للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

المسلمون والعالم

طالبان.. وقدر أفغانستان

(١/٣)

طالبان.. والمهام الجسام

عبد العزيز كامل

ما إن ظهرت حركة طلاب العلم.. أو (طالبان) في أفغانستان، حتى حامت

حولها الشكوك، وتجمعت فوقها سحب كثيفة من علامات الاستفهام والاستهجان

والتعجب والترقب..! ذلك أن تلك الحركة ظهرت في جو أزمة مؤصد الأبواب،

قادت إليها أجواء مسممة، بأهواء متبعة وشح مطاع.

ومما زاد من اللغط المثار حول الحركة؛ أنها أظهرت بمجرد بروزها تبني

مشروعات كبرى، كانت تبدو خيالية، أو قل خرافية في ذلك الوقت، كدعواها أنها

تهدف إلى توحيد أراضي أفغانستان كلها تحت قيادة واحدة، وستنشئ حكومة

إسلامية تطبق الشريعة بحذافيرها، وأظهرت كذلك أنها تنوي إقصاء كل القوى التي

شاركت في فتنة الحرب الأهلية، إضافة إلى نيتها في إعادة بسط الأمن، وإعادة

الحياة الطبيعية، وقمع الفساد والجريمة التي استشرت في البلاد في ظل غياب

سلطة حقيقية طيلة سنوات عديدة..

لقد استخف الجميع في الداخل والخارج بتلك الحركة في مبدأ أمرها، ولم تكن

نظرة الاستخفاف بأولئك الطلاب مقصورة على قادة الفصائل الأفغانية المتصارعة،

بل تعدتها إلى نظرة عامة خارج أفغانستان؛ حيث جوبهت تلك الحركة بالتجهم

والتجاهل أحياناً، وبالشك والتشكيك أحياناً أخرى، ولم يكن ذلك من جماهير عوام

المسلمين فقط، بل كان موقف الكثير أو الأكثرية من الإسلاميين العاملين، حتى

كادت حركة (طالبان) أن تكون الحركة الإسلامية الوحيدة التي لم يكلف الناس

أنفسهم بشيء من الموضوعية في النظر إليها أو الحكم عليها، وكأن الناس قد

أصيبوا بحالة من الكسل الفكري، بعدما أرهقتهم الأحداث المتسارعة في العالم

المتصارع حولهم، وبعدما كَدّت أذهانهم التحليلات المتناقضة لما يدور في العالم من

أحداث يُنسي بعضها بعضاً، ويرقق بعضها بعضاً، فكان من نتيجة هذا كله أن

أكثر الناس نفضوا أيديهم وعقولهم أيضاً من المشاركة، مجرد المشاركة في الاهتمام

ولو وجدانياً بما يدور في أفغانستان، بل ما يدور في أنحاء العالم الإسلامي، وكان

هذا انعكاساً لحالة من الفتور العام.

لكن أفغانستان بالذات، يمكن التماس العذر للناس في الانفضاض من حول

رموزها القيادية، بعدما صدموا الأمة في مشاعرها برفع السلاح في وجوه بعضهم

البعض بعد انتهاء الحرب مع الشيوعيين، وتلك قصة لن نقف عندها هاهنا؛ لأنها

باتت معلومة مفهومة.

لكن ما يمكن أن يكون عذراً لعوام الناس، قد لا يصلح عذراً لخواصهم،

فمتابعة أحوال المسلمين في أفغانستان وغيرها، من الهموم التي لا يسع المسلم

الحريص إهمالها، لهذا أقول: إن ما يحدث في أفغانستان، كان ولا يزال بسلبياته

وإيجابياته شأناً من شؤون الأمة الإسلامية، ومن لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم.

ونحن المسلمين لنا موازيننا المستقلة والعادلة التي نضبط بها الأشياء ونقيس

بها الأمور؛ فالموازين التي قادت الأمة أول مرة للوقوف بكل ثقلها خلف الجهاد

الأفغاني ضد الشيوعيين هي نفسها الموازين التي دفعتها بعد ذلك لإدانة خروج قادة

الجهاد أو بعضهم عن خط الجهاد وخُلُق الجهاد، وتلك الموازين هي بعينها التي كان

ينبغي لنا أن نتحرى وفق معاييرها الحكم على المستجدات الأخيرة عبر سنوات

أربع من ظهور حركة طلاب العلم على الساحة الأفغانية.

