لو ذهبت إيران، فسوف تحدث تغييرات إيجابية مساندة للغرب، في كل من سورية والسعودية» .

لكنَّ هناك شروطاً، اعتبرها الخبراء الاستراتيجيون ضرورية لنجاج أية ضربة عسكرية ضد إيران:

أحدها: امتلاك أمريكا وحلفائها معلومات دقيقة عن مواقع المفاعلات النووية الإيرانية، التي تبلغ ٤٠٠ موقع، بعضها في تحصينات مسلحة تحت الأرض.

والثاني: القدرة على مباغتة السلاح الجوي الإيراني قبل أن يبادر بالرد، وقبل أن تستخدم إيران ما لديها من صواريخ وأسلحة غير تقليدية.

والثالث: توفير غطاء ـ ولو شكلياً ـ من الشرعية الدولية من خلال المنظمة الأممية؛ لتوجيه تلك الضربة، وكذلك شرعية من الكونجرس الأمريكي.

والرابع: ضمان عدم تعريض القوات الأمريكية في العراق لخطر انتقام شيعي إيراني عراقي.

والخامس: ضمان عدم تعريض الدولة اليهودية لخطر هجوم إيراني مباشر عن طريق الضربات الصاروخية الإيرانية، أو غير مباشر عن طريق تفعيل الجبهة ضد تلك الدول من خلال حلفاء إيران في سورية أو لبنان.

ولعل هذا الشرط الأخير وحده هو الذي جرى ـ إلى حد ما ـ ضمانه من خلال ما حدث في حرب لبنان.

وإذا ما توافر قدر كافٍ من هذه (الضمانات) فلا يستبعد أن تستغل الولايات المتحدة الأمريكية، أو حتى تدبر أو تمرر حدوث عمل (إرهابي) كبير في وقت ما، في مكان ما، لتتهم إيران بأنها تقف وراءه، وعندها يكون العد التنازلي للضربة قد بدأ.

ثانياً: سيناريو الصفقة على حساب العرب:

قيام الولايات المتحدة بتوجيه ضربة عسكرية لإجهاض البرنامج النووي الإيراني، دونه مشكلات جمة، ولهذا قد تحوِّل الولايات المتحدة لغة القوة إلى لغة السياسة ولو كانت خشنة، مع شيء من التهديدات والتلويح بالعقوبات. والمخاطر التي يمكن أن تدفع باتجاه العدول عن المواجهة العسكرية متعددة، منها: أن التهديد النووي الإيراني ليس قريباً إلى الدرجة التي تضمن موافقة الكونجرس الأمريكي على إعطاء الإذن بشن الهجوم، وإذا لم يعطِ الكونجرس موافقته، فإن قرار الحرب لن يكون دستورياً، ومنها: أن الأمم المتحدة أيضاً لن يكون سهلاً لها أن تعطي غطاء شرعياً لتلك الحرب للسبب نفسه، ومنها: أن إيران تستطيع أن تضرب مناطق إنتاج النفط في الخليج، وتقوم بإغلاق مضيق (هرمز) الذي تمر منه ناقلات البترول بين الشرق والغرب، ومنها: أن أسعار النفط المرتفعة ستجعل الغرب حذراً من أي مغامرة تزيد في ارتفاع أسعاره، ومنها: أنه لا توجد رغبة لدى الرأي العام الأمريكي للتورط في نزاعات جديدة قد تكون أكثر دموية وأكثر كلفة على الشعب الأمريكي، ومنها: أن أمريكا تعلم أن التحالف الذي تحاول إقامته ضد إيران، هو تحالف هش؛ لعدم تحمس أوروبا ـ باستثناء بريطانيا ـ لضربة عسكرية، وكذا معارضة الصين وروسيا لها، إضافة إلى عدد لا يستهان به من بلدان العالم الإسلامي والعالم الثالث، ومنها: أن الخيار العسكري قد لا يفضي إلى القضاء الكامل على البرنامج النووي الإيراني، وفي حال الفشل في تحقيق أهداف الضربة، فإن إيران ستكتسب المشروعية الكاملة في حقها في تملك الردع النووي ضد من هاجموها، ومنها: أن الهجوم العسكري على إيران سيفتح آفاقاً جديدة في مهمة الحرب العالمية الأمريكية على ما تسميه بـ (الإرهاب) هي في غنىً عنها، حيث ستضاف قائمة بجماعات شيعية معادية ومحاربة، إلى جانب الجماعات السُنية التي لم تستطع أمريكا أن تسجل عليها نصراً حتى الآن.

