للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

المسلمون والعالم

معالم في قضيتنا الكبرى.. فلسطين

د. سليمان بن حمد العودة

مهما تحدث الناسُ عن اليهود، ووصفوا طباعهم ونفسياتهم فلن يبلغوا مبلغ

القرآن في ذلك، وكفى أن يستيقن المسلمُ شدةَ عداوتهم وهو يقرأ قوله تعالى:

[لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا اليَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا] (المائدة: ٨٢) ، وأن

يعلم نوعية سعيهم في الأرض من قوله تعالى: [وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً]

(المائدة: ٦٤) أجل إنهم ملعونون على لسان أنبيائهم بما عصوا وكانوا يعتدون،

وقساةُ قلوب بشهادة الذي خلقهم وهو العليم الخبير: [فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ

وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً] (المائدة: ١٣) ، وهم أسرع الناس للإثم والعدوان بشهادة

القرآن على أكثرهم: [وَتَرَى كَثِيراً مِّنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ

السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ] (المائدة: ٦٢) .

والحديث هنا ليس وصفاً لليهود أو استجماعاً للنصوص التي تكشف طبائعهم

ومواقفهم وخبثهم؛ فذلك له حديث خاص وإنما يتركز حديث اليوم على قضيتنا

الكبرى مع اليهود بمعالمها وأبعادها وطبيعة الصراع فيها لا سيما ونحن نسمع ونرى

هذه الأيام أحداثاً دامية واعتداءً صارخاً على المسلمين، ومحاولات تتكرر للعبث

بمقدساتهم، واستفزازاً أهوج لمشاعرهم، وما الحوادث التي تدور رحاها الآن في

فلسطين وراح ضحيتها عددٌ من القتلى ومئات من الجرحى إلا حلقة في هذا

المسلسل الإجرامي الحقود.

وحتى ندرك حجم القضية ونعلم طبيعة المعركة مع اليهود نورد سؤالاً ثم

نجيب عليه أو على بعضه.. والسؤال يقول: ما هي أبرز المعالم في قضيتنا

الكبرى مع اليهود؟

والجواب:

١ - ليست قضيتنا مع اليهود قضية أرض مجردة يمكن أن نتقاسم فيها النفوذ

وأن نتعايش بسلام: كلا؛ فالقضية قضية مقدسات إسلامية، وحقوق مغتصبة،

قضية حق يمثله الإسلام والمسلمون تُطمس هويته ويُشرد أبناؤه، وباطل تمثله

اليهودية المحرفة، وينتصر له اليهود المغضوب عليهم والنصارى الضالون قضيتنا

لها بُعدها العقدي ولها امتدادها التاريخي.

٢ - وليست قضية فلسطين بمقدساتها وتاريخها قضية العرب وحدهم كما يريد

الغرب ومن سار في ركابه أن يُشيعوه: بل هي قضية كل مسلم على وجه البسيطة

يؤمن بالدين الحق ويستشعر عداوة اليهود والنصارى للمسلمين، وينتمي لهذه

المقدسات.

٣ - والقضية كذلك ليست حقاً خاصاً لمسلمي اليوم يتصرفون فيها كيفما

شاؤوا، ويتنازلون إذا اتفقوا: كلا.. بل هي ميراث وأمانة.. ميراث عن الآباء

وأمانة لا بد من تسليمها للأبناء؛ فقد فتحها أسلافنا بدمائهم، وحرروها بصدق

عقيدتهم وجهادهم، ولا يحق لنا أن نهدر هذه الجهود حين غاب المحررون، كما لا

يسوغ لنا أن نحجر على مسلمي الغد فنكبلهم بمعاهدات سلام هزيلة، ونبيع حقنا

وحقهم بأبخس الأثمان.

٤ - ما هي اللغة التي تفهمها إسرائيل ويحتاجها العرب والمسلمون؟ إنها لغة

القوة، وبهذه القوة استسلم اليهود عبر التاريخ؛ وإذا تجاوزنا تاريخهم قبل الإسلام،

ووقفنا عند تاريخهم في المدينة مع محمد صلى الله عليه وسلم والمسلمين رأينا كيف

كان غدرهم ونقضهم للعهود، ورأينا محمداً صلى الله عليه وسلم يتعامل معهم

بالحصار والإجلاء، بل وتقديم طوائف منهم لتحصد رؤوسهم ويساقون إلى الموت

وهم ينظرون، وكيف لا يكون ذلك وقد نقضوا العهود، وألَّبوا الأعداء، ودلُّوا

المشركين على عورات المسلمين في أُحُد، ثم كانت غزوة الخندق ومجيء الأحزاب

بتخطيطهم مع مشركي قريش؛ وآخر طائفة منهم تماسكت على العهد خوفاً من

المسلمين حتى إذا لاحت لهم الفرصة غدرت بنو قريظة في أشد الظروف وأحلكها

على المسلمين؛ وتلك التي قال الله عنها: [إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ

وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ

المُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً] (الأحزاب: ١٠-١١) .