ونحن ننطلق في نظرتنا وتقويمنا لهذه الحركة من أمرين:

الأول: الموازين الشرعية في الحكم على الأشياء من حيث كونها حقاً أو

باطلاً.

الثاني: المعطيات المتوافرة، والمعلومات المتاحة لما يدور من أحداث، مع

تحليله بحياد وموضوعية قدر الإمكان.

ومع استصحاب هذين الأمرين، سنحاول إلقاء الضوء على حركة (طالبان)

دون أدنى خضوع للمؤثرات الإعلامية الغربية وتوابعها العربية؛ حيث لا يُعرف

عن أرباب هذا الإعلام حرصٌ على الحق أو العدل إلا ما أُشرب من هواهم.

طالبان وظروف النشأة:

هم مجموعات من الشباب من طلاب العلم الشرعي الذين شاركوا في الجهاد

الأفغاني ضد الشيوعيين، ثم عادوا بعد انتهاء الحرب إلى التفرغ للعلم والدراسة،

ثم كان أن اندلع الصراع بين قادة الفصائل الأفغانية كما هو معروف بعد الاستيلاء

على العاصمة الأفغانية كابول وتحريرها من الحكم الشيوعي. وتسبب هذا الصراع

في خراب كبير وفوضى شاملة، سقط خلالها ما لا يقل عن ثلاثين ألف قتيل [١] ،

ونحو مئة ألف جريح، بخلاف من شُرّدوا وهُجّروا. ولم تنجح كل الجهود

والوساطات في الوصول إلى نهاية لهذا الصراع، ولم تفلح أيضاً الصيغ المقترحة

لتقاسم السلطة بين الرفقاء الذين غدوا فرقاء؛ حيث حلت الأثرة محل الإيثار،

وأثبتت الأيام أن قوة المؤثرات القبلية والمذهبية، كان لها دفع أكبر من قوة دفع

الجهود الإصلاحية، ولهذا أجهضت محاولات الصلح. وبدا شبح التقسيم يهدد

أفغانستان، بعد أن سكنتها أشباح أخرى تمثلها الحرب الأهلية والمجاعات والأزمات

والمؤامرات الداخلية والخارجية، بل إن خطراً آخر برز في الآفاق ظل يتهدد

أفغانستان، هو عودة السيطرة الأجنبية في أثواب جديدة، بل لم يعد مستبعداً أن

تعود الشيوعية نفسها بعد أن استعاد أذنابها عافيتهم، بعدما أنعشتهم روائح الدخان

والنار والدمار!

ومن رحم الأزمة وعنفوانها ولدت الحركة فخطفت الأضواء وغيّرت ... ...

الأجواء ... ولدت حركة الطلاب لتكون صرخة ميلادها احتجاجاً تاماً على ما وصلت إليه الأمور. جاء الوليد ليقول لكل من ساهموا في إخراجه وميلاده العسير: أن كفوا.. قفوا ... انتهوا..!

واندفع طلبة العلوم الإسلامية في مدينة قندهار إلى إعلان مقاومة الفساد

والشيوعيين والأحزاب معاً في ربيع الثاني عام ١٤١٥هـ.

وكان أول بروز إعلامي لحركة الطلبة في منتصف شهر نوفمبر من

عام ١٩٩٤م في مدينة (قندهار) العاصمة الملكية القديمة، تلك المدينة التي تفلّتَ زمامها ليصير إلى أيدي السرّاق والفساق وقطاع الطرق أثناء الحرب الأهلية، وحدث أن تربصت تلك العصابات بقوافل إغاثية قادمة من باكستان ومكونة من

٢٠ شاحنة،وعدا قطاع الطرق عليها، فاعتبر الطلاب في المدينة هذا ضرباً من البغي والإفساد الذي لا يمكن السكوت عليه، فتصدى جمع منهم لاستنقاذ هذه القافلة من أيديهم.

وبالفعل نجحوا في تخليصها منهم، ولقد أكسبت هذه الحادثة طلبة العلم

مصداقية عند الناس من مدينة (قندهار) فالتف حولهم متعاطفون كُثر، وأصبح لهم

نفوذ ظل يتنامى ويتعاظم في الولاية، وتطلع الطلاب إلى استثمار هذا القبول وهذه

القوة الناشئة بعد تنظيمها في إصلاح ما يمكن إصلاحه في الوسط المحيط بهم.

وواصل الطلاب وأتباعهم عملية التصدي لأعمال الفساد والإفساد في أنحاء

الولاية.