فالمواجهة العسكرية، مع كل هذه المحاذير، لن تكون خياراً وحيداً، إلا إذا شعر الأمريكيون وحلفاؤهم، أن الأمر يوشك أن يفلت من أيديهم، وتتحول إيران بالفعل إلى قوة إقليمية ضاربة.

وحتى فرض العقوبات على إيران مع الاكتفاء بذلك، لن يكون كافياً وحده في حل الأزمة، بل لن يكون الوصول إلى قرار بشأنه سهلاً من خلال مجلس الأمن؛ لأن بعض الأعضاء الدائمي العضوية في مجلس الأمن كروسيا والصين ليسوا على وفاق في شأن هذه العقوبات، والقرار بالعقوبات لن يصدر إلا بموافقة الجميع. وحتى لو فرضت العقوبات؛ فإنها قد تلحق الضرر بقطاع الطاقة الإيراني، بما سيؤدي إلى رفع الأسعار عالمياً، ومن ثَم إلحاق الضرر بالغرب نفسه.

- بين الصفقة والصفعة: أين العرب؟!

داخل الإدارة الأمريكية نفسها، هناك فريقان مختلفان في طريقة التعامل مع إيران؛ فالمؤيدون للضرب والصفع ـ وأكثرهم من عملاء دولة اليهود داخل الإدارة الأمريكية ـ يرون ضرورة اللجوء للقوة لحسم المشكلة الإيرانية من جذورها كما حدث في أفغانستان والعراق. وهناك فريق آخر يرى أن الأفضل لأمريكا أن تتعاون مع إيران النفطية القوية في المرحلة الحساسة العاجلة، بدلاً من خسارتها بسبب ملفات نووية آجلة يمكن تفادي خطرها بخطط أخرى.

إن الأفعى الأمريكية اليهودية، تعودت على ألاّ تهاجم الصيد القوي، إلا بعد أن تلدغه بسُم قاتل ولو كان بطيئاً، فإذا سرى السم في أوصال الفريسة وضعفت عن المقاومة، أقدمت الحية لتصارعها في حال احتضارها؛ لتثبت أنها حية. والمعتقد أن الأفعى الأمريكية ستلدغ إيران بسم الصفقات والتوريطات، قبل أن تفترسها بالهجمات والضربات. والصفقة السُم يجري الحديث عنها منذ شهور طويلة، ومع هذا لم يفصح عن كامل تفاصيلها، إلا أن المعلن منها، أن (المجتمع الدولي) سيساعد إيران، في حال تخليها عن برنامجها النووي، في إنتاج ما تحتاجه من الطاقة النووية السلمية لتوليد الكهرباء التي تعلن أن برنامجها هو لأجلها، ومن عروض الصفقة: أن المجتمع الدولي سيساعد إيران على الالتحاق بمنظومة الاقتصاد العالمي، وتقدم لها في ذلك التسهيلات بدلاً من العقوبات، إضافة إلى الاعتراف بها كقوة لها دور محوري في النظام الإقليمي الشرق أوسطي، يشبه دورها زمن الشاه، عميل أمريكا القديم.

ومن الواضح أيضاً، أن الصفقة تتضمن إطلاق يد إيران في العراق، لتنفيذ مشروع التقسيم القديم، الذي سيجعل جنوب العراق الشيعي شبه تابع لإيران؛ في مقابل أن تضمن إيران لأمريكا مصالحها في العراق، وتحارب بالنيابة عنها المجاهدين من العرب السنة والأكراد السنة. ولكثرة تكرار الاتصالات الخيانية سابقاً بين أطراف إيرانية وأطراف أمريكية بشأن مصالح مشتركة بينهما ـ كما حدث في شأن أفغانستان والعراق باعتراف الطرفين ـ فإن الفريق الذي شارك في تلك الاتصالات في السابق يمكن أن يكون جاهزاً لإبرام الصفقة الجديدة التي ستكون في حال إبرامها صفقة الخيانة والخداع. فهي ستكون خيانة من جانب إيران للعرب والمسلمين السُنة؛ لأنها ستكون على حسابهم هم فقط، ومن جهة أخرى ستكون صفقة خداع من الأمريكيين للإيرانيين؛ لأنها ستكون السُم الذي ستلدغ به الحية، ريثما يسري الوهن في أوصالها. فهذه الصفقة الخادعة؛ ستنزع عن إيران سلاح التشدد الذي تستخدمه من أجل التعبئة الوطنية والقومية، وهي ستفقدها ثقة وثقل حلفائها الثلاثة الداعمين لها: روسيا والصين وكوريا الشمالية، وستورطها معهم؛ حيث إن مجرد توجه إيران للتنسيق مع أمريكا سيعني عند هؤلاء تضحية إيران بمصالحهم على عتبة المصالح الأمريكية، وستضعف الصفقة إيران أيضاً عندما تتركز ضربات المجاهدين السُنة ضد عملائها في العراق، وربما في غيرها، بعد أن يفرغ الأمريكيون الساحة لإيران وينسحبوا مهزومين من أرض الرافدين.