ذلك نموذج لغدر اليهود في زمن النبوة، وذلك أسلوب نبوي للتعامل معهم،

وهدي المرسلين صالحٌ للاعتبار والاقتداء في كل زمان ومكان.

٥ - ما مفهوم إسرائيل للسلام، وما هدفُها من إشاعة مفاهيم السلام؟ إننا

نخادعُ أنفسنا حين نعتقد أن إسرائيل جادةٌ في تحقيق السلام؛ والواقع يشهد بإفلاس

المسرحيات الهزيلة للسلام، ومن كامب ديفيد بمراحله المختلفة وأدواره المكشوفة،

إلى مدريد أو غيرها من محطات السلام استَسمن المخدوعون بالسلام ورماً، فإذا

الجبلُ يلد فأراً، وإذا الانتقام يعقب السلام ومدادُه لم يجف بعد، فتتحدثُ الديانة

المجنزَرة باسم السلام الذي تريده (يهود) وينطق الرشاس، وتحوم الطائرات

المروحية، وترمى الطلقات المطاطية وغيرها بشكل عشوائي لتصيب الأطفال

والنساء والشيوخ.. وتكون هذه وتكون هذه؛ وتلك لغة السلام المعبرة في ذهن

إخوان القردة والخنازير؟ !

وَمَن صنع مسرحية السلام؟

موقف إسرائيل من السلام ليس على ظاهره؛ بل دافعها للسلام إظهارُ نفسها

للعالم بصورة الإيجابية المحبة للسلام وذلك لتستقطب الاستثمارات وتفتح الأسواق

الخارجية؛ تعزيزاً لاقتصادها. أو هي باختصار كما يقول أحدُ اليهود [١] وهو

شاهد من أهلها: «ليست (عملية السلام) سوى حملة علاقات عامة لترويج

إسرائيل» [٢] .

٦- وقفة إشادة وتقدير لأطفال الحجارة الفلسطينيين الذين أرعبوا اليهود: لكن

السؤال المهم: هل بلغت أمة المليار حداً من الضعف حتى أنابت عنها في قتال

الأعداء أطفالاً لا يملكون إلا الحجارة يقاتلون بها اليهود ويرهبون بها مَنْ وراء

اليهود؟

وفي المقابل فإن أمة مدججة بالقوة وتعد ترسانة للسلاح النووي وغيره يرهبها

أطفال عزل من السلاح؛ ليست خليقة بالبقاء ولا قادرة على الصمود والتحدي حين

يتوفر المجاهدون الصادقون، عجَّل الله وجودهم.

٧ - الغرب ومنظمات الجهاد والأصولية: ومن هنا يُعلم سر تخوف الغرب

واليهود من تنظيمات الجهاد وصيحات المجاهدين وما يسمونهم بالأصولية،

ومحاولاتهم تشويه صورتهم ووصف المجاهدين بالإرهابيين؛ ذلك لأنهم يدركون أن

هؤلاء عدوُّهم الحقيقي، وهؤلاء هم خطرهم المستقبلي يصرحون بذلك في كتبهم

ولا يكتمونه، يقول الرئيس الأمريكي (نيكسون) : «إن صراع العرب ضد

اليهود يتطور إلى نزاع بين الأصوليين الإسلاميين من جانب وإسرائيل والدول

العربية المعتدلة من جانب آخر» [٣] .

ومن جانب آخر يعلنون بكل صراحة ويقولون في ملتقياتهم العامة: على

روسيا وأمريكا أن تعقدا تعاوناً لضرب الأصولية الإسلامية.