وكانت (قندهار) التي يبلغ سكانها ٣٠٠ ألف نسمة، نقطة البدء وقاعدة

الانطلاق. لقد بسط الطلاب بعد أن أصبحوا حركة منظمة سيطرتهم على الولاية

حتى استتب لهم الأمر فيها في ظل فراغ إداري في بلاد مترامية الأطراف لا

تحكمها حكومة موحدة ولا قوية. وكغيرها من ولايات أفغانستان التي تقاسمتها

الفصائل والقبائل والأحزاب؛ خضعت قندهار لإدارة هؤلاء الطلبة المنتمين في

معظمهم إلى قبائل البوشتون، وولوا فيما بينهم واحداً منهم وهو الملا محمد عمر

الذي كان ممن شاركوا في الجهاد عملياً، بقرينة شاهدة على ذلك، وهي فقده لإحدى

عينيه في الجهاد، وكان قد عاد كأقرانه إلى طلب العلم بعد انتهاء موجبات الجهاد،

فلما كوّن الطلاب حركتهم ورأّسوه عليهم، تشكل بعد ذلك مجلس شورى يضم ثمانية

أفراد.

ويبرز هنا سؤال:

هل كان قادة المجاهدين القدامى على معرفة بالأفراد البارزين في حركة

(طالبان) أم أن هؤلاء كما يشاع نكرات مجهولون لا يعرف لهم أصل ولا انتماء؟

الحقيقة أن كثيراً من قادة المجاهدين المعروفين، قد أثنوا في مبدأ الأمر على

قادة الحركة باعتبار أشخاصهم، بل قد راهن الكثير منهم على أن يضموهم إلى

صفوفهم، أو أن يستفيدوا منهم على الأقل.

فحكمتيار الذي يشاركهم في الانتماء القبلي حاول استمالتهم مظهراً الود لهم،

ولكنهم لم يشاركوه تلك المشاعر، بل رأوا فيه مسؤولاً أساسياً عن الدمار الذي حاق

بأفغانستان بعد الحرب!

أما أحمد شاه مسعود، فقد كف عنهم في البداية متعمداً لا حباً فيهم بل بغضاً

في حكمتيار، ولعلهم يشاركونه في التخلص منه.

وأما الشيخ سياف وهو من أصدق القادة لهجة فيما نظن فقد أثنى عليهم

أشخاصاً لا حركة، وقد سئل عن (طالبان) في حديث صحفي أجرته معه جريدة

الحياه (٧/٢/١٤١٧هـ) : فقال (قادتها معروفون لدينا) وقصارى ما أخذه عليهم عدم استقلالية قرارهم، ولكنه قال أيضاً لمجلة الإصلاح عندما سألته عنهم: (هم أحبابنا، ولا زالوا على صلة بنا، وبعضهم في المواقع المرموقة في قيادة الطالبان يصارحوننا، بأنهم لا يعرفون ماذا سيفعلون) (الإصلاح:١٥/٢/١٤١٧هـ) .

ولكن الشيخ سياف كان يشارك القادة الآخرين نظرة الاستهانة بقدرات تلك

الحركة في بدايتها، حتى إنه عندما سئل في المجلة نفسها عن مدى تهديد طالبان

للعاصمة قبل دخولها قال: (أعتقد أنهم ليسوا على مستوى الاستيلاء على العاصمة) . ...

أما رباني: فكان على معرفة جيدة بقادة (الطالبان) وقد صرح بذلك في بداية

الأمر فقال: (تعاونا مع طالبان منذ البداية وقدمنا لهم كل الدعم، غير أن هذا

التنظيم تخلى عن مبادئه الأصلية) وعن طريق يونس خالص، وعن طريق محمد

نبي محمدي الذي كان نائباً له قبل دخول طالبان إلى كابول كان رباني يتابع شأن

طالبان، وقد حاول محمد نبي أن يقنع رباني بالاستفادة من هؤلاء الشباب،

واختلف معه بشأنهم وهما لا يزالان في السلطة وحاول أن يثنيه عن عزمه على

التصدي لهم، وظهر هذا الاختلاف في العلن، حتى إن محمد نبي هاجم رباني بعد

ذلك متهماً إياه بـ (افتعال القتال ضد حركة طالبان لإيجاد مسوّغ يتيح لقواته إدخال

البلاد في دوامة جديدة) ثم عبر محمدي عن رأيه الصريح فيمن يسعى للسيطرة

لمجرد السيطرة، هل هم طلبة العلم، أم المعادون لهم فقال: (إن رباني وحكمتيار

هما المتحاربان اللذان يحبان الكراسي، وسيظلان يتحاربان من أجلها)

(الحياة ١٦/ ١٠/١٤١٥هـ) .