- لكن الإشكال الأكبر:

هو أن كل الاحتمالات الثلاثة الواردة، فيما يتعلق بنهاية أزمة الخليج الرابعة والراهنة؛ يبدو أن نتائجها المخطط لها ستكون على حساب العرب السُنة، وبخاصة في العراق وجزيرة العرب. فالضربة العسكرية إذا وقعت، ستكون بداية لمواجهات عسكرية انتقامية من إيران ضد العرب الذين (تحالفوا) مع الأمريكان كما ستقول إيران، وإذا تجاوزت إيران الخط الأحمر بإعلان النجاح في إنتاج القنبلة النووية؛ فسيكون ذلك بداية ابتزاز غير مسبوق للعرب السُنة من موقع القوة الفارسية الشيعية، وكذلك فإن احتمال إبرام صفقة، لن يكون إلا على حساب العرب؛ لأن تسليم العراق لإيران بموجب تلك الصفقة (مؤقتاً) ستجعل كل مخططات إيران ضد العرب وجزيرة العرب قيد التنفيذ، إلا إذا تصدت لها الدول العربية والمقاومة السُنية. وهو لن يعني إلا الدخول في حرب إقليمية طائفية، لا يعلم إلا الله كيف ومتى تنتهي.

إن ثنائية الخطر المتوقع ـ الصهيو أمريكي، والفارسي الشيعي ـ على عموم العرب وعلى جزيرة العرب، لا ينبغي أن يشغلنا بأحد الخطرين عن الآخر، أو يفرض علينا أن نطيل الاختلاف حول أشد الخطرين وأول التحديين؛ فالخطر ماثل من الاثنين معاً، ولا بد من التنبه والاستعداد للاثنين معاً؛ فمثلما هو الحال في العراق، وجد العرب السُنة أنفسهم في مواجهة الخطرين معاً، وكان قدرهم أن يتعاملوا مع كل منهما بما يناسبه؛ لأن الإغضاء عن خطر والانشغال بغيره، سيمكِّن الطرف المشغول عنه من الوصول إلى غايته وأهدافه. وغاية أهداف الطرفين ـ كما سبق التفصيل ـ هو فرض حالة جديدة من الذلة المستمرة والضعف الدائم على أهل السُنة في موطن قوتهم، وموضع منعتهم، وفي حصنهم الأخير ... جزيرة العرب.

وأختم هذه الحلقات عن أزمة الخليج الرابعة بتلك الوقفات:

٣ لفداحة خطر هذا الاحتمال الوارد في استهداف جزيرة العرب، لا ينبغي الاعتماد في كيفية مواجهته على اجتهاد واحد، بل ينبغي أن تتلاقح أفكار الحكماء والعلماء والعقلاء من كل الأطراف على مواجهة ذلك الخطر.

٣ الخطران الماثلان من إيران وأمريكا ليسا مستبعدَيْن، ولهذا لا ينبغي أن نغرق في تفاصيل: أيهما أخطر؟ وبأيهما نبدأ؟ على طريقة الجدل الحاصل عن (العدو القريب والعدو البعيد) و (العدو الظاهر أم الباطن) ... فكلا الخطرين حقيقة، وإن كانت تتفاوت بحسب الاعتبارات المختلفة.

٣ هناك خطر ثالث غير خطر إيران والصهيوأمريكان، وهو خطر المنافقين، إلا أنه خطر تابع ذليل لا فاعل أصيل، فالمنافقون؛ وإن كانوا أعداء، بل أخطر الأعداء كما قال الله ـ عز وجل ـ: {هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} [المنافقون: ٤] ؛ إلا أن خطرهم مرهون ببقاء وقوة من يستندون إليهم، ولهذا ينبغي التركيز على الأعمدة التي تستند إليها تلك الخُشُب المسنَّدة؛ فإنها ستنهار بانهيارهم.