ويقولون كذلك: «علينا نحن الأمريكان والروس تناسي خلافاتنا والتحالف

معاً لضرب الإسلام» [٤] فهل يا تُرى يستفيق المغفلون الذين يرددون ما تردده

الدوائر اليهودية والنصرانية في الغرب والشرق عن إخوانهم المسلمين؟ وهل ندعم

الجهاد الحق وهو ذروة سنام الإسلام ليكون الفيصل بيننا وبين أعدائنا، وهو أقصر

الطرق وأنفعها لاسترداد حقوقنا وتحرير مقدساتنا؛ «وما ترك قومٌ الجهاد في سبيل

الله إلا ذلوا» .

يا للخيبة والعار حين يُسارع ممثلو الفلسطينيين لاستجداء الآخرين في صفقات

السلام الهزيل وهم المُعتدى عليهم في الوقت الذي يرفض فيه زعماء إسرائيل

حضور هذه الملتقيات وهم المجرمون المعتدون؟

لا بد من تحقيق الولاء للمؤمنين والبراءة من المشركين، وفي كتابنا العزيز:

[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا اليَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن

يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ * فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم

مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ

أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ] (المائدة: ٥١-٥٢) .

٨ - بين الحماس الشعبي والتَّراخي السياسي يبرز مَعْلَمٌ من معالم الموقف في

قضيتنا الكبرى: فالمتأمل في الأحداث الجارية مع اليهود في فلسطين يلاحظ حماساً

وعاطفةً إسلامية تنفذ في قلوب الشعوب العربية والإسلامية منددة باليهود، ليس فقط

في حدود فلسطين بل وخارجها، ومن أطفال الحجارة إلى المنظمات الجهادية إلى

المظاهرات الطلابية. وفي أرض الكنانة (مصر) نموذج لهذا الحماس الإسلامي

تجاه المقدسات وتجاه الدماء الإسلامية، وفي مقابل ذلك هناك فتور وتراخ في

الموقف السياسي ممن يملكون القرار، ولا يزالون يحملون حقائبهم للمفاوضات

الخاسرة على الرغم من النكسات المريعة والصلف اليهودي المثير، ولا تزال

الشعوب العربية والمسلمة تتطلع إلى قرار جماعي وموقف بطولي يضع حداً لعنف

اليهود وينهي مرحلة الذل والاستسلام.

٩ - ضعف الإعلام العربي والإسلامي في خدمة قضية فلسطين: نلاحظ

ضعفاً في إعلامنا العربي والإسلامي تجاه قضية فلسطين الكبرى، وللإعلام دورُه

في إذكاءِ حماس الشعوب، بل وفي الضغط لاتخاذ مواقف جادة مع بني صهيون ,

وماذا يصنع الإعلام الغربي واليهودي لو أن طفلاً يهودياً قتله المسلمون؟ فكيف

بمجموعة من الأبطال والرجال والنساء يُقتلون؟ وكيف والعبث بالمقدسات

والاستفزاز في الزيارات ديدن اليهود؟ والمأساة هي التغفيل من قبل الإعلام إلا

عواطف مجردة تخرج عند الحدث ثم لا تلبث أن تخبو وكأن شيئاً لم يكن.

أما الإعلام الكافر فمعروف بتحيزه وخدمته لقضايا فكره والدفاع عن أبناء

جنسه وملته، وهو غير ملوم في ألاَّ نخدم قضايا المسلمين، ولكن الملوم إعلام

العرب والمسلمين؟ على أن أمر القضية الكبرى ليس مسؤولية الإعلاميين وحدهم،

بل ورجال الفكر وأساتذة الجامعات؛ وذلك بإثراء القضية بأحاديثهم وبحوثهم

ومقالاتهم وكتبهم؛ فأين هؤلاء جميعاً من قضيتهم وبكل نزاهة وتجرد وصدق

وإخلاص؟

١٠ - الهيئات والمنظمات الإسلامية والقضية: إن سؤالاً وجيهاً يطرح نفسه:

كم في العالم العربي والإسلامي من هيئة ومنظمة إسلامية، وأين دورها وما أثر

هذا الدور في خدمة القضية؟ وهل يقارن أثرها وجرأتها بالمنظمات والهيئات

الغربية؟ أم أصيبت بنوع من الإحباط لكثرة رزايا المسلمين، سواء كان هذا أو

غيره من الأسباب فلا يُسوَّغ صمتها في بيان الموقف الإسلامي بعيداً عن أي

مؤثراتٍ أخرى، ولا يعفيها من المسؤولية إن جاء صوتها متأخراً وهزيلاً؟ وأي

هيئة أو منظمة إسلامية لا يعنيها شأن المقدسات ولا تستنكر نزيف الدماء المسلمة،

ولا تندد بظلم الطغاة والمجرمين فماذا تُقِرُّ، وماذا تستنكر؟

وللحق أن يُقال: إن ثمة هيئات ومنظمات إسلامية تستنكر؛ لكن الحديث عن

الأعم والأغلب، وهو دون المستوى المطلوب في حجمه وفاعليته!