أما يونس خالص فكان منذ البداية متعاطفاً مع حركة الطلبة، بل إنه شاركهم

عملياً في مساعيهم لتوحيد البلاد تحت حكومة واحدة، وخاصة عندما طلبت منه

حركة طالبان أن يتولى تأمين العاصمة كابول، عندما حشدوا أكثر قواتهم صوب

مزار الشريف في المحاولة الأولى لفتحها.

فالحاصل هنا أن الزعماء البارزين في حركة طالبان كانوا معروفين لدى

الزعماء البارزين من قادة المجاهدين القدامى، وهذا مهم في نفي صفة النكارة عنهم، والتي يتعلق بها منتقدوهم ليصفوهم بعد ذلك بما هو أسوأ كوصفهم بأنهم عملاء

لباكستان وأمريكا.. أو من الشيوعيين القدامى، أو أصحاب توجهات علمانية مخفية.. إلخ! !

مسيرة الحركة في توحيد أفغانستان:

كان لقادة حركة الطلاب نظرة ثابتة فيما يتعلق بعلاج مشكلة الصراعات في

أفغانستان، وتتلخص نظرتهم في الحل: في ضرورة تخليص البلاد من القوى

والعناصر المتسببة في استمرار الشقاق؛ إذن لا بد من توحيد ولايات أفغانستان من

أقصاها إلى أقصاها تحت قيادة موحدة لا عنصرية ولا قبلية ولا مذهبية، وقد

تبلورت هذه النظرة وتحولت إلى هدف ثابت بعد النجاحات التي أحرزتها الحركة

بإخضاعها ولايات عديدة لسيطرتها بعد قندهار، وقد لمسوا من جموع الشعب

الأفغاني ترحيباً بهذا التوجه؛ فالناس قد سئموا من الخلافات والعداوات والمواجهات

التي لا يدفع ثمنها الباهظ إلا البسطاء والفقراء من أرزاقهم ودمائهم وأرواحهم.

ورأى هؤلاء البسطاء في حركة الطلاب أملاً يلوح في الأفق، فانحازوا إلى صفهم، وكان أهالي كل ولاية يحدثون غيرهم عن أحوال ولايتهم بعد مجيء الطالبان؛

حيث عم الأمن، وعادت التجارة، وانعدمت القلاقل والفتن التي كانت تحدثها

العصابات المسلحة في كل مدينة، وكان شباب الطلاب عندما يقدُمون إلى ولاية من

الولايات يُقدّمون بين أيديهم وفوداً من علماء الدين، ليطلبوا من زعماء القبائل

النزول لحكم طالبان، حتى لا تزهق الأرواح أو تزداد الفتن، ثم يعقب تلك الوفود، قدوم الجنود، رافعين المصاحف بأيمانهم والسلاح بشمائلهم، فكان الصلحاء من

الناس تتعلق قلوبهم بالمصاحف رغبة، أما غير الصلحاء فكانت ترتعد فرائصهم من

السلاح رهبة. وتتالت فتوحات حركة الطلاب، حتى دانت لهم المدن والولايات

وسيطروا خلال عام واحد على ما يقرب من ثلث أراضي أفغانستان!

كل هذا، والقادة الكبار يرون فيهم حركة طارئة، ونبتة طرية، يدفعها حماس

فوار لن يلبث أن يفتر، وتجربة قليلة قصيرة لن تلبث أن تخفق.. وكل الأطراف

سائرة فيما هي ماضية فيه غير عابئة بهذه (السحابة) المارة، حتى الأمم المتحدة،

ظلت ماضية في خططها لتسويات تمكّن للقوى الغربية في أفغانستان، عن طريق

عناصر من غير الفصائل، والفصائل بدورها ظلت ماضية فيما يشبه لعبة الكراسي

الموسيقية، تتناوب التحالفات والتعاهدات.. وتتقلب في الولاءات والعداوات.