٣ نصائح البعض بضرورة تناسي الخلافات، وعدم إثارة النعرات، شيء جيد لو عملت به الأطراف الأخرى أىضاً، أما أن يُطالب أهل السنة فقط بإدارة الخد الأيمن والأيسر معاً؛ فإن هذا كان من أسباب الاستهانة بهم من كل الأطراف. وعلى من يطالب بتناسي الخلافات مع الروافض دون أن يملك إلزامهم بقيد شعرة من ذلك؛ أن يُطالب أيضاً بتناسي الخلافات وتجاوز النعرات مع مَنْ يتصدون اليوم للدفاع عن الأمة في ساحات النزال.

٣ الأمريكان ليسوا سواء، والأوروبيون ليسوا سواء، وكذلك أهل إيران ليسوا سواء، ولكن الإشكال أن المتنفذين في كل هذه الأطراف هم الأسوأ، وهم الأكثر قدرة على الفعل، ولهذا لا ينبغي التحصن خلف الخطاب العاطفي الخيالي غير الواقعي، الداعي إلى (الاعتراف بالآخر) و (حسن الظن بالآخر) ، وإلقاء كل التبعة على الأخ الآخر.

٣ جَهَلَةُ المثقفين من العلمانيين والقوميين وبعض المتحمسين من الإسلاميين؛ لا ينبغي أن يظلوا هم فقط لسان حال الأمة في حربها وسلمها، وولائها وبرائها؛ فقد أظهرت أحداث لبنان الأخيرة، أن لا شيء عند القوم ثابتاً، ولا حتى مبادئ القومية، ولا العلمانية ولا الشرعية، وأمثال هؤلاء الذين زمّروا وطبّلوا لزعيم شيعة لبنان حتى جعلوه (رمز كرامة الأمة) لا يستبعد أن يجعلوا (نجاد) غداً، الأمل الوحيد للمستضعفين، والبطل الجديد لأمة التوحيد!


(١) رواه أبو داود في سننه عن ثوبان، رقم (٢٤٩٧) ، وصححه الذهبي في ميزان الاعتدال (٢/٢٩٥) ، وقال الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة: (صحيح بمجموع طرقه) ، رقم (٩٥٨) .
(١) في كتبهم المتداولة نص ينسبونه للأئمة: (خذ مال الناصب ـ يعني السُني ـ وكل شيء يملكه حلال) !، تهذيب الأحكام للطوسي (٢/٤٨) ، و (وسائل الشيعة) للعاملي (١١/٦٠) .
(٢) راجع مقال: (وماذا عن التكفيريين الشيعة؟) للكاتب، وهو منشور على شبكة الإنترنت في العديد من المواقع الإسلامية.
(٣) في تفسير العياشي الشيعي (٢/٥٨) وكتاب (بحار الأنوار) للمجلسي (٥٢/٣٤٢) ، أن الناس يعجبون من كثرة القتل الذي يُعمله المهدي في العرب، حتى يقولوا: «لو كان محمدياً ما فعل، ولو كان علوياً ما فعل، ولو كان فاطمياً ما فعل» ! وفي كتاب الغيبة للنعماني ص ١٥٥، وبحار الأنوار (٥٢/٣٤٩) ينسبون للأئمة: «ما بقي بيننا وبين العرب إلا الذبح» ، وفي الغيبة للنعماني أيضاً ص (٢٨٤) ، وبحار الأنوار (٥٢/٣٣٣) : «اتق العرب؛ فإن لهم خبر سوء، أما إنه لن يخرج مع القائم منهم واحد» .
(٤) في كتابهم (بحار الأنوار) (٥٣/١٠٤ ـ ١٠٥) : أن أحدهم حدَّث عن المهدي فقال: «أتدري أول ما يبدأ به القائم؟ أول ما يبدأ به يُخرِج هذين ـ يعني أبا بكر وعمر ـ رطبين غضين فيحرقهما ويذريهما في الريح، ويكسر المسجد» .
(٥) في كتاب الغيبة للطوسي ص ٢٨٢، وبحار الأنوار للمجلسي (٥٢/٣٣٨) : «إن القائم يهدم المسجد الحرام حتى يرده إلى أساسه، ومسجد الرسول -صلى الله عليه وسلم- وآله، إلى أساسه» !!.