١١ - بين خسارتين: لا شك أن سقوط عددٍ من القتلى والجرحى في أرض

فلسطين خسارة للفلسطينيين والمسلمين، ولا شك أن إرهاب الآمنين من المسلمين

في الأراضي المحتلة يُسيء للفلسطينيين وعموم المسلمين، ولكن الخسارة تصبح

أعظم لو سار قطارُ السلام واستثمره اليهود والنصارى لصالحهم ضد المسلمين، فتمَّ

التطبيع، وصدَّرت إسرائيل أفكارها وعقائدها، وروجت للمخدرات، وانتشر

الفساد الخلقي، وراج سوق البغايا. إن حُمق اليهود واستفزازهم أشعل فتيل العداوة

ضدهم وذكَّر المسلمين بأهدافهم ومخططاتهم، واستيقن من لم يستيقن من المسلمين

بعدم جدوى عمليات السلام وضرورة الاستعداد للمواجهة مع اليهود مستقبلاً، وهذه

وتلك إيجابيات للأحداث [فَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً]

(النساء: ١٩) .

١٢ - تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى: تلك حقيقة قرآنية تكشف عن تنازع

اليهود واختلافهم فيما بينهم وهم كذلك في القديم والحديث، وينبغي أن يدرك

المسلمون هذا الخلل عند اليهود، ويستفيدوا منه لصالح قضيتهم، ولئن ظهر للناس

اليوم أن اليهود متفقون ومتماسكون في فلسطين فليس الأمر كذلك؛ بل تشير

الدراسات إلى عددٍ من المشاكل التي تُقلق مضاجعهم؛ فهم أحزاب متناحرون،

ووصل الأمر إلى قتل المتطرف منهم للمعتدل في نظرهم وإن كانوا في نظرنا

متطرفين، والهجرة المعاكسة والخروج من فلسطين لدى بعض اليهود بسبب عدم

توفر الأمن لليهود يقلق الإسرائيليين، كما يقلقهم عدم استجابة السكان اليهود لدعوى

تكثير النسل، ولا سيما أنهم اكتشفوا أنه مقابل كل شهيد فلسطيني يُولد عشراتٌ من

الفلسطينيين، وهكذا الطبقية المقيتة تزعج اليهود، ولو أن المسلمين صدقوا في

جهادهم لاكتشفوا كثيراً من طباعهم وعناصر الضعف فيهم.

وأقف ويقف غيري متسائلاً: وماذا ستتمخض عنه هذه المشاعر العربية

والإسلامية الغاضبة تجاه ما يصنعه اليهود اليوم في أرض المقدسات؟ ولئن قيل

إنها ستنتهي عند حدود الشجب والاستنكار كما حدث في مجزرة الخليل ومذبحة

صبرا وشاتيلا وسواها من أحداث دامية ارتكبها اليهود، وهي مسطورة في

تاريخهم الأسود؛ فهناك من يقول: إنها وإن كانت كذلك في المنظور القريب، فإنها

على المدى البعيد ستشكل هذه المآسي أرضية تنبت العزة والكرامة لدى الشعوب

العربية والمسلمة، وستكون سلاحاً يُقاتل به اليهود، وسينشأ في هذه المحاضن

الصعبة أطفال يرضعون كره اليهود ومن شايعهم مع حليب أمهاتهم، وسيكونون

رجال المستقبل يقاتلون وهم صادقون، ويصبرون حتى ينتصروا.

ولكنها مأساة بحق مسلمي اليوم حين يلوذون بالصمت وهم يرون الحقد

اليهودي يتزايد، والدعم الغربي لدولة الصهاينة يتفاقم، والهيئات والمنظمات الدولية

تتفرج، بل ربما تتلذذ بمشاهدة المسرحيات وهي تُنفذ وهم خلف الستار.