وفي سبتمبر من عام ١٩٩٥م انتهت الحرب الأهلية، بين حكمتيار ورباني،

تلك الحرب التي كانت عجباً في انتهائها، كما كانت عجباً في ابتدائها؛ حيث عاد

المصطرعون من حيث بدأوا، فقد تصالح حكمتيار بعد خراب الديار مع أحمد شاه

مسعود (القائد العسكري لرباني) وعلل حكمتيار قبوله للصلح بقوله: (في الواقع لقد

بدأوا يقدمون لنا يقصد رباني وحكومته تنازلات أكثر مما كنا نطالبهم به أثناء

وجودنا في جهارسياب) ! ولكن تنازلات رباني لم تكن هي في الحقيقة السبب في

المصالحة والتحالف فيما يظهر، بل كانت منازلات (الطالبان) هي السبب والمحرك

الرئيسي لهذا الانقلاب المفاجئ؛ فحكمتيار الذي كان يمطر كابول بوابلات النيران،

ولم يستطع أحد صده ولا رده أخرجته حركة قوات طالبان من معاقله في جنوب

كابول، حيث كان يتمركز في (جهارسياب) .

وغدت قوات الطلبة رقماً صعباً يتهدد كل القوى الرئيسة في أفغانستان؛

فبعدما طرد حكمتيار من (جهارسياب) تحركت قوات طالبان إلى أكبر المدن الواقعة

تحت سيطرة رباني بعد كابول وهي مدينة (جلال أباد) فأسقطتها بعد قتال خفيف مع

القوات الحكومية في (٢٥/٤/ ١٤١٧هـ الموافق ٩/٩/١٩٩٦م) أما العميل العنيد

(دوستم) فقد تعجل تسوية الخلاف مع الحكومة الائتلافية الجديدة لينسق معها في

مواجهة (طالبان) وكان قد تم إشراك دوستم في منصبين وزاريين في حكومة

حكمتيار.

ولكن طالبان لم تترك لغرمائها فرصة لالتقاط الأنفاس؛ فحكمتيار واصلت

طالبان مطاردته في معقله الجديد في (ساروبي) وبالفعل تم لطالبان السيطرة على

معقله الثاني، وظلت قوات طالبان تتعقب المدن التي كان يسيطر عليها رباني،

حتى لم يعد يسيطر، قبل فتح كابول إلا على خمس ولايات من أصل ثلاث وثلاثين

ولاية. ثم انتقلت قوات طالبان إلى مدينة (كونار) بعد أن استدعى (سميع الله) أمير

الجماعة السلفية طلاب جماعته من باكستان لقتال (الطالبان) وتم لقوات طالبان

دخول مدينة (كونار) وأخرجوا منها سميع الله الذي كان وزيراً أيضاً في وزارة

حكمتيار.

فتح كابول:

ظلت الولايات الكبرى تتساقط الواحدة تلو الأخرى في أيدي مقاتلي (الطالبان)

ولكن العاصمة كانت لا تزال في أيدي التحالف الحكومي بزعامة رباني، إلا أن

عين الحركة كانت على العاصمة وهي تزحف من حولها في كل جانب، وظلت

الأطراف كلها تراهن على الاحتفاظ بالعاصمة، بكل ما يعنيه ذلك من التمتع بمركز

القوة الأكبر في البلاد، ولكن قوات الطلبة، استجمعت قواها، وحفزت عزائمها،

ثم توجهت بكثافة كبرى نحو العاصمة في ١٤/٥/١٤١٧هـ الموافق ٢٧/٩/١٩٩٦م

وتمكنت من دخولها في ذلك اليوم دون مقاومة كبيرة!

ماذا يعني فتح كابول؟

كان يعني أن أكثر من ثلثي البلاد قد خضعت لحكومة واحدة هي حكومة

طالبان وأنها أصبحت تقود البلاد من العاصمة نفسها، وفتح كابول كان يعني أيضاً

أن القوى الكبرى في أفغانستان من زعماء الأحزاب، لم يعودوا مؤهلين في نظر

الشعب لحماية البلاد، بعد أن فروا من العاصمة دون مقاومة وكان يعني أيضاً

الانتهاء عملياً من الحكومة القائمة؛ حيث أطلق عليها من ذلك اليوم: - (حكومة

رباني المخلوعة) ، وكان فتح كابول يعني أيضاً نهاية أطماع الأمم المتحدة في إيجاد

واقع جديد في أفغانستان يخدم الأطراف التي تحرك الأمم المتحدة.

وبعد سقوط حكومة رباني [٢] : بدأ السعي لإنشاء تحالف عسكري للمعارضة! وبالفعل تشكل ما أطلق عليه (الجبهة الوطنية الموحدة) من قوات رباني مع بقايا

قوات حكمتيار، مع من تحالف معهما من الشيوعيين والشيعة. وتم توقيع اتفاق

التحالف في ٢٦/٥/١٤١٧هـ الموافق ٩/١٠/١٩٩٦م.

وأعلنت كل من روسيا والهند وإيران دعم هذا التحالف المناهض لحكومة

طالبان!

وبعد توقيع التحالف الجماعي المذكور، تم توقيع تحالف ثنائي آخر في

(٣٠/ ٥/١٤١٧هـ الموافق ١٣/١٠/١٩٩٦م) ، بين أحمد شاه مسعود وعبد الرشيد دوستم، في مدينة جيحان شمال ممر (سالانج) وقد حضره وللأسف القنصل الروسي في مزار الشريف ولكن هذا التحالف سُددت له ضربه قوية، باستيلاء طالبان على قاعدة باجرام الجوية في شمال كابول في (٥/٩/١٤١٧هـ الموافق

١٤/١/١٩٧٧م) .

وجرت بعد ذلك محاولات كثيرة لإبرام صلح بين حكومة طالبان ومعارضيها

يسمح لرموز المعارضة بالعودة إلى كابول بعد أن تنسحب منها طالبان، ولكن

حكومة الطلاب رفضت رفضاً حازماً أن يشارك أحد من العناصر السابقة في

السلطة.

وهنا أعلنت فصائل المعارضة أن كابول لا بد أن تُسترد بالقوة! ولكن.. أي

قوة؟ ! ألم تكن كابول في أيدي قوات رباني ومسعود وحكمتيار؟ ! فتركوها دون

قتال وفضلوا الفرار؟ !

فلماذا القوة الآن؟ !

المشكلة أن القادة تعللوا وقتها بأنهم آثروا حقن الدماء! ! أي دماء؟ إن ثلاثين

ألفاً أو أكثر قتلوا أثناء الحرب الأهلية من سكان كابول وحدها؛ فأين كان حقن

الدماء؟

ولمزيد من حقن الدماء قررت موسكو في ٢٢/٤/ ١٩٩٧م أن تزود أحمد شاه

مسعود بـ ١٢ طائرة مقاتلة من طراز سوخوي وميج ٢١، ولمزيد من حقن الدماء

تحالف حكمتيار بعد مسعود مع دوستم الدموي؛ وكريم خليلي الرافضي،

واستجمعوا قواهم جميعاً لخوض المعركة الكبرى انطلاقاً من معقل الأوزبكي

الشيوعي (دوستم) من مزار الشريف! !

فما هي قصة المزار الشريف؟

هي المدينة التي يعتقد الأفغان أن قبر علي رضي الله عنه موجود فيها، وقد

اتخذها (دوستم) معقلاً له، إضافة إلى سيطرته على المحافظات الشمالية المحاذية

لحدود أوزبكستان. ويزيد عدد سكان مدينة المزار الشريف عن سكان كابول نفسها

بأربعة أضعاف، وميليشيات دوستم كانت قوية جداً وجيدة التسليح، وهي أقرب

لجيش نظامي يضم أكثر من خمسين ألف مقاتل، وتضاعفت قوتهم بعد تشكيل

تحالف المعارضة مع مسعود وحكمتيار وحزب الوحدة الشيعي، ومما زاد من أهمية

هذه المنطقة أنها غنية بالثروات الطبيعية من البترول والغاز الذي لم يستغل بعدُ.

وكان دوستم يتلقى الدعم المباشر من روسيا؛ حيث كانت تعتبره سداً منيعاً لحدود

طاجيكستان الملاصقة لها. كان دوستم قد أُعطي وزارتين في حكومة رباني، ومع

ذلك ظل ساخطاً ورفض الاعتراف بها. ورغم كل أسباب القوة الحقيقية والوهمية،

فإن طالبان لم تُخْفِ عزمها على إخراجه من مزار الشريف، ولم تفلح محاولات

تركيا لإنشاء تحالف بين طالبان ودوستم ضد بقية الفصائل. وكان قادة طالبان

يقولون ببساطة: لا فرق بين دوستم ونجيب الله، ولو ظفرنا به لألحقناه بمصير

نجيب الله، الذي أعدم في اليوم الأول من دخول كابول.