أجل لا يسوغ لأمة ولدت أطفالاً يقاومون بالحجارة أن تظل تتفرج على هؤلاء

الأطفال وهم يقضون نحبهم كما يتفرج غيرهم دون أن ينصروا مظلوماً أو يردعوا

ظالماً؛ وماذا سيكون موقف الحكومات الإسلامية التي تورطت بعلاقات واتفاقات

اقتصادية أو ثقافية أو عسكرية أو نحوها مع إسرائيل وهي تفعل اليوم ما تفعل

بأبناء فلسطين ومقدسات المسلمين وإخوانهم المسلمين؟ ! إنها مأساة حين يتفرج

أبناء الملل الأخرى على ما يحصل لأبناء المسلمين ولسان حالهم يقول: أين أهل

هؤلاء؟ أين أبناء ملتهم؟ أليس دينهم يقول لهم: [إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ]

(الحجرات: ١٠) أليس بينهم من يقول لهم: «انصر أخاك ظالماً أو

مظلوماً» [٥] ، فأين حقوق الأخوة؟ وأين وسائل النصرة؟

البعد الديني في القضية الكبرى:

قضيتنا في فلسطين وحربنا لليهود لها بُعدٌ ديني ليس فقط عندنا معاشرَ

المسلمين، بل وعند اليهود والنصارى، ولكن الفرق أن لنا وعداً حقاً ولهم وعدٌ

مفترى، أما وعدنا الحق فأساسه الكتاب المحفوظ وبشارات المصطفى صلى الله

عليه وسلم بقتل اليهود وبمساعدة الشجر والحجر على قتلهم..... إلا الغرقد فإنه من

شجر اليهود، وأحاديث نزول المسيح عليه السلام في آخر الزمان، وأنه سيقتل

اليهود والنصارى ويحكم بالإسلام، وما ورد أن بلاد الشام ستكون معقلاً للمسلمين،

ومنها يقاتلون الروم، إلى غير ذلك من وعودٍ صادقة تؤكد أهمية بلاد الشام

للمسلمين ومنها فلسطين، وما سيكون فيها من ملاحم بينهم وبين أعدائهم هذا كله

فضلاً عن تعلُّق المسلمين بالمقدسات هناك وشعورهم بضرورة حمايتها من الخطر

اليهودي والنصراني.

أما الوعد المفترى لليهود فيقوم على نصوص محرفة في التوراة يقول أحدها

كما في الإصحاح الخامس عشر: «يقول الرب تعالى عما يقولون لنسلك (يعني

يعقوب) أعطي هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات» .

وفي الإصحاح السابع والعشرين تتمة ذلك: «يُستعبد لك شعوب، وتسجد لك

قبائل، ليكن لاعنوك ملعونين ومباركوك مباركين» ، ومن هنا قال ابن جوريون

(رئيس أول حكومة يهودية) : «تستمد الصهيونية وجودها وحيويتها من مصدرين:

مصدر عميق عاطفي دائم، وهو مستقل عن الزمان والمكان، وهو قديم قدم

الشعب اليهودي ذاته وهو: الوعد الإلهي والأمل بالعودة ... » والملاحظ أن هذا

البعد الديني لا ينفرد به اليهود بل يشاركهم فيه النصارى، ولا يقتصر الأمر فيه

على بني صهيون بل يصرح به ساسة الأمريكان، يقول كارتر: «لقد آمن سبعة

رؤساء أمريكيين وجسدوا هذا الإيمان بأن علاقات الولايات المتحدة الأمريكية مع

إسرائيل هي أكثر من علاقة خاصة، بل هي علاقة فريدة؛ لأنها متجذرة في ضمير

الشعب الأمريكي نفسه وأخلاقه ودينه ومعتقداته، لقد شكَّل إسرائيل والولايات

المتحدة الأمريكية مهاجرون طليعيون، ونحن نتقاسم ميراث التوراة» [٦] .

ويقول الأصولي النصراني (مايك إيفانز) وهو صديق الرئيس (بوش)

وصاحب علاقات حميمة معه يقول: «إن تخلي إسرائيل عن الضفة الغربية سوف

يجر الدمار على إسرائيل وعلى الولايات المتحدة الأمريكية من بعدها، ولو تخلت

إسرائيل عن الضفة الغربية وأعادتها للفلسطينيين فإن هذا يعني تكذيباً بوعد الله في

التوراة، وهذا سيؤدي إلى إهلاك إسرائيل، وهلاك أمريكا من بعدها إذا رأتها

تخالف كتاب الله وتقرها على ذلك» [٧] .