وظلت محاولات طالبان موجهة نحو معقل دوستم، حتى لاحت فرصة

اعتبرها قادة الحركة حقيقية ونادرة لحرصهم على عدم إراقة الدماء وهي انشقاق

أحد قادة دوستم الرئيسيين وهو (عبد المالك بهلوان) وقد أغرى (طالبان) بتسهيل

دخول المدينة مقابل مكاسب متفق عليها، وبالفعل حشدت (طالبان) قواتها لهذه

الغنيمة السهلة، حتى إنهم لم يحرصوا على التزود بالأسلحة الثقيلة للاقتحام،

وبالفعل استولت قواتهم على المدينة في ٢٤ /٥/١٩٩٧م الموافق ١٦/١/١٩١٨هـ، وولت قوات دوستم الأدبار بعد ارتباك عظيم دب في صفوفها، وفر دوستم نفسه

إلى تركيا، ولكن حدث ما لم يكن في الحسبان؛ إذ سرعان ما غيّر (بهلوان) ولاءه

ونكث بعهده، ومن غير الواضح، ما إذا كان قد فوجئ بطلب قوات طالبان من

جنوده أن يسلموا أسلحتهم، أو أنه كان ناوياً الغدر منذ البداية للإيقاع بقوات الحركة

في فخ كبير؟

الحاصل: أن قوات (بهلوان) رفضت نزع سلاحها، وأشعلت الحرائق في

المدينة، ودخلت في معركة كبيرة مع قوات طالبان غير المستعدة لها مما اضطر

طالبان لأن تنسحب من المدينة انسحاباً تكتيكياً، بعد أن دخلت قوات أحمد شاه

مسعود المعركة ضدهم أيضاً، ووقع ما لا يقل عن عشرة آلاف من قوات طالبان

في الأسر، وقتل منهم الكثير، وأسر عدد من قادتهم ووزرائهم، وعاد دوستم من

تركيا ليعيد تنظيم قواته مرة أخرى!

درس لا ينسى:

انت مأساة مزار شريف درساً تعلمت منه القيادة الطالبانية ألا تتساهل في أي

تحالفات تدخلها، وأن تستبعد بشكل نهائي الاتكاء على قدرات الغير، وبرغم

الهزيمة، فقد ظل هدف استرداد المدينة شاخصاً أمام أعين القادة، ولكنهم اعتمدوا

مبدأ التريث والصبر لعل حرارة الأحداث تنضج ظروفاً تهيئ للعودة، خاصة وأن

جنود دوستم (المرتزقة) قد بدأوا يتململون بسبب تدهور الأحوال المادية عنده بما لا

يمكنه من دفع رواتبهم.

الفتح الأخير:

حدث ما توقعه قادة الطالبان، واشتعلت الانقسامات داخل صفوف قوات

دوستم من جهة، وبين صفوف حركة الوحدة الشيعية من جهة أخرى، وبين بعض

قيادات التحالف المناهض لطالبان من جهة ثالثة، ولم تضيّع حكومة طالبان الفرصة، فحشدت قواتها لاقتحام آخر العقبات الكبرى في سبيل توحيد أفغانستان، وبالفعل

تمكن المقاتلون من دخول المدينة في (١٦/٤/١٤١٩هـ) (٩/٨/١٩٩٨م) دون مقاومة

تذكر، وأصبحت طالبان بذلك تحكم سيطرتها على ٨٥% من الأراضي الأفغانية،

ثم استأنفت السعي لضم البقايا المتبقية من الأراضي الواقعة تحت سيطرة مسعود

ورباني، بعد أن دحر دوستم بشكل نهائي عندما تمت سيطرة الحركة على مطار

مزار الشريف.

وبعد يومين من الاستيلاء على المطار، استولى مقاتلو طالبان على مدينة

(نهرين) المقر القيادي لأحمد شاه مسعود، وتقدموا منها إلى مدينة (بولي خمري)

عاصمة ولاية (بغلان) ، وسيطروا عليها، وهي بلدة استراتيجية تقع على ممر

سالانج الرابط بين العاصمة كابول ومدينة مزار الشريف. وسيطروا أيضا على

مدينة (حيراتان) على الحدود بين أفغانستان وأوزبكستان، وأسروا فلول قوات

دوستم الفارين إليها.