ومن هنا يلتقي اليهود والنصارى على هذا الوعد المفترى، ويتكئون على

البعد الديني في سياستهم مع المسلمين؛ فهل يفقه المسلمون هذا؟ بل وهل يدركون

تخطيط اليهود والنصارى وخطواتهم في إيجاد إسرائيل أصلاً، ذلكم بُعْدٌ آخر يمكن

أن نسميه: (أساس المشكلة) فكيف وجدت وقامت إسرائيل؟ إنها ربيبة الغرب،

خاض من أجلها الحروب وعقد لها الاتفاقات والتزم لها بالوعود؛ ودونكم هذا

التحليل للحروب الكونية فتأملوه وانظروا في آثاره؛ فالحرب العالمية الأولى كان

من آثارها بل من أغراضها تقسيم الدولة العثمانية، والقضاء على الخلافة الإسلامية،

وإعلان حق اليهود في تأسيس دولتهم رغم أنف عبد الحميد (البطل) الذي رفض

عروضهم المغرية، وتأسيس دولة عظمى على العقيدة اليهودية الشيوعية، وحينها

دخل الجنرال اللَّنبي أرض الشام وركز الراية قائلاً: «الآن انتهت الحروب

الصليبية» ، وأصدر الإنجيلي المتعصب (بلفور) وعده المشؤوم بإنشاء وطن

قومي لليهود.

أما الحرب العالمية الثانية فكان من أغراضها ونتائجها القضاء على النازية

منافسة الصهيونية، وإعلاء شأن الحكومة اليهودية الخفية (الشيوعية) ، وإعلان

ميلاد إسرائيل.

أما الحدث الثالث فهو الوفاق الدولي (اليهودي والنصراني) حيث تقرر

انتهاء دور العقيدة الشيوعية، ليعود اليهود والنصارى عصا غليظة وأداة لتهشيم

رأس العدو المشترك (المسلمين) ويفتح الباب لهجرة أكبر تجمُّع يهودي في العالم

بعد أمريكا، وليصبح جيش الدفاع الإسرائيلي بوليس المنطقة كلها، وتبعاً لذلك فلا

بد من إجهاض أية محاولة عربية وإسلامية للحصول على السلاح النووي أو بديله

المحدود الكيميائي، والعمل على تمزيق الأمة، ومن هنا جاء سيناريو حرب الخليج

ليقضي على قوة العرب وليقضي معه على تجمع العرب ووحدة المسلمين، ولا

تزال التهديدات الغربية لباكستان المسلمة جارية، وكأن العرب والمسلمين سفهاء لا

بد من الحَجْر عليهم ومنعهم من صناعة أسلحة نووية أو حيازتها، والهدف حماية

اليهود والنصارى من الخطر المستقبلي؛ فهل نفقه اللعبة؟ وهل ننطلق في قضيتنا

من البعد الديني والتخطيط المستقبلي، أم أن ذلك حلٌّ لأصحاب الديانات المحرفة

حرام على أصحاب الدين الحق؟ !

سقوط الشعارات الخادعة

إن وعينا معاشرَ المسلمين بهذا التاريخ ومعرفتنا بهذه المسرحيات يجعلنا لا

ننخدع بالشعارات البراقة التي يروجها ويصدرها الغرب لنا، بل إن رؤيتنا للواقع

السيئ اليوم يكشف لنا زيف هذه الشعارات الوافدة كالعنف والتطرف والأصولية،

وما يسمى بحقوق الإنسان.

فماذا يقول الغرب عامة وأمريكا على وجه الخصوص وهي تتبنى فكراً عالمياً

ضد التطرف والعنف؟ ماذا تقول وهي ترى، والعالم من حولها يتابع عنف

إسرائيل وتطرفها واستهانتها بأبسط حقوق الإنسان؟ أم أن هذه المصطلحات لازمة

للمسلمين فقط؟ ، فيقال: العنف الإسلامي، والتطرف الإسلامي، والأصولية

الإسلامية ... وهكذا تقوم الدنيا ولا تقعد على من يسمونهم بالإرهابيين المسلمين

حين يدافعون عن حقوقهم، بينما يُغض الطرف عن الصهاينة وهم يعتدون على

غيرهم، ويندد بالأصولية الإسلامية حين يعود المسلمون إلى دينهم ويرفضون

التبعية للأمم الكافرة؟ وهكذا تقصر حقوق الإنسان على اليهودي والنصراني وإن

كانوا في ميزان الحق مغضوباً عليهم وضالين.

إنها شعارات مكشوفة من قبل لمن نور الله قلوبهم بالوعي والإيمان؛ وأحداث

اليوم تزيد في كشفها لمن في قلبه مرض أو على عينيه غشاوة.