ثم بدأت الحركة في (٢٠/٤/١٤١٩هـ) (١٤/٨/١٩٩٨م) هجومها على معقل

الشيعة الرئيسي في وسط أفغانستان، وبدأوا في حصار مدينتهم (باميان) وبعد ذلك

بيومين سيطرت حركة طالبان على مدينة (أيبك) عاصمة مقاطعة سامنغان في

الشمال، وهي من بقايا المقاطعات التي كانت تابعة لدوستم ورباني، وقد سيطرت

الحركة بعد فتح تلك المدينة على مخازن أسلحة ثقيلة تابعة لعبد الرشيد دوستم،

تحوي صواريخ سكود (١) وسكود (ب) التي يبلغ مداها ١٨٠ و٢٧٠ كم على

التوالي، ويبلغ عدد هذه الصواريخ ١١٠، وأكثرها صالح للاستعمال، وعثرت

قوات طالبان أيضاً على أربع منصات متحركة لإطلاق هذه الصواريخ التي كانت

القوات الروسية قد أحضرتها معها إلى أفغانستان في أواسط الثمانينات إبان الاحتلال

السوفييتي، ثم سلمتها إلى الحكومة الشيوعية، وبدورها عمدت تلك الحكومة إلى

نشر الصواريخ في مدينة مزار الشريف.

لقد أتمت حركة الطلاب بعد تلك الانتصارات السيطرة على ٩٠% من

أراضي أفغانستان، فأطارت بذلك عقول زعماء الدول المجاورة، وبدا أن الصراع

سيأخذ بعداً آخر، وسيتحول إلى صراع بين دول بعد أن كان صراعاً بين حركات

وأحزاب، فقادة طهران خرجوا عن سكوتهم الظاهري المصطنع بل خرجوا عن

حدود اللياقة والدبلوماسية، بعد أن أسرت قوات طالبان عدداً من خبرائهم

العسكريين في مدينة مزار شريف، إضافة إلى عدد من الدبلوماسيين الذين اتهمت

إيران حكومة طالبان باحتجازهم، ووصفتهم بسبب ذلك بـ (الحقراء) و (الجهلة)

و (اللاعبين بالنار) واعتبر وزير الخارجية الإيراني هذا الفعل (مخالفة لكل الأعراف

والقوانين التي اصطلح عليها المجتمع الدولي والشرعية الدولية، وقال إنها تحرم

وتجرم احتجاز الدبلوماسيين كرهائن) . ونسي وزير الخارجية الإيراني أنه كان في

يوم من الأيام ممن شاركوا في احتجاز (الدبلوماسيين) الأمريكيين في مبنى السفارة

الأمريكية بعد نجاح ثورتهم عام ١٩٧٩م.

أما روسيا، فقد أصيبت زعامتها المتهالكة بذعر واضطراب من انتصارات

الطالبان، ودعا الرئيس الروسي (بوريس يلتسين) في (١٥/٨/١٩٩٨م) إلى إقامة

حاجز يمنع تقدم طالبان نحو آسيا الوسطى، وقال إنه تحدث إلى نظرائه رؤساء

طاجيكستان وأوزبكستان مؤكداً ضرورة وضع حاجز على الحدود الجنوبية

لجمهوريات آسيا الوسطى، أو الجمهوريات الإسلامية التي كان الاتحاد السوفييتي

البائد قد اغتصبها وضمها إلى اتحاد الإلحاد الذي هوى.. وباد.

واليوم تنقلب المعادلة، وتصرخ روسيا التي تحشد خمسة وعشرين ألفاً من

جنودها على الحدود الطاجيكية مع أفغانستان تصرخ من اقتراب خطر المد

الإسلامي إلى البلاد المجاورة لها ...

وتعود أفغانستان إلى واجهة الأحداث العالمية مرة أخرى.. بعد طول انشغال.

وإلى بقية في عدد قادم إن شاء الله،،،


(١) بعض المصادر توصل عدد القتلى إلى خمسين ألف قتيل، ولكن لا توجد أي إحصاءات دقيقة.
(٢) يشكك الكثيرون في شرعية هذه الحكومة حتى قبل إسقاطها على يد طالبان، فبرهان الدين رباني انتخب للرئاسة مدة مؤقتة هي أربعة شهور، ثم مدد له أربعة أشهر أخرى، ثم طلب تمديداً ثانياً وانتهت رئاسته في ٢٦/٣/١٤١٣هـ الموافق (٢٨ ديسمبر ١٩٩٤) ، ثم ظل يمدد لنفسه تلقائياً وقد كان محمود المسيري المبعوث الدولي لأفغانستان يصارح رباني بتلك الحقيقة، فقد قال له: (أنت رجل تستحق الاحترام، ولكن بصراحة لست حاكماً شرعياً للبلاد) (صحيفة الاتحاد/٢٤/٥ /١٤١٧) ولا يزال للآن، بعد سيطرة طالبان على كامل أرض أفغانستان تقريباً يقول: الحرب لم تنته ضد طالبان!! .