إن واقع اليوم نكسة على العلمانيين والليبراليين أدعياء العلمنة ودهاقنة

العلمانيين، وضربةٌ على الليبراليين الغربيين الذين ما فتئوا يقتاتون مما يوضع في

أفواههم من الغرب؛ فهل يستسيغون اليوم هذا الطعم المرَّ النكد؟ أم يتجرعونه ولا

يكادون يسيغونه، لا كثَّرهم الله في الأمة إن ظلوا على غيهم!

صيحات أطلقناها ونشيد حفظناه:

سبق أن أطلقنا: «ادفع ريالاً تنقذ عربياً» فماذا نقول اليوم، والأقصى

برمته ومن فيه من المسلمين يتعرض للخطر، بل ويطال التهديد الإسرائيلي دولاً

مجاورة أخرى؟

وما رَجْع الصدى لنشيد حفظناه وردَّدناه أطفالاً وكباراً، وبه استصرخ الشاعر

عواطفنا حين قال:

أخي جاوز الظالمون المدى ... فحق الجهاد وحق الفدى

وليسوا بغير صليل السيوف ... يجيبون صوتاً لنا أو صدى

ثم ردد مع الشاعر الآخر قوله:

وتُردُّ بالدم بقعةٌ أخذت به ... ويموت دون عرينه الضرغام

انحياز الأمم وحرب المستقبل:

لقد أصبح واضحاً أكثر من ذي قبل انحيازُ الأمم حسب معتقداتها وفكرها

ومصالحها، فلم تُظهر الدول النصرانية والشيوعية امتعاضاً يُذكر لما يصنعه اليهود

بالمسلمين.

بل انسحبت أمريكا وامتنعت عن التصويت لإدانة (إسرائيل) مع أنها راعيةُ

السلام المزعوم، والمناديةُ بعالم لا عنف فيه ولا حرب؛ فماذا يعني ذلك؟ وجاء

قرار مجلس الأمن بشكل عام بارداً وضعيفاً. وحري بالأمة المسلمة أن ينحاز

بعضها إلى بعض، وتردم الخلافات الفرعية بين أبنائها لمواجهة الأمتين اليهودية

والنصرانية؛ فحرب المستقبل ليست صراعاً على النفوذ فحسب بل هي حرب

وجود، حرب عقائد وإن سُيِّست، والمعركة القادمة لن تكون نزاعاً بين الفلسطينيين

أو حتى العرب مع إسرائيل، بل هي حرب بين المسلمين وأعدائهم من اليهود

والنصارى، فلينتبه المسلمون لهذا، وليستعدوا للمعركة بما استطاعوا من قوة

ليرهبوا عدو الله وعدوهم.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: [قَاتِلُوَهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ

وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى

مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ] (التوبة: ١٤-١٥) .

ثمن الانتفاضة:

لقد نجح الفلسطينيون في التعبير عن مشاعرهم، وأثبتوا لأنفسهم وللعالم أنهم

لن يستسلموا لبني صهيون وإن لم تكن قوتهم مكافئة أو مقاربة لقوة عدوهم، وصدق

المسلمون في صدق مشاعرهم ومؤازرتهم لإخوانهم، وجددوا أمام العالم حرصهم

وانتماءهم لعقيدتهم ومقدساتهم، ولكن هذه الانتفاضة التي راح ضحيتها عدد من

أبناء فلسطين قتلى وجرحى، وما نتج عنها من ألم وشكوى، وهذه الانتفاضة

والمشاعر الإسلامية المعبرة، ما ثمنها؟ لا سيما أنه يُراد لها أن تنتهي هذه الأيام؛

أفتنتهي بحلول بسيطة ومكاسب محدودة لا تساوي نزيف الدماء ولا تأوهات

الجرحى ولا صيحات المسلمين هنا وهنا؟ !

وحين يرقب المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها نتائج مؤتمر القمة فهل

كان هدف المؤتمرين امتصاص الغضبة وسحب الغليان، والرضى بالبيانات

المجردة.. أم أنهم كان ينبغي أن يتجاوزوا ذلك ويكونوا عند أو فوق تطلعات

شعوبهم؟ فما عاد العهد مع اليهود، ولا الوعود مع بني صهيون تجدي فتيلاً لا بد

من المطالبة بحلول عملية والانتهاء إلى قرارات جادة تكفي ثمناً لهذه الانتفاضة،

وتتجاوب مع هذه العواطف الجياشة، وعلى المسلمين جميعاً ألا يفتُروا ما دام الفتيل

أشعل حتى يضيء الحق في أرضنا ويُجلى اليهود عن مقدساتنا.

القضية أمانة وليست للمزايدة:

نعم إن قضية فلسطين مسؤولية إسلامية لا تقبل المزايدة! وسيحتفظ التاريخ

بسجلات مواقف البطولة المعاصرة كما حفظ البطولات والمواقف السابقة،

وسيسجل في مقابل ذلك كل موقف متخاذل، وكل مزايدة على هذه القضية العالمية

المشروعة، وعلى العرب والمسلمين شعوباً وحكومات أن يختاروا نوعية المداد

وطبيعة الموقف الذي يسجلونه ويتخذونه لقضية فلسطين، وما يخفى اليوم يظهر

غداً، وما يظل غائباً عن أعين البشر فسينكشف يوم التلاق.

إن العالم بملله وأديانه يسخر بالمتزيدين، ويرفض المتاجرة بقضايا الآخرين،

ولا تزال الشخصيات الإسلامية ذات الموقف الإسلامي البطولي من قضية فلسطين

لا يزالون يُذكَرون بخير وهم محل الحفاوة والتقدير، ليس من المسلمين فحسب بل

ومن غيرهم، وذكرى هؤلاء محفورة في أذهان المسلمين، وستظل كذلك

وسينضاف إليها من سار على نهجهم فنصح لنفسه ولأمته وأخلص لقضيته ودافع

عن مقدسات المسلمين.

جذوة الإيمان وإحباط الأعداء:

وعلى الرغم من سياسات تغريب الأمة المسلمة ومحاولة طمس هويتها

واستخدام العولمة للتغريب إلا أن الواقع أثبت بقاء جذوة الإيمان في تكوين المسلمين،

وما تزال العواطف والمشاعر الإسلامية مختزنة إذا ما استُجيشت جاشت؛ وهذه

وتلك تمثل رصيداً للأمة يمكن أن تستثمره في الوقت المناسب، وتؤكد هذه

الانتفاضة أن تعبئة الأمة ليست بالأمر العسير ولا المستحيل ولا يحتاج لمزيد وقت،

وحين يتوفر القادة الذين يصدقون مع الأمة ويأخذون بأيدي أبنائها فسيجدون من

يسير خلف رايتهم ويشد من أزرهم.

وهكذا تبقى أمة الإسلام أمة فيها خير، يتجدد الإيمان في نفوسها كلما تعاظم

الأعداء واشتدت الحاجة وادلهمَّ الظلام، وهذا كله محبطٌ للأعداء، ومشعر لهم

بإفلاس وسائلهم في الإفساد، ومؤشرٌ إلى أن النصر في النهاية لهم.

استدامة الشعور ويقظة المشاعر:

ينبغي ألاَّ نضيِّع هذا الرصيد من المشاعر بتفريغه في ساعات المحنة ثم تغيب

القضية عن أذهاننا؛ بل إن من أبرز مكاسب هذه الانتفاضة أن تظل قضية فلسطين

حُلماً ماثلاً في أذهاننا، وأن تظل المقدسات الإسلامية هدفاً مهماً نسعى جاهدين

لتخليصها ممن غضب الله عليهم ولعنهم، وأن يستمر دعمنا لإخواننا في فلسطين

بأموالنا وعواطفنا وأنفسنا حتى يرفع الظلم عنهم ويُجلى العدو من أرضهم؛ ذلك

درس مهم، وذلك تحدٍ يواجه المسلمين في المستقبل؛ فهل يستمرون في حماسهم

لقضيتهم حتى يقضي الله بينهم وبين عدوهم؟ ذلك ما نرجو ونأمل.


(١) نعوم تشومسكي (يهودي مشهور) .
(٢) عبد الوهاب الفايز، مقال في جريدة الرياض ٧/٧/١٤٢١هـ (بين أطفال لحجارة وترسانة الأسلحة النووية) .
(٣) نصر بلا حرب، ١٩٩٩م، ص ٢٨٤.
(٤) القدس بين الوعد والحق والوعد المفترى.
(٥) البعد الديني في السياسة الأمريكية، د يوسف الحسن، ص ٧٦.
(٦) القدس بين الوعد الحق والوعد المفترى، ص ٤٢.
(٧) القدس بين الوعد الحق والوعد المفترى، ص ٤٢.